; أسرى فلسطين.. أميرة الحرائر في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان أسرى فلسطين.. أميرة الحرائر في الجزائر

الكاتب ثامر سباعنة

تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012

مشاهدات 69

نشر في العدد 1983

نشر في الصفحة 30

الجمعة 06-يناير-2012

صعدت سلم الطائرة.. نظراتها تتجه إلى الأفق البعيد.. حتى بدون كلماتها شعرت أنها تنظر إلى مربعات الأشباك التي تحدد شكل السماء إلى مربعات صغيرة.. لم أحب أن أقطع عليها نظراتها.

جلست بهدوء على مقعدها في الطائرة، ونظرت من شباك الطائرة إلى الأسفل.. أسفل الفضاء السحيق.. أحسست مرة أخرى أنها مازالت تنظر إلى الجزء الذي يرافقها كظلها.. الأسرى.

وبرشها الضيق، والساحة الضيقة في سجن «تلموند»، اللمعان في عينيها يقول: إن ذاكرتها الآن مع إبراهيم، وأبو الهيجاء، وحسن وعبد الله، وعمار.. وكل أسرى العزل.

تطير في سماء لا تحدها حدود، وتأبى ذاكرتها أن تغادر منظر يد جمال أبي الهيجاء

المبتورة وغرفة عزله الرطبة.

 

 

 

الوصول للجزائر

نزلنا من الطائرة، ومازالت نظراتها هناك تمشي بجانبي، لكني أشعر بروحها تحلق بعيدًا فوق لينا، وخديجة وورود.

مازالت تعيش هناك، ومع أننا وصلنا بلد المليون ونصف المليون شهيد إلا أنها

قالت لي بكلمات مقتضبة ليست كعادتها: لا يشدني إلى هذا المكان إلا شيئان:

- إنها بلد الثائرين وأهلها عنوان للثورة على مر الزمان.

 - وإنني سأُسمع صوت أحبتي في الأسر لكل هذه الملايين.

دعوة من «حمس»: بعد يومين قالت لي: «هو أول عمل أقوم به بعد الأسر، أشعر بلذة العطاء به، وأشعر أني طرت بالأسرى معي إلى هنا».. هذه كلمات عبّرت عنها أميرة الحرائر «أحلام التميمي» عن زيارتها لبلد المليون ونصف المليون شهيد «الجزائر» التي حلت عليها ضيفة بدعوة من حركة مجتمع السلم، التي تقيم فعاليات مناصرة للقضية الفلسطينية، في إطار شهر التضامن مع الأقصى تحت شعار «يا قدس إنا قادمون».

أحلام التميمي صاحبة أعلى حكم بين الأسيرات في تاريخ السجون الصهيونية، والتي قضت أكثر من عشرة أعوام في الأسر، وخرجت رغم أنف سجّانها الذي أراد كسرها وتحطيم روحها الجهادية، ولكن هيهات، فقد توعّدها ألا تخرج من السجن أبدًا!

وكان ردها رد الواثق بالله الجبار العظيم والواثق بالمقاومة «فشرتم ورائي رجال».. كلمات دخلت التاريخ، ويتغنى الجزائريون بها اليوم، ويفخرون بهذه البطلة التي كانت نموذجًا رائعًا للمرأة الفلسطينية بكبريائها وصمودها وصبرها ومقاومتها..

 

رسائل عديدة

أحلام اليوم بين أهلها في الجزائر، أتتهم تحمل رسائل عديدة، رسالة دعوية ورسائل من شعب مظلوم يعاني الاحتلال، تحمل همّ وطن شُرد أهله ودُنّست أرضه، وأًسر أقصاه، وتُسجن حرائره ورجاله خلف القضبان.

جئتكم إلى هنا، وأضع الأسرى في قلبي.. جئت أبلغكم بهمّ وحزن والم خمسة

آلاف قلب.. جئت احتضنهم بين ذراعي لأضعها أمانة في أعناقكم أيها الأحرار..

 هكذا خاطبت «أحلام» كلّ من لاقته وتكلّم معها.

أول لقاء كان لها مع الحاجة «رشا الرنتيسي» «زوجة الشهيد د. عبد العزيز الرنتيسي»: لا أصدق أنني أقف أمامك قالت أحلام، وكل عضله في وجهها تتورد خجلًا من لقاء هذه الأسطورة التي رسمت وزوجها ضوء الشمس وأضاءوا بها وجه الأرض.. لا أستطيع إلا أن أقول: كنت أتمنى لو كان كل الأسرى معي، لو كان هنا الخمسة آلاف قلب، لسمعت نبضات شوقهم للقائك الآن.

 

استقبال حار

وأبتدأ اليوم التالي في منطقة صحراوية، أمتاز أهلها بالطيبة والبساطة، وقد استقبلوا «أحلام» بالزغاريد والورود، والتقت أهالي المنطقة، وزارت إذاعة الولاية، وكان لها لقاء مباشر على أحد برامجها، تحدثت فيه عن قصة اعتقالها، ومعاناتها وكل الأسرى والأسيرات.

وأرهقت نفسها بالتشديد بالحديث عن الأسرى، وكأنها تريد أن تلزم كل العالم بتحريرهم الآن، وثمّنت في اللقاء دور المقاومة في «صفقة الأحرار»، وطالبت لمقاومة الاستمرار حتى تبييض السجون من كل الأسرى والأسيرات الخمس اللاتي بقين في الأسر، والتقت أهالي المنطقة في أكثر من مهرجان ولقاء ومعارض لم تنته إلا الساعة الحادية عشرة ليلًا.

وعن ولاية الوادي الصحراوية قالت «أحلام»: «أتذكر الرسول ﷺ الذي عانى في سبيل دعوته في صحراء الجزيرة على أقدامه، ونحن اليوم تقلّنا الحافلات، وشتان

ما بين الأمرين».

ثم انطلقنا معها إلى المحطة الثانية.. مسيلة وبسكرة، وفيهما كان التفاعل واضحًا

مع القضية الفلسطينية.

 وقد حدّثتهم «أحلام» عن الأسيرات، وكيف تعاني الأسيرة من معاملة السجّان لها، وتحديها لهم رغم كل شيء. فالسجّان حاول قتل فكر المرأة في السجون، وحارب الحرية الدينية لها، مصادر الكتب، فقمن بنسخ الكتب عدة نسخ، فإذا صودر كتاب يكون عندهن غيره، وصادروا اللباس الشرعي للأسيرات، فقمن بلفّ الأغطية على أجسادهن.. قدّمت «أحلام» نصيحة للمرأة والشابة الجزائرية أن تكون مسلمة متمسكة بدينها، لا يهم سوى رضا الله عنها، وأن تربي نفسها حتى تكون قادرة على تربية الجيل القادم.. جيل النصر والتحرير.

 

طاقات إبداعية

وخاطبت «أحلام» شباب الجزائر أن يأخذوا من أسرانا الأبطال قدوة لهم، فهم رغم قيودهم حوّلوا المحن إلى منح، وحوّلوا سجونًا -أرادوها قبورًا- قلاعًا تُخرج طاقات إبداعية مفكرة.

وانطلقنا على عجل، وكأن «أحلام» تسابق الزمن، تريد أن تسبقه حتى تصل المكان قبله لتحدثهم عن الأسرى.. ومن صحراء الجزائر أقصى الجنوب إلى ولاية تلمسان شمال غربي الجزائر، هذه المدينة الجميلة والتي تشبه بطبيعتها أراضينا الفلسطينية، خاصة بأشجار الزيتون التي تشتهر بها المدينة، في تلمسان كان أكبر التجمعات على الإطلاق في مقر حركة «مجتمع السلم»، حيث غصت القاعة بالآلاف الذين هتفوا لفلسطين وللشهداء والأسرى والأقصى، ومن هذه الهتافات: «يا آيات يا آيات.. كلنا استشهاديات»، «سيري سيري يا أحلام.. وإحنا معاكي للأمام».. لن نعترف لن نعترف بإسرائيل»، «من الأوراس إلى الكرمل.. الثورة مستمرة».

خاطبتهم «أحلام»، قائلة: إننا بانتظاركم في فلسطين، كيف لا وأنتم مَن قلتم:

«استقلال الجزائر ناقص بدون استقلال فلسطين»؟!

 

 رسائل حملتها للجزائريين:

خمسة آلاف أسير في سجون الاحتلال يعانون همجية السجّان ويعيشون في ظروف غير آدمية.

أطالب بتفعيل قضية الأسيرات الخمس الباقيات بعد «صفقة الأحرار».

المقاومة الطريق الوحيد لتحرير الأسرى وكل فلسطين.. و «صفقة الأحرار» خير دليل على ذلك.

مسرى الحبيب يدنّس كل يوم وتُحفر الأنفاق تحته.. وأنتم مسؤولون عن نصرته بجانب الفلسطينيين.

 

15 لقاًء

ودّعت «أحلام» الجزائر بعد أن حضرت أكثر من خمسة عشر لقاًء وعرضًا ومهرجانًا في كل أنحائها، ودّعت «أحلام» الجزائر بعد أن بلغتهم الأمانة التي حملتها من هناك من أرض المسرى، وحقّقت هدفها من الزيارة التي تركزت فيما يلي:

 

1- فلسطين مسؤولية أمة، والدفاع عنها واجب كل مسلم ومسلمة، وهي تنتظر وقفات حقيقية من الشعوب العربية والإسلامية لمساندتها.

2- مسرى الحبيب الذي يُدنّس كل يوم وتحفر الأنفاق تحته وأنتم أيها الجزائريون

مسؤولون عن نصرته والدفاع عنه بجانب إخوانكم الفلسطينيين، فلكم هناك إرت سمي على اسمكم وهو «وقف المغاربة»، فالقدس ليست للفلسطينيين وحدهم.

3- إن هناك إخوة لكم يعانون ويلات احتلال ظالم، حيث تُصادر أراضيهم ويطردون من ديارهم.

4- خمسة آلاف أسير في سجون الاحتلال، منهم من قضى أكثر من ثلاثين عامًا في الأسر «ولا احترام لحقوق إنسان»، وهم يعانون همجية السجّان وقمعه تتمثل بعدم السماح بالزيارات لأهاليهم، الطعام السيئ المقدم لهم، الزنازين التي لا تصلح للعيش الآدمي، قلة الرعاية الصحية وانتشار الأمراض بين الأسرى، التعذيب غير الإنساني للأسرى العزل الانفرادي للكثير من القيادات.

5- الأسيرات معاناة من نوع آخر، فالسلطات الصهيونية لا تفرّق بين ذكر أو أنثى في السجون، فالمعاملة قاسية جدًا ولا تراعي طبيعة المرأة الضعيفة في بنيتها، وطالبت «أحلام» بتفعيل قضية الأسيرات الخمس الباقيات في الأسر بعد «صفقة الأحرار».

6- المقاومة هي الطريق الوحيد لتحرير الأسرى وكل فلسطين، و«صفقة الأحرار» خير دليل على ذلك.

ودّعت «أحلام الجزائر على أمل لقاء قريب بشعب تربى على صرخة «هواري بومدين»: «نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة»، فهي ليست مجرد مقولة، بل هي موروث تناقلته الأجيال وعملت به، لتؤكد أن فلسطين وشعبها حاضرة في عقول الجزائريين، محفورة في قلوبهم، ولم ولن تغيب لحظة حتى تلتقي على أسوار القدس محررين مكبرين إن شاء الله.

وعدنا أدراجنا، لكن «أحلام» كان على وجهها لمحة فرح، كأني بها تقول للأسرى: «ها أنذا طرت بكم كما وعدتكم نحو فضاء الحرية بقلوبكم، وأنتظركم قريبًا لتطيروا معي».

«أحلام» ليست كبقية النساء، فهي حتى الآن مازالت تعيش مع الأسرى كأنها بينهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل