العنوان تقرير المجلس المخابرات القومي الأمريكي: عصر الهيمنة الأمريكية ينتهي عام ٢٠٢٥م
الكاتب صلاح الصيفي
تاريخ النشر السبت 07-نوفمبر-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1876
نشر في الصفحة 12
السبت 07-نوفمبر-2009
التقرير يؤكد أن تراجع قوة الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي لن يقف عند حد النفوذ السياسي بل سيمتد إلى النواحي الاقتصادية والثقافية
المؤرخ الأمريكي هوارد زين ١١ سبتمبر ٢٠٠١م يمثل بداية انحلال الإمبراطورية الأمريكية.. لقد استهلكت ما تملك من قوة
جون جراي: الكارثة المالية ستؤدي إلى سقوط الولايات المتحدة مثلما تسبب سقوط جدار برلين في انهيار الاتحاد السوفييتي
«شمس الهيمنة الأمريكية تغيب عام ۲۰۲٥م».. تحت هذا العنوان كتبت صحيفة «ذا جارديان» البريطانية تعليقًا على فحوى تقرير مجلس المخابرات القومي الأمريكي، الذي توقع تراجع نفوذ الولايات المتحدة في عالم متعدد الأقطاب بحلول عام ۲۰۲٥م، وذلك في انتكاسة تامة لتوقعات المجلس نفسه التي نشرها عام ٢٠٠٤م، وتحدثت عن احتفاظ أمريكا بهيمنتها على العالم حتى مع صعود قوى أخرى.. وتكمن أهمية تسليط الضوء على هذا التقرير اليوم رغم صدوره منذ خمس سنوات في تلك الانهيارات المالية المتواصلة التي تضرب الاقتصاد الأمريكي في مقتل، وتسببت حتى الآن في إغلاق ١١٥ بنكًا والعدد مرشح للزيادة، الأمر الذي يؤكد صدق ما توقعه هذا التقرير.
وقال مجلس المخابرات القومي في تقريره: إن الأزمة المالية الحالية التي تعصف بالعالم هي البداية لنظام عالمي جديد ذي أقطاب متعددة، تكون فيه الولايات المتحدة مجرد قوة من بين مجموعة قوى، منها الهند والبرازيل والصين، مشيرا إلى أن «واشنطن» سيكون عليها انتظار رأي أقرانها قبل اتخاذ قرار مصيري يخص العالم.
تراجع وسقوط
وبحسب التقرير فإن تراجع قوة الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي لن تقف عند حد النفوذ السياسي، بل سيمتد إلى النواحي الاقتصادية والثقافية، حيث يقول: «إن انتصار النمط الغربي للديمقراطية وبخاصة المطبوع برؤية المحافظين الجدد في أمريكا سيتراجع بحلول عام ٢٠٢٥م كما أن العلمانية الغربية ورأسمالية الاقتصاد الليبرالي الذي كافح الغرب عقودًا من أجل تعميمها على العالم باعتبارها الحل الوحيد لأزماته الاقتصادية لن تحتفظ بجاذبيتها كما هي بحلول ذلك التاريخ».
ولم يكن تقرير مجلس المخابرات الأمريكي هو الأول الذي يتحدث عن انتهاء الهيمنة الأمريكية ولكن هناك العديد من التقارير والمقالات للخبراء والسياسيين يتوقعون بالفعل نهاية أسطورة الهيمنة الأمريكية على العالم وخاصة بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة.
فقد تحدث المؤرخ والمحلل السياسي «جون جراي» في مقاله المنشور بصحيفة «ذا جارديان» البريطانية عما رأى فيه دلائل على نهاية عهد الهيمنة الأمريكية وانتقال موازين القوى لصالح الصين، مؤكدًا أن الأزمة المالية العالمية ستؤدي إلى سقوط الولايات المتحدة مثلما تسبب سقوط جدار برلين في انهيار الاتحاد السوفييتي.. وقال: «إن عهد الهيمنة الأمريكية،ولى ونحن أمام لحظة تحوّلات حاسمة، تنزح فيها مناطق الثقل إلى خارج الحدود الأمريكية».
وأوضح «جراي» أن النموذج المالي والاقتصادي الأمريكي تهاوى، في مشهد يشبه إلى حد كبير مشهد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأنه مهما كانت الحلول التي ستجربها واشنطن فلن يتعافى نظامها المالي إلا بعد أن يكون عهدها قد ولى وأصبحت تابعا في قافلة يقودها أسياد جدد.
سقوط ركائز القوة
وقد بدأت دعائم وركائز الهيمنة الأمريكية على العالم تتهاوى في الفترة الأخيرة..
ففي الجانب العسكري، لم تستطع أمريكا تحقيق أي نصر يُذكر في أفغانستان، وأصبح همها الأكبر هو الخروج بأي وسيلة تحفظ بها ماء وجهها.. كما تورّطت في العراق الذي كان على مدى أكثر من عقد محاصرًا ومفككًا، ورغم ذلك أخفقت القدرة العسكرية الأمريكية رغم تفوقها الهائل في السيطرة على العراق وخسرت بذلك هيبتها قبل أن تفقد كثيرًا من جنودها، ويبدو أنها أصبحت غير قادرة على تحمل تكلفة أي تدخل عسكري آخر.
وفي الجانب السياسي، فإن حرب روسيا على جورجيا كشفت العجز السياسي الأمريكي؛ حيت لم تستطع هي وحلفاؤها الأوروبيون القيام بأي تحرك سياسي فعال واكتفت ببعض التصريحات الدبلوماسية بهدف إرضاء جورجيا، هذا بالإضافة إلى عجزها السياسي في التعاطي مع الملف النووي الإيراني وإخفاقاتها السياسية مع كل من أفغانستان والعراق وبوليفيا وفنزويلا.
أما في الجانب الاقتصادي، فلا يخفى على أي متابع تأثير أزمة الرهن العقاري وانهيار سوق المال الأمريكي على القدرة المستقبلية للاقتصاد الأمريكي، فبعد أن كانت أمريكا هي رأس الحربة المدافع عن الرأسمالية وحرية السوق، ها هي تخرّ راكعة لطلب المساعدة من بعض الدول كالصين بعد أن كانت تحارب السياسة الاقتصادية الصينية في كل محفل، وجاءت الأزمة المالية العالمية الأخيرة لتقصم ظهر القطب الأمريكي، ولتمند تأثيراتها من الولايات المتحدة الأمريكية إلى اوروبا والعالم كله.
عهد جديد متعدد الأقطاب
وفي مقال للصحفي «هوارد لا فرانتشي» نشرته صحيفة «ذا كريستيان ساينس مونيتور» الأمريكية أكد أن التصريحات التي انطلقت من أماكن عدة في العالم، سواء تلك التي صدرت من إيران وفنزويلا معتبرة الأزمة المالية العالمية نهاية للولايات المتحدة كقوة عظمى أو البيانات المتحفظة من القادة الأوروبيين بانبلاج عهد جديد متعدد الأقطاب، كلها توصلت إلى نتيجة مفادها أن بنية القوة العالمية المستندة إلى الهيمنة والزعامة الأمريكية تعيش حالة من الفوضى ولن تقوم لها قائمة مرة أخرى.
ومضت الصحيفة إلى القول: إن من الواضح على ما يبدو أن السنوات التي قضاها الرئيس «جورج بوش» في الحكم عززت وجهات نظر أولئك الذين ظلوا طويلًا يتوقعون أن يُنتف ريش النسر الأمريكي الذي يمثل الشعار الرسمي للولايات المتحدة.
ونقل المقال عن «إيمانويل وولرشتاين» عالم الاجتماع بجامعة «بيل»، الذي تنبأ منذ ثمانينيات القرن الماضي بزوال الإمبراطورية الأمريكية، قوله: «إن ما فعله بوش أنه جعل التراجع البطيء تتسارع خطاه».
أما «هوارد زين» المؤرخ الأمريكي الشهير صاحب كتاب «شعب الولايات المتحدة ١٤٩٢م»، فقد قال: «أعتقد أن الإمبراطورية الأمريكية وصلت إلى حدودها القصوى في الشرق الأوسط، ولا أعتقد أن لها مستقبلا في أمريكا اللاتينية.. أعتقد أنها استهلكت ما تملك من قوة وأن الانسحاب من العراق سيكون الخطوة الأولى في تقزيم الإمبراطورية الأمريكية، وعودتها إلى التخندق داخل حدودها.. وأنا أعتقد أن الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱م، قد يمثل بداية انحلال الإمبراطورية الأمريكية».
مقاومة الهيمنة
إن العنصر الحاسم في ظاهرة تقدّم الهيمنة الأمريكية وتقهقرها لا يكمن في السياسة الأمريكية بحد ذاتها في الدرجة الأولى، بل يكمن في وجود الإرادة السياسية المضادّة والتحرّك بموجبها، وتوظيف ما يتوافر من طاقات ذاتية على هذا الصعيد، سواء أكانت ضخمة «كما في أوروبا بعد سقوط الشيوعية» أم محدودة «كما في جنوب شرق آسيا في مطلع نهضتها الاقتصادية الراهنة».
وستجد كل مقاومة للهيمنة الأمريكية رد فعل أمريكيًا مضادًا لها، لكن فعاليته لا تستند سلبا وإيجابا إلى قوته الذاتية فقط، بل تستند في الوقت نفسه إلى حجم تلك المقاومة المضادّة وامتدادها الجغرافي وصلابتها النوعية ثم استمرارها في مواقع ممارستها.
والأهم من ممارسة الاستفزاز - وهو متوقع حسب «منطق سياسة الهيمنة» - أن المجموعات الدولية في أنحاء العالم، مثل الاتحاد الأوروبي وأمريكا الجنوبية، وحتى أفريقيا دون الصحراء الكبرى، فضلا عن الصين وروسيا كانت ترد على الاستفزازات الأمريكية الخاصة بكل منها على حدة، وهو ما أعطى سياسة التميز الأوروبي دفعات كبرى، وأسقط معظم ما أحرزته سياسة «الهجوم» الأمريكية في الصراع على النفوذ مع فرنسا في القارة الأفريقية، كما بدأ يزيد من تقارب الدول الآسيوية، وطورت دول أمريكا الجنوبية والوسطى سلسلة من المعاهدات والاتفاقات التجارية فيما بينها، وتحرّكت أغلبية دول العالم بعيدًا عن الولايات المتحدة في الاتفاقات الدولية، وكان في سائر هذه الخطوات وأمثالها إشارات «تحذيرية» موجهة إلى واشنطن.
قوة إسلامية جديدة
ومن أشد ما يثير الذهول أن المنطقة العربية بالذات لم تشارك في ذلك أو فيما يشابهه من قريب أو بعيد، فباتت المنطقة الوحيدة التي تواجه التحديات والاستفزازات الأمريكية دون ردود فعل مناسبة، وهذا ما يفسر تصعيد واشنطن من أسلوب الاستهتار العلني بمن يلقونه من المسؤولين في البلدان العربية.
وفي حقيقة الأمر، فإن مستقبل أمريكا لم يعد يهم الدول العربية والإسلامية رغم ارتباط معظمها السياسي والاقتصادي بها قدر ما يهمه التخلص من الهيمنة الأمريكية التي كانت - ولا تزال - تقف في وجه أي تعاون حقيقي بين الدول الإسلامية، وتزرع بذور الفرقة بينها. وإن زوال هذه الهيمنة قد يفسح الطريق لقوة عالمية جديدة كانت هي العدو الأوحد للغرب خلال العقدين الماضيين.. إنها قوة اتحاد المسلمين وتعاونهم السياسي والاقتصادي والعسكري لمواجهة الهيمنة الأمريكية على مصائر ومقدرات الشعوب العربية والإسلامية.
سقوطه يعني بداية النهاية للإمبراطورية الأمريكية
هل أصبح عرش «الدولار» في خطر فعلا؟!
«وليم كلارك» William R. Clark أستاذ في جامعة «جون هوبكنز» الأمريكية Johns Hopkins حصل عام ٢٠٠٥م على جائزتين للتفوق؛ لأبحاثه عن «نزاع النقد والبترول» Oil currency conflict، وقد نشر كتابًا استخدم فيه للمرة الأولى مصطلح «الدولار البترولي» Petrodollar، يؤكد فيه أن الاحتيال باستخدام هذا المصطلح يوضح الدافع وراء الحرب على أفغانستان والعراق.
أ. د. حامد محمود آل إبراهيم
ويرى «كلارك» أن السبب الحقيقي ليس الإرهاب، ولا البرنامج النووي، ولا بترول العراق.. إنما الدافع الرئيس هو ظهور دعوات لشراء البترول بالعملات الأخرى، وكسر احتكار الولايات المتحدة لشرائه بالدولار الأمريكي فقط!
ويشير الخبير الاقتصادي «رافي كومار» Ravi Kumar إلى أن الولايات المتحدة قامت عام ١٩٧١م بطباعة وإنفاق كميات هائلة من الدولارات الورقية لا تملك مقابلها من الذهب، فالأصل في إصدار العملة الورقية هي «سند لمقابله من الذهب»، وإلا فالورقة في حد ذاتها لا تساوي سوى ثمن الورقة والطباعة، وهو ما لا قيمة له في الأسواق!
وبعد عدة سنوات، طالبت فرنسا باسترداد حقها الذهبي بدلا من أوراق الدولار! وبالطبع رفضت «واشنطن» هذا الطلب، لأنه ببساطة يعني إشهار إفلاس الولايات المتحدة وللخروج من المأزق الفرنسي، رأت أمريكا أن الحل الأمثل هو إعلان الدول المصدرة للبترول قرارًا بعدم بيع البترول إلا بالدولار الأمريكي!
ومنذ تلك اللحظة، أصبح لزامًا على جميع الدول التي تستورد البترول أن تمتلك الأوراق التي طبعتها الولايات المتحدة في مطابعها المنتشرة في جميع السفارات الأمريكية لكي تحصل على البترول وبذلك يحصل الأمريكيون على البترول مقابل الأوراق التي قاموا بطباعتها، وعلى حساب ونفقة جميع دول العالم المستوردة للبترول!
ولكن تلك الخدعة تم فضحها حينما قرر بعض الزعماء الكشف عن حقيقة اللعبة وبدؤوا بيع بترولهم مقابل العملات الأخرى، وبذلك تم إلغاء الغنيمة السهلة التي تم التستر عليها ردحاً من الزمن!
والسؤال هو: كيف يمكن الوصول إلى ذلك الهدف المهم الذي تتوقف عليه هيمنة أمريكا على العالم؟
الحل هو تمثيلية مركز التجارة العالمي «تفجيرات ١١ سبتمبر ۲۰۰۱م»، أو بيرل هاربر الجديدة كما يقول المحللون السياسيون في الولايات المتحدة (۱)، وبذلك عاد شراء البترول بالدولار الأمريكي فقط.
لقد أوشكت اللعبة الأمريكية على النهاية وأخذت دول عديدة تشتري البترول بعملتها ولكن الأسوأ للأمريكيين أنهم سوف يضطرون الشراء البترول من الآن فصاعدًا بعملة «اليورو» أو «الروبل» وليس بدولاراتهم، فهل يعني هذا نهاية الإمبراطورية الأمريكية وتحطم الاقتصاد الأمريكي؟ وهل يعني هذا نهاية تمويل الحروب الأمريكية في بقاع شتى من العالم؟ وهل هناك طريق آخر ربما إشعال «حرب عالمية ثالثة»؟! علينا الانتظار أشهر أو سنوات!
في مقال له نشرته «أراب بيزنس» (۱۷ يوليو ۲۰۰۹م)، قال «أنيس ديوب»: «يتعرض الدولار الأمريكي هذه الأيام الحملة تستهدف تحطيم المنزلة التي تربع عليها ردحًا طويلًا من الزمن، فها هي الصين وروسيا والهند تعلن صراحة رغبتها في إزاحة الدولار عن عرشه واستبدال عملة احتياط عالمية به تكون مؤلفة من سلة عملات لها وزنها على الساحة المالية والاقتصادية الدولية.. وقبل ذلك كانت هناك صيحات تطالب باستبدال الدولار من جانب دول تُعد معادية للولايات المتحدة: كإيران وفنزويلا، وكان آخر تحد لزعامة الدولار قد ظهر في مدينة «لاكويلا» الإيطالية خلال قمة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى في يوليو ٢٠٠٩م».
وكتب «روبرت فيسك» في صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية «الثلاثاء 6 أكتوبر ۲۰۰۹م» قائلا: «إن دول الخليج العربي تجري مباحثات سرية مع روسيا والصين واليابان وفرنسا لاستخدام سلة عملات بدلا من الدولار الأمريكي في تسعير النفط».
والحقيقة، إن مثل هذه المقالات، وما يذاع في القنوات الفضائية عن التوقعات نفسها لدليل على قرب نهاية ظلم وهيمنة الإمبراطورية الأمريكية، وعملتها «الدولار»!
الهامش
- The New Pearl Harbor
Revisited: 911/. the Cover-Up. and the
Exposé by David-Ray-Griffin
١١٥ بنكًا أمريكيًا انهارت عام ٢٠٠٩م
مغزى انهيار المؤسسات المالية والمصرفية العالمية
علماء الأمة مطالبون بتقديم ما عندهم من خير لسعادة البشرية
الآن جاء دور النظام الاقتصادي الإسلامي ليحكم العالم
انهيار المؤسسات المالية والمصرفية والاقتصادية الأمريكية يدل على خلل في المنظومة التي تحكم مسيرة هذه البنوك، وقد وصل عدد البنوك المنهارة خلال هذا العام ۲۰۰۹ م فقط إلى ۱۱٥ بنكًا، وسبق أن قلت في كتابي الذي أصدرته جمعية الإصلاح الاجتماعي أخيرًا بعنوان: «ما بعد تفكك النظام الرأسمالي للاقتصاد»:
أ.د. عبد الحميد البعلي[1]
قلت: إن التعديل القانوني الذي أدخل على النظام المصرفي الأمريكي عام ۱۹۹۹م عندما تولى «آلان جرينسبان» رئاسة المصرف الفيدرالي الاحتياطي والذي أصدر قانون «جرمان ليس باليلي» مغزاه إعطاء الفرصة الواسعة للبنوك للدخول في الاستثمارات بشكل واسع، وتخطي الأعمال المصرفية التقليدية التي كانت تمارسها.. وكانت النتيجة أن دخلت المصارف والبنوك في أعمال مالية لم تعد العدة لانضباطها مما أدى إلى انهيارها.. ومازال هذا الخلل القانوني قائمًا ولم نسمع - على حد علمي - أن أمريكا أصدرت قانونًا يلغي القانون المسمى قانون «جرمان ليس باليلي» أو «جرينسبان» لعام ۱۹۹۹م.
ولقد لاحظنا أن الأزمات تقع بوتيرة متسارعة إلى أن وصلت الأزمات في عامي ۲۰۰۷ و ٢٠٠٨م إلى الذروة، ومازالت تتواصل.
وحتى الآن لم نسمع تعديلًا جوهريًا على النظام المصرفي، وبناء عليه فإن نفس النظام الذي أحدث الأزمة مازال مستمرا، وأعتقد أن هذا هو السبب الجوهري لانهيار البنوك في أمريكا.
وهذا ينعكس بالقطع على جميع المصارف التقليدية أو غير التقليدية «الإسلامية» في كل دول العالم.
إن ما اتخذ حتى الآن من إجراءات حيال الأزمة المالية والمصرفية والاقتصادية العالمية لم يحدث الأثر المطلوب؛ لأنه اقتصر فقط على الإنعاش والتحفيز.. على نفس الأسس والقواعد التي كان يتبعها قبل الأزمة، وبالتالي لا أدري إلى مدى سيستمر مفعول الإنعاشات والتحفيزات - بمعنى أنها ستكون محدودة الأثر، وسوف يأتي وقت يتوقف فيه مفعول هذه الإجراءات القائمة على ضخ سيولة في عروق الجهاز المالي والمصرفي والاقتصادي.
ومن هنا أطالب بإدخال إصلاحات جذرية على منظومة العمل المالي والمصرفي والاقتصادي، وهذا الكلام ليس بعيدا عن ذهن المسؤولين في أوروبا كلها.. لذلك ترى أن وضع أسس مالية ومصرفية واقتصادية جديدة هو الشغل الشاغل لمجموعة العشرين.
ورغم ذلك، فالاجتماعات التي عقدتها حتى الآن لم تضع قواعد مستقرة ثابتة يتغير بها وجه النظام المالي والمصرفي والاقتصادي العالمي، ولابد من وضع أسس جديدة للنظام الاقتصادي العالمي.
ومن خلال هذه المنظومة الجديدة ماذا نحن فاعلون؟
هل نمثل تمثيلًا عادلًا داخل مجموعة العشرين؟ بالطبع لا، فالدول العربية والإسلامية التي يزيد عددها على ٦٠ دولة لا تمثل في المجموعة إلا بدولتين فقط هما: السعودية وتركيا.. رغم أن حجم العالم العربي والإسلامي في النشاط الاقتصادي العالمي أكبر من ذلك بكثير، بما يمتلكونه من موارد مالية وبشرية ووفرة في الاحتياطات والثروات المعدنية والنفطية والمالية.
فهل يمكن للدول العربية والإسلامية تقديم نظام اقتصادي عالمي جديد من خلال هاتين الدولتين، فالدول العربية والإسلامية تملك منهجا به أسس الإصلاح والعالم كله يرنو إليه، فوزيرة مالية فرنسا قالت: أين النظام المالي الإسلامي؟.. وكثير من الأساتذة والباحثين الألمان يطالبون بالنظام المالي الإسلامي، ولكنهم لا يتوفرون بالقدر الكافي على مصادر هذا النظام الإسلامي.
فنحن مطالبون بأن نقدم للعالم ما يقيله من عثرته ويحقق النمو الدائم له.
وأطالب العلماء والمختصين بأن يكون لهم دور أكبر في تقديم ما عندهم من خير للناس حتى يسعدوهم.. وهذا هو أصل المنهج الإسلامي ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).
حتى لو لم يكن هؤلاء الناس مسلمين فالنظام الإسلامي: النظام الوحيد المجرد عن الهوى والغرض، ولا يهمه إلا أن يعيش الناس سعداء.
[1] المستشار الاقتصادي بالديوان الأميري – الكويت