; واحة الإيمان - تكوين هم الآخرة | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان - تكوين هم الآخرة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

مشاهدات 74

نشر في العدد 837

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

أخرج ابن ماجة بإسناد صحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كانت همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همه الدنيا، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له» «7». فمن كانت الآخرة هي شغله الشاغل، وهمه الدائم، فلا يمضي يوم دون تذكر المصير، ولا يرى شيئًا من الدنيا إلا وربطه بالآخرة، ولا تحدث بحديث إلا وللآخرة نصيب منه؛ فلا يفرح إلا للآخرة، ولا يحزن إلا للآخرة، ولا يرضى إلا للآخرة، ولا يغضب إلا للآخرة، ولا يتحرك إلا للآخرة، ولا يسكن إلا للآخرة. من كان كذلك أعطاه الله ثلاثة نعم، لو يعلم الملوك بها لجالدوه عليها بالسيوف حتى يأخذوها، ولكنها منة من الله يعطيها من يشاء من عباده الذين جردوا أنفسهم إليه ولم يدخلوا بقلوبهم سواه من أصنام الدنيا وزينتها وزخرفها، وأول هذه النعم:

جمع الشمل:

والشمل هو الاجتماع، وكل ما يحيط بالإنسان، فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه السكينة والطمأنينة، ويجمع عليه أفكاره، ويقلل نسيانه، ويجمع عليه أهله، ويزيد من المودة بينهما، ويجمع عليه أبناءه، وييسرهم له، ويجمع عليه أقرباءه، ويبعد عنهم الشقاق، ويجمع عليه ماله فلا يتشتت بتجارة خاسرة، أو تصرف أحمق، ويجمع القلوب عليه بعد أن يكتب له القبول في الأرض، فلا يراه أحد إلا أحبه، ويجمع عليه كل ما يحيط به من أمر.

غنى القلب:

والنعمة الثانية التي يمنها سبحانه وتعالى عليه هي من أجل النعم؛ ألا وهي غنى القلب؛ إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ليس الغنى عن كثرة العرض؛ ولكن الغنى غنى النفس» «8».

يقول الإمام المناوي: «يعني ليس الغنى المحمود ما حصل عن كثرة العرض والمتاع؛ لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه لا ينتفع بما أوتي، بل هو متجرد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه، فالحريص فقير دائمًا، «ولكن الغنى» المحمود المعتبر عند أهل الكمال «غنى» القلب، وفي رواية: «النفس» أي: استغناؤها بما قسم لها، وقناعتها ورضاها به بغير إلحاح في طلب ولا إلحاف في سؤال، ومن كفت نفسه عن المطامع قرت وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من كان فقير النفس، فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال؛ لدناءة همته، فيصغر في العيون ويحتقر في النفوس، ويصير أذل من كل ذليل»«9». فصاحب المال مهما بلغ ما يملك من الملايين إذا لم يكن قانعًا بما رزقه الله، يلهث كما يلهث الوحش، اتخذ المال إلهًا من دون الله، فإنه فقير بالحقيقة؛ لأن الفقير هو الذي يشعر بانعدام المال عنده، والحاجة الدائمة إليه.

ومما جاء في ترجمة الزاهد إبراهيم بن أدهم أن رجلًا «قال له: هذه جبة أحب أن تقبلها مني. فقال: إن كنت غنيًّا قبلتها، وإن كنت فقيرًا لم أقبلها. قال: أنا غني. قال: كم عندك؟ قال: ألفان. قال: تود أن تكون أربعة آلاف؟ قال: نعم، قال: فأنت فقير، لا أقبلها منك» «10».

مجيء الدنيا:

وهي النعمة الثالثة التي يمنها الله عليه، فهو يهرب من الدنيا وهي تجري إليه وهي ذليلة صاغرة، تمامًا كما مثلها الإمام ابن الجوزي عندما قال: «الدنيا ظل، إن عرضت عن ظلك لحقك، وإن طلبته تقاصر، الزاهد لا يلتفت إلى الظل فيتبعه الظل، والحريص كلما التفت لم يره»«11».

وأما الذي كانت الدنيا همه فلا يفكر إلا فيها، ولا يعمل إلا لها، ولا يهتم إلا من أجلها، ولا يفرح إلا لها، ولا يوالي أو يعادي إلا فيها، فهذا يعاقبه الله بثلاثة عقوبات:

أولها: تشتت الشمل:

فيفرق الله عليه شمله، فما من شيء كان يحيط فيه إلا فرقه الله عليه؛ فتراه مشتت البال والفكر، مضطرب النفس، كثير القلق على كل أمر مهما كان تافهًا، يفرق عليه ماله فلا يوفقه في مشروع أو غيره من أمور التجارة، ويفرق عليه أبناءه وزوجه، فيرى عقوقًا دائمًا يزيد في غمه وهمه، ويرى من زوجه تأففًا وتمردًا وشكوى لا تنقطع، تجعله يتمنى الخلاص من هذه الدنيا من شدة ما يجد، ويفرق الله عليه الناس فلا يحبه أحد، بعد أن كتب الله له البغضاء في الأرض.

الفقر الملازم:

وهي ثاني عقوبة يعاقب بها، فيجعله لا يشعر بالقناعة أبدًا مهما ملك من المال، يشعر دائمًا بالفقر والحاجة مما يجعله يجري ويلهث وراء المال كلما ازداد شعوره بالفقر، مما يزيد في تعبه وهمه وقلقه.

هروب الدنيا:

فالدنيا هاربة منه دومًا، يطلبها وهي تتباعد عنه، يجري وراءها كما يجري من يحسب السراب ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهو يسعى للمنصب والجاه والدرجة والثناء والشهرة، والصفقات الكبيرة، يهلك نفسه من أجل ذلك، ولكنها جميعها تتباعد عنه، عقوبة من الله له.

هذا ما جعل ذا النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: «هم الدنيا ظلمة في القلب، وهم الآخرة نور في القلب» «۱۲».

«7» أخرجه ابن ماجة، وصححه الألباني «ص ج ص 6392».

«8» رواه مسلم «1051» كتاب الزكاة.

«9» فيض القدير: 5/ 358.

«10» البداية والنهاية: 10/ 138.

«11» اللطف في الوعظ، ص52.

«۱۲» الاستعداد ليوم المعاد، ص9.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 838

96

الثلاثاء 13-أكتوبر-1987

صفات أصحاب هم الآخرة

نشر في العدد 840

84

الثلاثاء 27-أكتوبر-1987

نماذج من أصحاب هَمِّ الآخرة

نشر في العدد 1435

87

الثلاثاء 23-يناير-2001

المجتمع التربوي (العدد 1435)