العنوان الصفة السابعة عشرة: ترك اللغو
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 29-مايو-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1904
نشر في الصفحة 47
السبت 29-مايو-2010
تطرقنا في المقال السابق للصفة السادسة عشرة، وهي ترك شهادة الزور ونتناول في هذا المقال الصفة السابعة عشرة، وهي ترك اللغو، التي هي في سياق صفات عباد الرحمن.
ما اللغو؟
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان:72).. فما اللغو؟.. يقول الأصفهاني: «اللغو في الكلام مالًا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغو، وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور، وقد يسمى كل كلام قبيح لغوًا قال تعالى: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ (النبأ:35).
ومنه اللغو في الأيمان، أي ما لا عقد عليه وذلك ما يجري وصلًا للكلام بضرب من العادة (1).
على هذا فإن اللغو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: كل كلام لا يعتد به، ولا يبنى عليه عمل ولا نفع.
الثاني: الكلام القبيح، ومنه اللجاج والغضب والعجلة.
الثالث: نوع من الأيمان يصل به الإنسان كلامه على غير قصد منه إيجابها على نفسه يمينًا.
أماكن اللغو
عن قيس بن أبي غرزة قال: أتانا النبي ﷺ ونحن في السوق، فقال: «إن هذه السوق يخالطها اللغو والكذب، فشوبوها بالصدقة» (2).
وإذا كانت الأسواق في عهد النبي ﷺ المكان الأبرز للغو المليء باليمين الكاذبة، والكثير من الحديث الذي لا فائدة منه، والمجادلات، والنزاعات، والصراخ، والتحاسد، والمبالغات، فإن في عصرنا الكثير من أماكن اللغو التي لم تكن في ذلك الزمان، منها المقاهي والديوانيات، بل تحولت بعض بيوت الله إلى مجالس لغو بعد الانتهاء من الصلوات والرسول ﷺ يوصي من اختار أن يكون ضمن عباد الرحمن، ويحرص على هذه الصفة، أن يخالط هذا اللغو بالصدقة حتى تكون سببًا في تكفير ما سمعه، أو خاض فيه من اللغو، وهي عبادة قل أن يتذكرها الكثير من المسلمين، وهذا يدل على مدى حرص الرسول ﷺ على بناء جيل جاد بعيدًا عن تضييع الأوقات بما لا طائل منه من الأحاديث، والاهتمام بما يسجل لصالحه في كتابه.
إنكار ولكنه لغو
وبالرغم من أمر الرسول ﷺ لنا بالقيام بواجب الإنكار عندما نرى المعصية أو الخطأ، فإن هذا الإنكار إذا ترتب عليه منكرًا أشد منه يصبح جزءًا من اللغو المنهي عنه... فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك انصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (3).
ذلك لأنه يفسد على السامع للخطبة ما سمع، ويسبب الجلبة والإزعاج، كما أنه ربما أفسد على الخطيب خطبته، بل إن اللغو أثناء الخطبة يحيل جمعته إلى صلاة ظهر، ويفقد بذلك أجر الجمعة، كما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب امرأته - إن كان لها - ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا » (4).
الأصل التاسع
ولقد انتبه رائد الدعوة الإسلامية في القرن العشرين الإمام حسن البنا، فجعل ترك اللغو أصلا من أصوله العشرين التي وجهها للعاملين في الدعوة، حيث قال فيها: «وكل مسألة لا يبنى عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعًا، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم، وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته، وجزاء نيته، وفي التأول مندوحة» (5).
علامة حسن الإسلام
وترك اللغو والخوض فيه علامة من علامات حسن الإسلام، لذلك قال الرسول: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (6).
فالإنسان خلق من أجل غاية واضحة، وهي «العبادة»، فكل اشتغال لغير هذه الغاية لا ينبني عليه عمل فهو لغو حري بالداعية إلى الله وإل كل من سلك طريق عباد الرحمن أن يتركه.
الثرثارون سماسرة اللغو
«والثرثرة كثرة الأكل، والكلام في تخليط وترديد، ويقال ثرثر الرجل، فهو ثرثار مهذار»(7).
ومن الناس من ليس لديه عمل في هذه الحياة إلا الكلام الذي لا فائدة منه، وهم حقًا سماسرة اللغو، وهؤلاء هم أبعد الناس يوم القيامة من الرسول ﷺ وأبغضهم إليه، حيث روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون». قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارين والمتشدقين، فما المتفيهقون؟ قال ﷺ: «المتكبرون» (8).
مرور الكرام
وأمام هذا الكم الكبير من مجالس اللغو في هذه الحياة، كيف يتصرف عباد الرحمن عندما يمرون بمثل هذه المجالس؟
يقول تعالى منهم: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان:72).
يقول الإمام القرطبي عن صفة مرورهم بهذا اللغو: «معرضين منكرين لا يرضونه، ولا يسألون عليه، ولا يجالسون أهله أي مروا مرور الكرام الذين لا يدخلون في الباطل» (9).
فهم أبعد الناس عن مجاملة أهل اللغو وسماسرته على حساب دينهم وقيمهم وأخلاقهم، ووقتهم الثمين.
الهوامش
- المفردات للأصفهاني، ص ٧٤٢.
- سنن النسائي ١٥/٧، وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي)، ٣٥٥٧.
- رواه البخاري (الفتح (٣٩٤/٢)، ومسلم (٨٥١).
- رواه أبو داود (٣٤٧)، وحسنه الألباني (صحيح أبو داود، ٣٣٥).
- مجموعة رسائل البنا ص ٣٥٧ - طبعت المؤسسة الإسلامية - بيروت.
- رواه الترمذي (۲۳/۲۲) كتاب الزهد وصححه الألباني، (ص ج ص ٥٩١١).
- لسان العرب لابن منظور، ٣٥٣/١، طبعة دار لسان العرب، بيروت.
- سنن الترمذي وقال: «حديث حسن غريب».
- تفسير القرطبي، ٤٧٩٦،٤٧٩٧/٧.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل