; الممارسة والمتابعة | مجلة المجتمع

العنوان الممارسة والمتابعة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1998

مشاهدات 90

نشر في العدد 1331

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 22-ديسمبر-1998

نقوش على جدار الدعوة  .. سلسلة النجاح (11)  .. 

  • العمل هو أساس التنمية المادية والمعنوية في الفرد أو الأمة، وهو أساس صنع الخير وإبرازه، أو هو أساس ظهور الشر وانتشاره.
  • إن ممارسة فن الدعوة إلى الله على أنه أساس حياة الدعاة كفيل بتحقيق أعظم النتائج للفرد والجماعة.

إن الرياضي الذي لا يمارس التدريب يفقد كثيرًا من نشاطه وحيويته، والمحارب الذي ترك ميدان القتال، وعاش بين الناس في وئام وسلام، ينسى بعد حين أسس التدريب القتالي، ويفقد التكتيك العقلي والحركي للبراعة في القتال، والمثقف الذي لا يتابع جديد الفكر، وثمار العقل تجده- بعد حين- بعيدًا عن هذا النبع، لا يملك أن يدلي فيه بدلو، ومن قديم تداولت الألسنة: «فاقد الشيء لا يعطيه».

إن أي موهبة لدى الإنسان لا يعمل على تنميتها وتنشيطها بصفة مستمرة، تتوقف ثم تضمر إلى أن تصبح كأنها لم تكن، فيتساوى صاحبها مع عامة الناس، فالشيء الذي لا تستعمله تفقده، وهي تصدق على الماديات والمعنويات، فحافظ القرآن ما لم يواظب على قراحه دائمًا تفلت منه تفلت الإبل من عقلها، والمؤمن الذي لا يمارس الشعائر التعبدية، ويحافظ على القيم الأخلاقية يخف وزن الإيمان في قلبه «فالشجاعة غير المستخدمة تتلاشى، وعدم ممارسة الانضباط والالتزام يؤدي إلى ضعفهما، والتعاطف مع الآخر الذي لا تظهره على الإطلاق يضعف ويختفي تمامًا» (۳٦٥ خطوة للنجاح ص: ١٥٩)، الممارسة والمتابعة لأي أمر من الأمور هما مصدر قوته وضمان بقائه واستمراريته، فالإقلاع عن العادات السيئة عند الإنسان، لا بد من أن يسبقه تجنب الاستغراق فيها؛ لأن العصب غير المستخدم تبعًا لنظرية الارتباط العصبي سوف يضمر في النهاية، مما يؤدي إلى التخلص التام من هذه العادات السيئة.

فالعمل هو أساس التنمية المادية والمعنوية في الفرد أو الأمة، وهو أساس صنع الخير وإبرازه، أو هو أساس ظهور الشر وانتشاره، وفطرة الإنسان مهيأة لهذا وذاك ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سورة الشمس: ٧- ٨)، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (سورة البلد: ١٠)، وكل ما هو سيئ يمكن التخلص منه بترك فعله، والابتعاد عن مؤثراته، وكل ما هو حسن يمكن تحقيقه عن طريق الأخذ بمقدماته، وقد أشار الإسلام إلى ذلك حين أمر بغض البصر، ومنع الخضوع بالقول؛ لأن ذلك من المؤثرات التي تعين على ارتكاب الفاحشة، ومنع صغير الجرائم؛ لأنه يؤدي إلى كبائرها «لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع یده، ويسرق الحبل فتقطع يده»، فممارسة شيء صغير من المذكرات والقبائح يؤدي إلى الوقوع في كبائرها، وكذلك ممارسة شيء من الفضائل، يؤدي إلى الازدياد منها والتوسع فيها، والإنسان قادر علىفعل الخير، وترك الشر بشيء من الإرادة التي يستطيع اكتسابها بالمرانة والدرية، ومن هنا كان فضل الله وعدله؛ حيث يحاسب الناس لا على علمه بهم، ولكن على أعمالهم حتى تكون حجة عليه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سورة الزلزلة: ٧- ٨).

وقد يظل الإنسان يمارس عمل الخير حتى يصبح هذا العمل بالنسبة له شبيهًا بالهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، بحيث لا يمكنه أن يستغني عنه بحال من الأحوال، والدعاة إلى الله، إن أخلصوا في عملهم وتجردوا من شهوات الحياة الدنيا، وارتفعوا إلى مستوى الدعوة التي بينها، وأرسى دعائمها محمد بن عبد الله إن فعلوا ذلك صارت الدعوة حياتهم، لا يستطيعون أن يخرجوا عنها أو أن يتوقفوا عن الجهر بها؛ لأنهم يدركون أن في ذلك موتهم المعنوي قبل أن تموت أجسامهم وتبلى عظامهم.

إن ممارسة فن الدعوة إلى الله بهذه الصفة المتقدمة كفيل بتحقيق أعظم النتائج للفرد والجماعة، بحيث يصبح البعد عن هذا المجال صعبًا عسيرًا على النفس لا يُطاق «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه».

وإذا كان هذا الأمر في مجال الدعوة، فإن غيرها من المجالات لا يختلف عنها، بل قد يكون أقل منها جهدًا وعناء، والأمر لا يحتاج بعد الممارسة الطويلة إلا لشيء من الجد والوعي والاهتمام.

والمثال الآتي يوضح قيمة الممارسة في الماديات التي يمكن أن تنطبق على كثير من المعنويات، لقد حاول لاعب كرة السلة الأمريكي «لاري بيرد»- حين تعاقد على تصوير إعلان تجاري عن أحد المشروبات الغازية - وتطلب السيناريو أن يقذف الكرة في السلة، ويخطئ إصابة الهدف، لقد كان صعبًا عليه للغاية أن يخطئ الإصابة حتى إنه تدرب كثيرًا جدًّا على ذلك قبل أن يتمكن من أن يخطئ الإصابة فعلًا لأغراض التصوير، فهو قد تكيف تمامًا وتعود على وضع الكرة في السلة دائمًا لدرجة أنه احتاج إلى تدريب طويل وتركيز شديد حتى يخطئ الإصابة مرة واحدة، ولا شك في أن جزءًا من عقل لاري بيرد قد تشكل وتكيف تمامًا على تتابع الحركات التي تؤدي لإصابة الهدف حتى أصبح ذلك عادة راسخة متمكنة من جهازه العصبي تمنعه من الخروج عنها.

ومن هنا يجب أن تعلم أنه يمكن لنا تكييف أنفسنا لأداء أي سلوك نريده إذا فعلنا ذلك بتكرار كاف وبحماس عاطفي مكثف. (٣٦٥ خطوة للنجاح ص ١٦٣).

الرابط المختصر :