; جروزني مهددة بالإبادة على أبواب الألفية الثالثة | مجلة المجتمع

العنوان جروزني مهددة بالإبادة على أبواب الألفية الثالثة

الكاتب أحمد الأديب

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

مشاهدات 57

نشر في العدد 1380

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

صورة وحشية لتقديم القرابين البشرية في معبد النظام الدولي!

  •  ما يجري في الشيشان من إبادة وتدمير كاف ليعلن مجلس الأمن الحرب على روسيا وفق المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، ولكن!

  • إذا كانت المصالح سببًا في عدم اتخاذ مواقف شديدة من الولايات المتحدة، فلماذا الصمت إزاء روسيا التي لم تعد دولة كبرى؟!

بإراقة الدماء والتدمير دون حساب يعبر الروس بوابة الألفية الميلادية الثالثة، كما كانت إراقة الدماء وكان التدمير بلا حساب بوابتهم إلى الألفية الميلادية الثانية، اليوم في عهد يلتسين وريث الشيوعية التي قوّض أركانها، آنذاك في عهد فلاديمير وأولاده، فيما سمي دولة «روسيا كييف»، إذ لم يكن لموسكو وجود ولم يكن للروس أنفسهم وجود على شكل أمة أو دولة، بل كانوا آنذاك جزءًا من القبائل السلافية المتقاتلة على امتداد قرون عديدة، فإن لم يجدوا ساحة قتال ضد الشعوب المجاورة، كالبلغار المسلمين في منطقة القوقاز، والخزر على ساحل بحر الخزر «قزوين»، لجؤوا إلى ساحة اقتتال فيما بينهم، كما صنع أولاد أول حاكم يصفه التاريخ بأنه أول من أسس دولة أو شبه دولة في المنطقة، وهو روريك الذي كان أمير القراصنة الإسكندنافيين، وكما صنع أولاده صنع أيضًا أولاد فلاديمير، وأشهرهم ياروسلاف فتقاتلوا فيما بينهم وقاتلوا أساقفة الكنيسة، الذين جاؤوا في عهد أبيهم فلاديمير.

وقد كان أول من فتح أبواب المنطقة أمام النصرانية لتبني كنائسها وتنشر دعوتها، بعد صفقة تحالف عسكري بينه وبين الإمبراطور البيزنطي باسيل الثاني، تضمنت الزواج من أخته أنا، ولعل هذا ما ارتبط بإعجابه بالنصرانية عند زيارته لكنيسة أيا صوفيا، كما تذكر كتب التاريخ وتضيف أنه عاش هو نفسه وثنيًا، وكان نشطًا في بناء المعابد، يشارك في طقوسها الدينية الوثنية، بتقديم القرابين البشرية.

كان ذلك قبل ألف عام، وليس ما تشهده جروزني عاصمة الشيشان وأخواتها من القرى والمدن الشيشانية في هذه الأيام على أبواب الألفية الثالثة الميلادية سوى صورة متطورة لتقديم القرابين البشرية من المسلمين في معبد سياسة نظام عالمي جديد، وبأسلوب عسكري تعلمه الروس من الأمريكيين، أسلوب التقتيل عن بعد باستخدام الطائرات والصواريخ والمدفعية.

وإلى أيام معدودة مضت بقيت معركة الشيشان الحالية معركة تدور بين دولتين: إحداهما ما يزال يوجد فيها أكثر من مليون وخمسمائة ألف جندي تحت السلاح على أقل تقدير، وما تزال تملك من الأسلحة المحرمة مخزونًا من السلاح النووي يكفي للقضاء على العمران المدني في الأرض بكاملها مرات عديدة ومخزونًا من السلاح الكيمياوي والحيوي يكفي للقضاء على البشرية بملياراته الستة أضعافًا مضاعفة، كما أنها الدولة الكبرى، أو التي تشتهي أن تكون دولة كبرى وريثة الاتحاد السوفييتي وهي الدولة الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وهي الدولة نصف العضو في المجموعة الصناعية من الثمانية الكبار.

