; المجتمع التربوي (العدد 1110) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1110)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 81

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

إعداد: عبد الحميد البلالي

وقفة تربوية

عميل:

إن من الإفرازات السلبية التي أفرزتها أزمة الكويت أو من الاكتشافات الغريبة في حقل الدعوة الإسلامية، بروز نوعيات من الدعاة لها جرأة عجيبة باتهام علماء لهم أكبر الفضل بعد الله في هداية الآلاف من شباب الأمة، وربما دخل بعضهم السجون، وعذب في سبيل نصرة الحق، وبعضهم قد شابت رؤوسهم في الدعوة إلى الله، لا لسبب سوى مخالفتهم لآراء أولئك الدعاة في أزمة الكويت أو في قضية أخرى ليست فيها نصوص في الكتاب أو في السنة، أو مما فيه خلاف بين العلماء، فما أسرع أن يقول أحد أولئك الدعاة الشيخ الفلاني عميل للنظام الفلاني، أو يقول: «الشيخ الفلاني دجال أو انحرف» إلى آخر هذه الاتهامات الخطيرة التي سيسأل عنها ذلك الداعية أمام الله يوم القيامة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن تلك الشريحة لم تتلق تربية أصيلة، وتتعمق فيها الأخلاق الإسلامية العامة، ولا حتى الأدب الإنساني العام، وربما لم تسمع أو لم تعِ قول رسول الله ﷺ: «وإن أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم» فإذا كان «درهم الربا أشد عند الله من ست وثلاثين زنية أقلها أن يزني الرجل بأمه» كما أشار النبي ﷺ في الحديث الصحيح، فكيف يكون عقاب ذلك المستطيل بعرض العلماء؟

إن هذه الظاهرة تدعو جميع القائمين على أمر الدعوة إلى التركيز والاهتمام بالقضايا الإيمانية والأخلاقية، وإعطائها أولوية عن القضايا الفكرية والسياسية؛ لأنها هي الأصل والضابط الذي يحد من انحراف الدعاة إلى منعطف خطير قد يؤدي بكل تلك المجموعة للانحراف.       

أبو بلال

الصبر ضياء:

بقلم: محمد أبو سيدو.

الصبر من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة الفارعة، فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل، كذلك الحياة لا ينهض برسالتها الكبرى إلا العمالقة الصامدون.

سئل رسول الله ﷺ أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الناس على قدر إيمانهم، وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة»، والغريب أن بعض الناس يفهم أن الإسلام يمجد الآلام، ويكرم الأوجاع، وهذا خطأ بعيد، فعن أنس بن مالك –رضي الله عنه– قال: رأى رسول الله ﷺ شيخا يهادي فقال: «ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي فقال رسول الله ﷺ: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني» وأمره أن يركب.

والصبر يكون على درجة الصلة بين العبد وربه، وقد يظن الناس أن تلاحق الأذى آية على نسيان الله، فإن مصاعب الحياة تتمشى مع همم الرجال، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، يقول المصطفى ﷺ إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم، فيوسف -عليه السلام- ألقاه إخوته في البئر، ثم باعته القافلة بمبلغ زهيد، ثم اتهم وهو العفيف، وسُجِنَ وهو البريء.

ولو أن إنسانًا آخر مر بهذه التجارب لكان مثقلًا بالآلام، وضاق بالأرض وتنكر للسماء، بيد أن يوسف الصديق بقي متألق اليقين وراء جدران السجن، يُذكر بالله من جهلوه، ويُبَـصر بفضله من جحدوه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف:39: 40)، ويقول المصطفى ﷺ: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ماله أو في ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل» فكأن تكاثر المصائب إشارة إلى ما يرشح له المرء من خير وكرامة. 

فالصبر وحده هو الذي يُشعُ للمسلم النورَ العاصم من التخبط، يقول المصطفى ﷺ: «الصبر ضياء» ومقابلة الأحداث ببصيرة مستنيرة واستعداد كامل- يقوم بدور هام في بناء شخصية المسلم: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (سورة آل عمران: 186) فالصبر من الفضائل الخلقية والنفحة الروحية التي يعتصم بها المؤمن، فتدخل إلى قلبه السكنية والاطمئنان، فالصابر يتلقى المكاره بالقبول، ويراها من عند الله، ولولا  الصبر لانهارت نفس الإنسان من البلايا التي تنزل به، ولأصبح عاجزًا عن مواكبة ركب الحياة، والصبر هو الفاصل بين الحياة الروحية والمادية، فالشجاعة هي الصبر على مكاره الحياة، والعفاف هو الصبر على المثيرات، والكتمان هو الصبر على إذاعة السر:

 لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة ***  والسر عند خيار الناس مكتوم

لهذا أحب الله الصابرين، وأعلن أنهم ينالون المزيد من الفضل والرحمة في الدنيا والآخرة.

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (سورة الزمر: 10) ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة النحل: 96) ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (سورة الإنسان: 12). 

والصبر من الخصال العظيمة التي يتصف بها المؤمنون: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (سورة آل عمران: 186) ومدح الله نبيه أيوب بالصبر قائلًا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (سورة ص: 44). 

والصبر الذي دعا إليه القرآن هو ملكة الثبات والاحتمال التي تهون على صاحبها ما يلاقيه في سبيل الحق، وإزالة الباطل، واحتمال أذى الناس، وما يلاقيه من مصاعب الفقر والمرض وفقد عزيز، وهكذا فالصبر فيه العزاء للقلوب المكلومة، والشفاء للنفوس الحزينة، والنجاح في هذه الحياة.

من موازين القرآن: 

يقول -تعالى- في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (سورة الفجر: 16:15).

يبين الله -سبحانه وتعالى- في هذه الآيات صنفان من الناس نراهما كثيرًا في الحياة: الصنف الأول- هو الذي يغدق الله عليه من نعمه التي لا تعد ولا تحصى، فلا يلتفت إلى فضل الله عليه، ومن ثم لا يقوم بشكر هذه النعم بعد إسنادها للمنعم، بل يقول: «ربي أكرمن» أي أنني لو لم أستحق هذه النعم لما أعطانيها الله، كذلك قال مثيله في سورة الكهف عندما أعجب بجنته العظيمة وما أفاء الله عليه وقال: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ (سورة الكهف، 36:35) 

والذي يدفع هذا الصنف لمثل هذا السلوك المنحرف هو الكبر والتعالي والاغترار بالنعم دون فهم المغزى من هذا الإعطاء الرباني.

أما الصنف الثاني: فهو معاكس تمامًا للصنف الأول، فهو الذي لا يعطيه الله -سبحانه وتعالى- هذه النعم، بل يسلبها منه ويبتليه بالبلاء تلو البلاء، ويظن أن الله يبغضه ويظلمه، ولهذا فإنه يبتليه فيقول محتجًا «ربي أهانن» فينكر الله -سبحانه وتعالى- التصورين الخاطئين، ويبين -سبحانه- بأن الغرض من البلاء بالخير، والبلاء بالشر هو الاختبار للإنسان، ومعرفة حقيقة إيمانه، وتسليمه بالقضاء والقدر، وإسناد الفضل له أولًا وآخرًا، وليس بسبب حب فلان أو بغض فلان فيقول -سبحانه-: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ﴾ (سورة الأنبياء: 35).

 مشكلات وحلول في حقل الدعوة: 

المشكلة: عدم تحمل الرأي الأخر. 

التعريف: عدم الرضا بالرأي المخالف لرأيه، بل وعدم إعطاء فرصة لمن خالفه بإبداء وجهة نظره، والغضب والضيق الشديد لسماع الرأي المخالف.

المظاهر:

۱– مقاطعة المخالف له أثناء الحديث.

٢– الانفعال والغضب عند سماع الرأي المخالف.

٣-المعارضة الشديدة للرأي الآخر من غير مبرر مقنع أحيانًا.

٤– التركيز على سلبيات الرأي المخالف دون النظر إلى إيجابياته.

٥-عدم الاعتراف بالخطأ برأيه إن كان هناك خطأ.

الأسباب:

1- الإعجاب برأيه.

۲- عدم التعود على سماع الآراء المخالفة خاصة من كان في موضع المسئولية.

3-الظن السيئ بصاحب الرأي المخالف.

٤– الخوف على المؤسسة من تنفيذ الرأي المخالف. 

5-عندما يكون صاحب الرأي أصغر سنًا أو علمًا أو عمرًا في الدعوة. 

٦- عندما يكون صاحب الرأي الآخر له سوابق ومواقف غير محمودة في المؤسسة أو علاقات مشبوهة.

7- الجهل بآداب الخلاف. 

8- الاعتقاد الجازم بأن ما لديه هو الصواب، اعتمادًا على دراسات واقعية وإحصائيات.

9-الطبيعة الغضبية التي تعود عليها (التكوين الشخصي). 

۱۰- وجود خلاف شخصي بينه وبين المخالف له بالرأي.

۱۱– التذمر وعدم القناعة بأعمال المؤسسة يجعله لا يتحمل أي آراء من هذه المؤسسة. 

۱۲– الأسلوب الخاطئ لطرح الرأي يسبب عدم التحمل.

۱۳– حب الجدل.

١٤– التأثر بكلام الناس شكّل لديه قناعة لا يقبل غيرها.

١٥– البيئة الأسرية التي تربى فيها، وطريقة الأب الذي لا يقبل رأيًا معارضًا له من الأسرة.

العلاج:

1-تأصيل أدب الخلاف ومعرفة أقسامه. 

٢– التأكيد من خلال المناهج التربوية بأن ليس كل خلاف مذمومًا، فما كان يقصد منه الارتقاء بالعمل الدعوي فهو المحمود، وما قصد منه الانتقام الشخصي والخلاف من أجل الخلاف فهو المذموم.

3-التعويد والتربية على معاني العلم والرفق. 

٤– العرض الجيد والواضح للرأي.

5– التعويد على فسح المجال للنقاش، والاستماع لجميع وجهات النظر في الأنشطة التربوية.

٦– إبراز نماذج من المؤسسـة في محاضرات عامة منها صفة تحمل الآراء الأخرى، وذلك عن طريق أسئلة ونقاش يوجه له ليرى الأفراد خلق التحمل.

7- تعويد الأفراد على أن الرأي الآخر لا ينقص من قدرهم وقيمتهم.

8-التربية على عدم الإعجاب بالرأي خاصة فيما ليس فيه نص.

۹– التربية على احتمالية تعدد الصواب ومثال ذلك ما حدث في «حادثة الصلاة في بني قريظة». 

الرابط المختصر :