العنوان أبعاد العظمة في شخصية مصطفى السباعي
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000
مشاهدات 66
نشر في العدد 1397
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 25-أبريل-2000
أسس جماعة الإخوان المسلمين في سوريا.. جاهد ضد الاستعمار وحارب في فلسطين ١٩٤٨م
كان الدكتور الشيخ مصطفى السباعي أحد العظماء المجددين الذين عرفهم العالم الإسلامي في القرن العشرين.
إن من العظمة أن يتفوق الإنسان في فن من الفنون أو علم من العلوم أو ضرب من ضروب الحياة الاجتماعية أو السياسية أو القانونية، فإذا جمع في تفوقه أكثر من اختصاص أو نوع من هذه الأنواع كان شأنه أعلى وبخاصة عندما يطابق عمله بأقواله فلا يكون انفصام في الشخصية، أو نفاق في الاعتقاد والسلوك، بل يكون الصدق والإخلاص والقدوة والامتناع من علامات هذه المزية ومن ثمارها في الوقت نفسه.
أما القمة في العظمة والعبقرية فهي أداء هذه المواهب أو كل موهبة منها، بل كل جزئية من الجزئيات في وقتها المناسب، أو ظرفها الملائم، بحيث لو تقدم التنفيذ لحظة أو يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا أو سنة -بحسب الحاجة- أو تأخر مثل ذلك ضاعت الفرصة السانحة، وبطلت الحاجة أو التحرك المطلوب، وقد عبر عن ذلك علماؤنا بمصطلح «أدب الوقت».
كان بوسع الدكتور مصطفى السباعي أن يكون عالمًا كبيرًا مثل جمال الدين القاسمي، أو أن يكون عالمًا أديبًا مثل الشيخ علي الطنطاوي، أو قائدًا عسكريًا شجاعًا مثل يوسف العظمة، أو رجلًا سياسيًا مثل الدكتور معروف الدواليبي أو قائد حزب مثل قادة الأحزاب أو أستاذًا جامعيًا مثل الشيخ مصطفى الزرقاء أو صحفيًا كبيرًا مثل رؤساء التحرير وأصحاب الصحف المشهورة، بل كان بوسعه أن يتفوق على كل واحد من هؤلاء في ميدانه فكيف وقد تفوق في هذه الميادين جميعًا! ولكن ماذا بقي من هؤلاء وماذا بقي من الشيخ مصطفى السباعي؟
بوسعنا أن ندرس عظمة هذا الرجل من زوايا مختلفة، لكننا سوف نختار الزاوية الأهم ألا وهي تمثله لما يسمى «أدب الوقت» في حياته كلها.
إن أول لبنة أرساها السباعي في حياته، وكانت زادًا أساسيًا في أنشطته ومواقفه وسياساته هي عكوفه على التحصيل العلمي الشرعي في مطلع حياته، ففي سنته السادسة عشرة ١٩٣٠م نال شهادة الثانوية الشرعية بدرجة امتياز، وفي عام ١٩٤٩م تخرج بشهادة الدكتوراه من الجامع الأزهر، وهذا لم يكن حائلًا دون تأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا وإسهامه في مقاومة الاستعمار الفرنسي عام ١٩٤٥م، وتأسيسه لجريدة «المنابر اليومية» بدمشق عام ١٩٤٧م.
ومن الطبيعي في بلد عربي مثل سوريا أن يصير حامل الشهادة العالمية أو الدكتوراه أستاذًا جامعيًا، وهكذا عين السباعي عام ١٩٥٠م أستاذًا في كلية الحقوق، وفي العام نفسه انتخب عضوًا في المجلس النيابي، لكنه قبل ذلك قاد بنفسه كتيبة مؤلفة من أربعمائة مقاتل من جماعة الإخوان المسلمين، وخاض بها معارك فلسطين عام ١٩٤٨م. ومن معاركه المشهورة ضد العدو الصهيوني معركة «جبل المكبر» بتاريخ ١٩٤٨/٧/١٨م، ومقاومته الباسلة للانقلابات العسكرية التي جاءت بحكام مستبدين وسياسات مريبة مثل حسني الزعيم ١٩٤٩/٣/٢٠م، وسامي الحناوي ١٩٤٩/٤/١٤م، وأديب الشيشكلي ١٩٤٩/١٢/٩م.
معارك في البرلمان
وحين عادت الحياة الدستورية إلى البلاد، ودخل السباعي المجلس النيابي، طرح موضوع «دين الدولة»، وكان -رحمه الله تعالى- عضوًا في اللجنة القانونية، وخاض معارك من نوع جديد هي معارك قانونية حقوقية تحت قبة «البرلمان».
ومعارك سياسية شعبية على صعيد الشارع السوري الذي تعاطف مع دعوة السباعي إلى جعل دين الدولة الإسلام وإلى إرساء مواد قانونية في صلب الدستور السوري للغرض نفسه، برغم الضغوط الداخلية والدولية، فالاستعمار الفرنسي لم يكن مضى على زواله أكثر من أربع سنوات.
إن منصب الأستاذ الجامعي من الأعمال الشريفة النظيفة، فهو موقع اجتماعي محترم، وله دخل مالي كاف، ونظام عمل مريح، ومع ذلك لم يكن السباعي أسيرًا لهذه القيود الحريرية، فقد جمع بين التدريس الجامعي، وعضوية البرلمان، وقيادة تنظيم إسلامي وتأليف الكتب العلمية، والإدلاء بالأحاديث الإذاعية وتدبيج افتتاحيات جريدة «المنار» أو «الشهاب» أو «المسلمون» يوميًا وأسبوعيًا وشهريًا، والطواف على المحافظات السورية، أو السفر إلى الأقطار العربية والإسلامية لحضور المؤتمرات العلمية والسياسية.
وهكذا جمع الرجل بين التنظير الفكري سياسة وقانونًا في الجامعة، وبين الممارسة والتطبيق في المجلس النيابي والجريدة اليومية والشارع السوري وقيادة التنظيم الإخواني وعلى منابر المساجد والمحافل الدولية، كما جمع بين الدفاع عن الإسلام بتأليفه كتبًا تدافع عن السنة النبوية المطهرة مثل: «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي»، و«السيرة النبوية دروس وعبر»، وعن الإسلام كله مثل «من روائع حضارتنا» و«الاستشراق والمستشرقون»، و«عظماؤنا في التاريخ» و«شرح قانون الأحوال الشخصية»، وبين دفاعه عن المسلمين مثل خوضه حرب فلسطين عام ١٩٤٨م، أو حضوره المؤتمرات الإسلامية مثل المؤتمر الإسلامي في القدس عام ١٩٥١م، والمؤتمر الإسلامي في باكستان العام نفسه، وهذا كله على عظمته يندرج في أدب الوقت، أو الاستجابة لمتطلبات الظرف الراهن بما يشبه ردود الفعل المحكمة، أما ما هو أهم من ذلك كله، فهو صناعة الأحداث، والقيام بمبادرات تسبق أفعال الآخرين أو تفرض عليهم الظروف وتحدد الأزمنة والأمكنة والطروحات الفكرية والسياسية الناضجة.
تأسيسه كلية الشريعة
ومن مبادرات السباعي -رحمه الله تعالى- وصناعته للأحداث تأسيسه كلية الشريعة في جامعة دمشق عام ١٩٥٥م ومن أجل ذلك وضع مستقبله العلمي والجامعي في مخاطرة، فإذا أخفقت كلية الشريعة -لا سمح الله- خسر عمله وتعرضت سمعته للطعن، ولذلك أحجم عدد من الأساتذة الجامعيين أصحاب «الكراسي» عن الإسهام في تأسيس الكلية، وحينما نجحت بعون الله صار إقبال المدرسين عليها عظيمًا، ومثال آخر هو مبادرته لوضع مشروع موسوعة الفقه الإسلامي عام ١٩٦٠م، وتأسيسه جماعة الإخوان ودخوله المجلس النيابي، وقيادته مشروعًا تربويًا شعبيًا «أسبوع التسلح» لخدمة القضية الفلسطينية. وفي عام ١٩٥٧م قرر الدكتور السباعي أن يخوض الانتخابات النيابية التكميلية وكان القطر السوري في قمة الصراعات السياسية بين الإسلام والاشتراكية والناصرية والشيوعية والقومية، فلم يملك السباعي إلا أن يواجه التحديات المصيرية بشخصه، ويتعرض لحملات إعلامية وسياسية داخلية وخارجية عربية ودولية، وإلى إقدام خصومه السياسيين والأجهزة الأمنية على تزييف الانتخابات بشكل علني مكشوف، فكانت النتيجة خسارة الانتخابات وظهور المؤشر الأول لدخول القطر السوري في نفق الاستبداد الذي لم تخرج منه بعد ذلك وأصيب السباعي بشلل جزئي، منعه من حركة الانتقال والخطابة، لكنه لم يمنعه عمله التأليفي خلال السنوات السبع الأخيرة من حياته حيث توفي في ١٩٦٤/١٠/٣م.
لمحات من حياته
۱۹۳۰م حصوله على الثانوية الشرعية.
١٩٤٥م إسهامه في محاربة الاستعمار الفرنسي، وتأسيسه جماعة الإخوان المسلمين.
١٩٤٧م إنشاؤه جريدة «المنار»
١٩٤٨م قيادته كتيبة الإخوان في حرب فلسطين.
١٩٤٩/٣/٣٠ مقاومته انقلاب حسني الزعيم.
١٩٤٩/٤/١٤ مقاومته انقلاب سامي الحناوي.
١٩٤٩/١٢/٩ مقاومته انقلاب الشيشكلي.
١٩٥٠ تخرجه بالشهادة العالمية من الأزهر.
١٩٥٠ انتخابه عضوًا في المجلس النيابي السوري.
١٩٥١ حضوره المؤتمر الإسلامي في القدس.
١٩٥١ حضوره المؤتمر الإسلامي في باكستان.
١٩٥٢ تأییده لانقلاب محمد نجيب ضد الملكية في مصر.
١٩٥٤ حضوره مؤتمر بحمدون في لبنان والمؤتمر الإسلامي في دمشق.
١٩٥٥ قيادته أسبوع التسلح وتأسيس كلية الشريعة.
١٩٥٧ تعرضه لمحاولة اغتيال من عملاء حلف بغداد.
١٩٥٩ سفره إلى أوروبا لإلقاء محاضرات ثم استنكاره العدوان الثلاثي على مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل