; هجائية الحب (٢٥) «حرف النون» نزّه أبصارهم تُنوّر بصائرهم | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب (٢٥) «حرف النون» نزّه أبصارهم تُنوّر بصائرهم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1978

نشر في الصفحة 58

السبت 26-نوفمبر-2011

ورد في كتاب «صفقات رابحة» للشيخ خالد أبو شادي حوار مفيد، ازدان بالشعر الجميل، فإليك عزيزي القارئ مفاد هذا الحوار وخاصته:

نشب خلاف بين القلب والعين كل منهما يتهم الآخر فيما حل به من سقم وآلام، فتحاكما إلى الجسم الذي حكم بإدانة العين، وقد جسد الشاعر هذا المعنى بقوله:

قلبي يقول لطرفي: هجت لي سقمًا *** والعين تزعم أن القلب أنكاها

والجسم يقسم أن العين كاذبة *** هي التي هيجت للقلب بلواها

 ولكن العين استأنفت الحكم، وعرضت القضية مرة أخرى على القاضي فأصدر القاضي حكمًا بإدانة العين والقلب معا، وجاء في حيثيات الحكم العين والقلب شريكان في جريمة قتل واحدة تقاسما فيهما الأدوار»، وفي ذلك يقول الشاعر:

أنــــــــــا مــــــــن بــــين عـــدويــن *** هما قلبي وطـــرفـــي

ينظر الطرف ويهوى الـــ *** قـــلـــب والمــقصــــــــــــــــود حـتـفـي

وأياً كان الجاني: القلب أم العين، فقد عوقب الجسد كله، وفي ذلك يقول الـشاعر:

عيني جنت فعلام تحرق أضلعي *** أبما جنى جار يعذب جار؟!

يقول شاه بن شجاع الكرماني: «من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة ابن القيم: إغاثة اللهفان».

ويوضح ابن القيم السر في ذلك بقوله: «وسر هذا أن الجزاء من جنس العمل، فمن غض بصره عما حرم الله عليه عوّضه الله من جنس ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يرَ مَنْ أطلق بصره، ولم يغضه عن محارم الله تعالى، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه، فإن القلب كالمرآة، والهوى كالصدأ فيها، فإذا خلصت المرأة الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي عليه، وإذا صدأت لم ينطبع فيها صور المعلومات، فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون» «ابن القيم: إغاثة اللهفان».

 في غض البصر - إذن - حياة نجاة وسعادة وأمن وأمان وإيمان، وفي إطلاق العنان للبصر والنظر إلى الشهوات هلاك ودمار، ومن هنا استهدف أعداء الأمة شبابنا «بنين وبنات»، وتفننوا في فتنتهم وغوايتهم، فإذا علمنا أن الشباب هم عماد الأمة وصناع مستقبلها لأدركنا خطورة الأمر وأهميته.

 يقول مصطفى صادق الرافعي في وحي القلم عن الشباب فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله، وفي الشباب تصنع كل شجرة من أشجار الحياة ثمارها، وبعد ذلك لا تصنع الأشجار كلها إلا خشبًا..» 

إن كلمات الرافعي السابقة تؤكد أهمية الشباب ذكرانًا وإناثًا، ومن هنا أوجه رسالتي هذه للآباء، والأمهات، أملًا أن يأخذوها مأخذ التطبيق، وذلك لأن

1 - المرحلة العمرية للشباب ستكون موضع سؤال ومحاسبة من قبل الله عز وجل، لورودها في حديث النبي صلى الله عليه ضمن الأربع التي سيُسأل عنها يوم القيامة وعن شبابه فيما أبلاه»..

۲ - الشباب قوام الأمة، وهم حاضرها ومستقبلها، وهم الأقوى صحة وعقلًا، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرب الشباب، ويهتم بهم.

٣ - من شب على شيء شاب عليه، فالتربية في الصغر كالنقش على الحجر، ولله در الشاعر إذ يقول:

وينشأ ناشئ الفتيان منا *** كمـا كــان عـــــــــــوده أبــــــوه

4- استهداف شياطين الإنس والجن للشباب لأن أعداء الأمة يريدون تدمير أهم مقدرات الأمة وأعظم رصيد لها وهم الشباب، فاجتهد الأعداء، وخططوا، ودبروا، ومكروا مكر الليل والنهار لإفساد الشباب، وتغييب إيمانهم، وإضعاف عزائمهم، حتى صار معظم الشباب يقلد الغرب في كل خصاله السلبية، وغدا كثير من الشباب تلاميذ لإبليس بل يتنافسون فيما بينهم حتى يمنحهم إبليس الأستاذية في الفساد والتضليل.