أما الدولة الثانية في المعركة التي تريد الدولة الروسية القضاء عليها وعلى تطلع شعبها إلى التحرر، فهي الشيشان التي لا تملك سلاحًا جويًا، ولا حتى سلاحًا دفاعيًا صالحًا لمواجهة فتك أحدث الأسلحة المستخدمة في الغارات الجوية والصاروخية والمدفعية، وهذا الخلل المعروف في نوعية التسلح فضلًا عن كمياته، هو ما جعل المعركة طوال الشهور الماضية، عبارة عن عملية إراقة دماء محضة من جانب واحد، أو عملية تقديم قرابين بشرية في معبد النظام الدولي الجديد عن طريق التقتيل المتواصل للمدنيين في الشيشان فالوصول إلى العسكريين المقاتلين عسير، أو أن قتل المدنيين متعمد وتشريدهم مقصود، وذاك ما ترجحه شهادات التاريخ المتكررة عن سلوكيات القتال الأخلاقية لسائر الزعماء الروس في عصرهم التاريخي الحديث، من عهد القياصرة كإيفان الرهيب وأمثاله، إلى عهد الشيوعية الحمراء وجرائم ستالين وأقرانه، وحتى العهد الحالي الذي لم تستقر له هوية تميزه في ظل يلتسين وأعوانه، إلا هوية الإجرام الحربي خارج حدود روسيا نفسها وهوية سيطرة المافيا داخل الحدود في مختلف الميادين وعلى مختلف المستويات.

كما أن اللجوء إلى القصف عن بعد خشية المواجهة المباشرة، جعل المعركة معركة تدمير محضة ولا يمكن تصديق من يقول إن القادة العسكريين الروس يضربون المساكن والمستشفيات والمدارس والمنشآت العامة وعناصر البنية الهيكلية الاقتصادية، عن طريق الخطأ، أو القول إن تحويل عشرات القرى إلى أرض ممهدة تحت جنازير الدبابات والمصفحات لم يكن مقصودًا أو القول إن تدمير المدن الكبيرة مثل جروزني نفسها بنسبة يحار المراسلون في تقديرها ما بين ۸۰٪ و١٠٠٪ كان من الضرورات العسكرية للمعركة، هذا فضلًا عما ينكشف من عمليات إجرامية أخرى لا يستطيع تبريرها عسكريًا أشد القادرين على التزييف والتزوير؛ مثل قتل العشرات من المشردين أثناء تشريدهم بصورة جماعية من مسافة قريبة.

إن ما يجري في الشيشان تحت سمع العالم وبصره، هو إبادة شعب، وفق المواصفات الكاملة التي تعتبرها المادة السابعة في ميثاق الأمم المتحدة مبررًا كافيًا لإعلان مجلس الأمن الدولي الحرب على الدولة التي ترتكب تلك الجريمة، وإن الحديث عما يجري في الشيشان تحت عنوان آخر غير جريمة الإبادة كما يتردد على المستوى السياسي والإعلامي عالميًا، وفي البلدان العربية والإسلامية بالذات، لا يعدو أن يكون حديث تضليل مقصود أو تخاذلًا عن مجرد تسمية الجريمة باسمها، مادامت البلدان الإسلامية عاجزة عن التهديد والوعيد، ولكن إذا صح أن المصالح الاقتصادية والتقنية والمالية والأمنية وسواها مما تعتبره بعض التعليلات والتبريرات سببًا في عدم اتخاذ مواقف شديدة تجاه الولايات المتحدة، فما الذي يجعل البلدان العربية والإسلامية في الوقت الحاضر تسلك سلوكًا مماثلًا تجاه دولة، لم تعد كبرى إلا إذا كان البطش الإجرامي بالمدنيين علامة لذلك، ولم يعد لها نفوذ حقيقي عن طريق شيوعية يخشى من تسللها كما كان يقال في العقود الماضية، ولا توجد دول في المنطقة العربية والإسلامية ترتبط بها ارتباط التبعية كما كان في فترة صراع المحاور بتأثير الحرب الباردة أو تحت ردائها، ما الذي يبرر إذن ذلك الصمت الشائن عن مجرد إعلان الإدانة بلهجة قابلة للتصديق وليس عن طريق مؤسسات فرعية وعلى مستويات ديبلوماسية أدنى، أو عبر وسائل الإعلام بأسلوب تنفيس غضبة الرأي العام؟

حتى التحرك الرسمي الجماعي باسم منظمة مؤتمر العالم الإسلامي التي تضم أكثر من خمسين بلدًا فيهم زهاء مليار نسمة، وتحتل ربع مقاعد الأمم المتحدة، وتملك ثلاثة أرباع احتياطي الطاقة في العالم، وما إلى هنالك مما هو معروف، حتى ذلك التحرك لم يكن متأخرًا فحسب، بل كان على أشد درجات الضعف الممكن تصورها.

ولم تعد معركة التقتيل والفتك والتدمير الدائرة على أرض الشيشان تقبل فلسفة، تعليلات صحيحة حينًا ووهمية غالبًا، تتردد في بعض وسائل الإعلام لعدم تقديم النصرة، كالقول إن فئة محدودة تريد الاستقلال، وليس غالبية الشعب الشيشاني المسلم ولو كان هذا الأمر يستحق الجدل لوجب التذكير بأن عملية الاقتراع الوحيدة التي شهدتها الشيشان في ظروف اعتيادية، هي تلك التي أعطى فيها الناخبون أصواتهم بغالبية عالية لصالح الفئة التي طالبت بالاستقلال الكامل وأعلنته عام ١٩٩١م في عهد جوهر دودائیف من قبل أن ينشأ الاتحاد الروسي على أنقاض خلفه السوفييتي.

ولكن حتى لو صدقت المزاعم بعدم وجود رغبة في الاستقلال، فإن وصول ما يصنعه الروس إلى ما وصلوا إليه من إجرام حربي يوجب إعلان موقف إدانة قاطعة، وموقف النصرة الصادقة، فالقتل لا يصيب بالقنابل والقذائف من الجو والبر إلا تلك الغالبية من السكان الذين تقول مزاعم تلك المصادر الحسنة الاطلاع، إنهم لا يريدون الاستقلال بدولتهم عن «الاتحاد الروسي».

وإذا كان من الصعب الجزم بما تسفر عنه الأحداث الجارية الآن، فإنه يمكن الجزم انطلاقًا من سنن التاريخ الربانية ومن استقراء ما سطرته في سجل التاريخ عبر القرون الماضية، بأنه حتى في حالة تمكن الروس في عهد يلتسين وأعوانه من صنع شبيه ما صنعه من قبل إيفان الرهيب وستالين الدموي في منطقة القوقاز، ولاسيما في الشيشان وتتاريا، فكما انهارت الدولة الروسية الكبرى القيصرية والشيوعية وعادت الشيشان إلى الصمود وإلى النضال طلبًا للاستقلال، فسوف تنهار دويلة يلتسين أو بقايا الدولة الروسية الحديثة، وستبقى الشيشان وستحقق هدف التحرر آجلًا أو عاجلًا بإذن الله.

======

حتى وفد منظمة المؤتمر الإسلامي المسافر إلى موسكو للتباحث في قضية الشيشان جاءت تصريحاته باهتة بلا معنى، ولم يزد رئيس الوفد وزير الخارجية الإيراني على أن يقول «إن اقتحام جروزني عمل غير مرغوب فيه» هل يجوز لنا أن نخذل إخواننا إلى هذا الحد؟!

هل خدعنا حقًا بالقول إن الشيشان قضية روسية داخلية؟ هل صدقنا الدعاية الروسية بأن القوات الروسية لم تقصف قوافل اللاجئين وأنها تتجنب إصابة المدنيين؟ هل يشعر البعض -والعياذ بالله- بالراحة داخل نفسه لأن موسكو أعلنت الحرب على الإرهابيين؟

لقد أعلن مفتي مصر د. نصر فريد واصل ضرورة مقاطعة الروس بسبب ما يرتكبونه في الشيشان، وهذا أضعف الإيمان، وأقل ما يجب عمله لنصرتهم، ونخشى إن استمر حالنا على ما هو عليه أن يكون اليوم الشيشان، وغدًا في غير مكان، وقد تدور الدائرة على بعض أولئك الصامتين، نسأل الله العافية.

أما الزعامات الغربية فقد اكتفت بإطلاق الكلام الأجوف الخالي من أي مضمون لقد صرح الرئيس الأمريكي بأن روسيا ستدفع ثمنًا باهظًا عن هذه الأفعال، ولو تمعنا كلامه لعرفنا أنه أبعد ما يكون عن التهديد، ولا يعدو أن يكون مجرد تعتيم للموقف، فهو يضيف: كل يوم يمر تغرق روسيا أكثر في مستنقع سيزيد من التشدد، ويقوض سمعتها في الخارج، ثم يشرح كلامه فيقول: «قتال روسيا ضد الإرهاب حق، ولكن الوسائل المستخدمة في الشيشان خاطئة، وأنا مقتنع بأنها غير بناءة».

أما أمين عام حلف الأطلنطي جورج روبرتسون فيقول: إن الروس لا يملكون أي خيار آخر سوى إعادة النظام في الشيشان بل إنه دافع عنهم بقوله: إن روسيا باتت تتوخى الحذر أكثر مما حدث قبل سنتين. ولعله يمتدح «الصبر الروسي» لأنها لم تضرب الشيشان بالقنابل النووية حتى الآن.

 وأسوأ من ذلك موقف الصين الشيوعية الذي دعم الموقف الروسي تمامًا، وهكذا ضمنت روسيا موافقة دول مجلس الأمن وحلف الأطلنطي، ففيم غضبها إذن من الغرب ومن تصريحات قياداته؟ إلا أن تكون تمثيلية سخيفة يديرونها بينهم.

اللهم إنا نسألك في شهرنا هذا الكريم أن تحصي المعتدين عددًا، وأن تقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا، اللهم أوثقهم في حبال غدرهم واجعل الدائرة عليهم يا منتقم يا جبار السماوات والأرض، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، أمين.

الرابط المختصر :