5 - الشباب قلب الأمة النابض، وأمله الوثاب، كما أن مرحلة الشباب سرعان ما تنقضي، ومن ثم وجب أن تستثمر قبل أن تضيع.

 كلي أمل أن تكون السطور التالية شعلة أمل تنير ظلمات الحيارى من الآباء والأمهات والشباب والمؤمن لا ييأس أبدًا من روح الله.

نحو علاج فعال لآفة النظر

أولًا: احذر عدوك وعدو أولادك

إذا علمت أن عدوك قد أخذ أهبته، وأعد عدته، وأخرج سهمه من كنانته، ووضعه في كبد قوسه فماذا أنت فاعل؟ إنك إن لم تسارع بتحصين نفسك فما هي إلا لحيظات ويصيبك سهمه.

لقد حذرنا رب العزة سبحانه من خطر الشيطان وأساليبه، وأكد لنا عداوته، قال سبحانه:

﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (البقرة: 168).

ثانيًا: لا تتبع النظرة بأخرى:

 ليس ثمة فتنة أضر على الرجال من النساء وإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وهذه كلها إنذارات.. وخطورة الفتنة تشتد، لأن الكاسيات العاريات أطلان من شاشات الفضائيات، وفي الشوارع والأسواق والطرقات والصحف والمجلات، ولسان حالهن يقول للشباب هيت لك!!

اشتد خطر الفتنة فحصنوا أولادكم - بنين وبنات - فقد قل الحياء، وزاد التبرج والسفور وانكشفت العورات، وراجت تجارة الجسد!!

أيها الأب الحبيب.. أيتها الأم الفاضلة.. لقد جعل الله عز وجل في غض البصر وقاية من هذا الخطر، قال سبحانه: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَعْضُوا مِنْ أبْصَارِهِمْ﴾ (النور:۳۰)، وتلك وقاية الشباب الذكور والرجال، ولوقاية البنات والنساء قال تعالى: ﴿وقُل للْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (النور: ۳۱).

 ثالثاً: بينوا لأولادكم ثمار غض البصر:

إن في غض البصر ثماراً وفوائد عظيمة، التي يجب أن نعلمها لأبنائنا، وأن نوقفهم على قيمتها، 

ومن أهم هذه الثمار:

 ١ - تقدير الذات

فمن غض بصره شعر بنشوة الانتصار وقوة عزيمته، وحلاوة الإيمان، ولذة الطاعة، وشجاعته،

وما أعظم قول الشاعر:

ليس الشجاع الذي يحمل مطيته *** يوم النزال ونار الحرب تشتعل

لكن فتى غض طرفًا أو ثنى بصرًا *** عن الحرام فذاك الفارس البطل

2- الفراسة الصادقة

«دخل رجل على سيدنا عثمان بن عفان فقال له عثمان يدخل علي أحدكم والزنا في عينيه، فقال: أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، ولكن فراسة صادقة» «ابن القيم: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية».

لقد كان سيدنا عثمان علمًا من أعلام الفراسة، استحيا من الله عز وجل، فاستحيت منه الملائكة، وغض بصره فأنار الله بصيرته، ومنحه فراسة يرى بها من أطلقوا العنان لأبصارهم ظانين أن أحداً لم يكتشف أمرهم، فإذا بعثمان صلى الله عليه وسلم يرى بفراسته ويكتشف ليعلم وينصح ولا يفضح. 

3- لذة الطاعة وبركتها:

فلندع أولادنا لتدير قول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور: 30).

 إن في هذه الآية - كما أوضح الإمام أبو حامد الغزالي يرحمه الله - ثلاثة معانٍ غزيرة: تأديب وتنبيه، وتهديد..

فأما التأديب فقوله تعالى، ﴿وقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، (النور: 30) ولا بد للعبد من امتثال أمر سيده والتأدب بأدبه وأما التنبيه فقوله تعالى، ﴿وذلك أزكى لَهُمْ﴾، (النور: 30) أي ذلك أطهر لقلوبهم وتكثيرًا لطاعاتهم، لأن الإنسان إن لم يغض بصره تعلق قلبه بالحرام، وفي ذلك هلاك بين.

4- اتصال القلب بالله:

من روائع أقوال ابن القيم في هذا المعنى: إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور، والقلب كعبة، والمعبود لا يرضى بمزاحمة الأصنام. «ابن القيم: الفوائد».

فالقلب الذي تنقش على جدرانه صورة الحق تنمحي منه صورة الخلق، فلا يرى سوى ربه ولا يهمه إلا رضاه، فيشعر بحلاوة اتصاله بربه ومناجاته، ولذة الخشوع له، فيتصل مباشرة به سبحانه.

5 - وقاية القلب من الشياطين

يقول ابن القيم: القلب بيت، والعين بابه، ولا يدخل لص البيت إلا والباب مفتوح، فإذا دخل سرق حلية الإيمان وجوهر التقوى، وترك القلب خرابا في خراب، فاحذر هذا اللص، فإنه خفيف الحركة تكفيه لحظة واحدة فقط، ولذلك لما سئل النبي عن نظر الفجأة فقال: اصرف بصرك» «رواه مسلم».

رابعًا: فمن شغلته الحسناوات اليوم فليعقد مقارنة بينهن وبين الحور العين.. ما بالك بزوجة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة، خمارها الذي يخفي جمالها خير من الدنيا وما فيها فكيف بجمالها؟!!

كان عند ذي النون فتى حسن، فمرت امرأة حسناء جميلة الخلق والخلقة، فجعل الفتى يسارق النظر إليها، ففطن ذو النون، فلوى عنق الفتي وأنشأ يقول:

دع المصوغات من ماء ومن طين *** واشغل هواك بحور خُرد عين

يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: من غض بصره عن النظر الحرام زوج من العين حيث أحب «الحارث

المحاسبي: رسالة المسترشدين»

ووصف أحدهم حاله، فقال: 

مـاضر لـــي جـــــــار أجــــــــاوره *** ألا يكون لبابه ستر

 أعمى إذا ما جارتي خرجت *** حــتــى يــــــوري جـــارتــــي الخــــدر

وتــــــــــم عـــمـــا بــيـــنــهــم أذني *** حتى يـــصـــيـــر كـــانــه وقـــر

خامسًا: الزواج أو الصوم،

فأصل الشهوات واحد، لذلك تقاوم شهوة الجنس بالصوم تمامًا كما نقاوم شهوة الطعام، ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه الشباب بالزواج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، وذلك في قوله: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» «رواه الشيخان».

سادسًا: أشعرهم بالمراقبة

ناقش مع أولادك معنى قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر:19)، وفي هذا المجال يمكنك أيضًا أن تصبغ المناخ الأسري بهذا المعنى، كأن تطلب من أولادك كتابة لوحات تذكيرية تعلق في أرجاء البيت، وخاصة مأوى أولادك، وأماكن استذكارهم، ويمكن أن تكتب على هذه اللوحات آيات قرآنية تؤكد معنى المراقبة وتذكر بها، أو أحاديث شريفة، أو حكمًا وحقائق موجزة مؤثرة، كعبارة: الله مطلع عليك»، أو «الله يراني»، أو «الملائكة تسجل أقوالي وأفعالي..... وغير ذلك.

سابعًا اشغلهم بالحق:

فالنفس مفطورة على الحركة والتغيير والطلب والعمل، فإن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.. والنفس كالدابة، يجب أن تحكم وثاقها، ومن أقوى وسائل التحكم في النفس أن تشغلها بالحق، كأمور الدعوة إلى الله، وتلاوة القرآن، وتحصيل العلم وغير ذلك.

ثامنًا، ناقش مع أولادك الآثار المدمرة:

 فإن الإنسان إذا أطلق بصره للنظر إلى الحرام فإنه بذلك:

۱ - يفسح للشيطان ويسمح له أن يتربع في قلبه.

۲ - يهوي به في غياهب العشق والشهوات وهو داء خطير، يتمكن من ذوي النفوس العاطلة والقلوب الفارغة.

3- إدمان النظرات والاستسلام للشهوات، كما أن النظرة ولادة، لذا فقد أنشد الشاعر: 

كل الحوادث مبدؤها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر 

كم نظرة فعلت في قلب صاحبها *** كمبلغ السهم بين القوس والوتر

والعبد ما دام ذا طرف يقلبه *** في أعين الغيد موقوف على الخطر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 874

83

الثلاثاء 12-يوليو-1988

استراحة المجتمع: (874)

نشر في العدد 1331

91

الثلاثاء 22-ديسمبر-1998

الممارسة والمتابعة

نشر في العدد 1912

80

السبت 24-يوليو-2010

هل أسمح لزوجتي بأن تعمل؟