; المظلومون في تاريخنا.. عباس بن فرناس | مجلة المجتمع

العنوان المظلومون في تاريخنا.. عباس بن فرناس

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2007

مشاهدات 65

نشر في العدد 1748

نشر في الصفحة 66

السبت 21-أبريل-2007

أبو القاسم: عباس بن فرناس بن ورداس (٢٧٤هـ - ٨٨٧م)، وفرناس تعني (الشجاع والرئيس والأسد). أندلسي من البربر (سكان الشمال الإفريقي)، من كورة (محافظة) تاكرنا ومدينتها (مركزها)، رندة جنوبي الأندلس.

ولد في قرطبة أو انتقل إليها، وعاش فيها. نشأ في الربض (الحي) الغربي منها، ربما في حي الرصافة الشهير الذي فيه قصر الإمارة (المقتبس)، (۲۲۷/۲/۲ - ٢٣٥) والذي منه كان طيرانه الثاني والأخير. نشأ بقرطبة، ونبل في جميع العلوم القديمة والمحدثة، أحكم لسان العرب وحذق صنعة الشعر الحسن، وفاق في علم الفلسفة والنجوم والهيئة، فصار صاحب نيرنجات (حيل كالسحر، وليست منه) وألطاف وأسحار، تحمل عنه في ذلك أنباء وأخبار (المقتبس ٢٤٢/٢/١ و ٢٣٩).

الجو العلمي والدراسي

كان التعليم في الأندلس متاحاً للجميع، لا يحرم منه أحد، نساء ورجالاً، وفي سن مبكرة، علماً بأنه لم تكن هناك مدارس رسمية هذا لا يأتي وحده لكنه ثمرة لبناء المجتمع المسلم، على الإسلام عقيدة وشريعة، يتنافسون في طلبه لا يفتأون أو يملون، جعلها العرف مفتوحة أبوابها، وللعلم بأنواعه وأهله وأدواته متوافرة.

وكم أوتي الأندلس من العلماء، من كل أنحاء العالم الإسلامي، بل تستدعيهم وتكرمهم وتحسن استقبالهم، وقد يستقبلهم الأمير بنفسه، من أمثال أبي علي القالي اللغوي 356هـ (نفح الطيب ٧٠/٣- ٧٥)، ومحمد بن موسى الرازي المؤرخ ٢٧٣هـ (نفح ۱۱۱/۳)، وزرياب المغني ٠ ٢٣هـ (نفح ١٢٢/٣ - ١٣٣) وكان أقل الكرم المال يغدقونه عليهم. يعقدون لهم الدروس ويفسحون المجالس، يقترحون عليهم الموضوعات يحثونهم على التأليف فيها. فخير الغنائم هو العلم وأنفق الأسواق أسواقه، والأمراء أنفسهم كانوا من العلماء والأدباء والشعراء يجيدون فنونه كفنون الحرب. يحمون العلماء، مما قد ينالهم ويعكر عليهم صفو أجوائهم، أو مما قد يقترفه أحد من أذية لهم. أو من التحريض أو التشويش عليهم، أو رميهم بتقول أو اتهام أو تحرش. كل ذلك جرى في وقت جد مبكر.

دراسته وتعليمه المتنوع، الذي يحيا في هذا الجو لا بد أن تكون له من الدوافع الذاتية المتنامية، تجعله يسرع لارتياد مواقع المعرفة أبواب التنافس فيها مفتوحة تظهر الطاقات وتنمو المؤهلات، وتتسع المدارك كل بما آتاه الله سبحانه وتعالى من الفهم والإدراك والذكاء. الذي لم يحرم منه أحدا ابتداء، ثم يتولى هذا المجتمع النهوض به في علوم تقدم للإنسان نفعا، وتمتنع عن أذاه.

وأساس التعليم للجميع هو التعليم الشرعي، ثم يكون التخصص بما تقود إليه الميول المتنوعة والفروق الفردية، والنوعية الذاتية والأبواب ليست مفتوحة فحسب، بل تشجع وتنادي الجميع والاستجابة متوفرة كلها محفوفة بالبناء الشرعي، مما يجعل التعلق بها قائماً لا ينام ولا يتخلف أو يسام.

في هذا الجو تعلم وفهم وتقدم عباس بن فرناس. وكغيره سار في سلم التعليم المعهود. درب يسلكه الجميع رجالاً ونساء منذ نعومة الأظفار. درس القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه وعلوم اللغة والأدب والشعر، ثم واصل دراساته الأخرى بحضور حلقات العلم ومجالس العلماء، سيما في الجامعة القرطبية العتيدة الرشيدة. مسجد قرطبة الجامع، حلقاته خلايا نحل، لا تفتر مجالسها في كافة التخصصات الشرعية والبحثة والاجتماعية.

كان ابن فرناس كذلك يتواصل مع أهل الصناعات الدقيقة وأهل الآلات الموسيقية والألحان والعلوم المتنوعة. كما درس ما يتعلق بالأحجار والأعشاب والنباتات. وصل إلى مراتب عالية مرموقة، غدا نجماً لامعا في المجتمع الأندلسي في وفرة من حقول المعرفة، حيث كانت مبتكراته.

حاز قصب السبق بين أهله وخاصته وميادينه، كان متقدماً متصدرا فيها غدا أعجوبة الزمان شامخ البنيان، مشارا إليه بالبنان. حتى لقد وصفه أكبر مؤرخ أندلسي بأجمل النعوت. حفظ هذا المؤرخ الثقة الثبت المتقدم جل - إن لم يكن كل - أخبار ابن فرناس منه نقل الآخرون. وقد ظهر من كتابه أخيرا الجزء (السفر) الثاني (بقسميه) الذي كنا نبغ - الجزء الذي يحتوي الكثير من الجديد - مع القديم المعروف، نقلاً واعتماداً عليه توثيقاً - من أخبار عباس بن فرناس ذلك هو ابن حيان القرطبي (٤٦٩ هـ - ١٠٧٦م) وكتابه المقتبس في أخبار بلد الأندلس، ذو الأسفار (الأجزاء) العشرة (المفقود أكثرها). ظهر القسم الثاني من السفر الثاني أولاً، وبعده قريبا ظهر القسم الأول، كان الجميع يتمنى ظهوره والحمد لله.

ومما جاء في وصف ابن فرناس شاعراً، أنه فحلهم الخنديد. (الخنديد من الشعراء الشاعر المجيد الوافر المجد المنقح) والحكيم الشاعر وكبير الجماعة المقتبس ۲۸۳۲۲۷/۲/۲ ۳۳۸). كذلك، وفي عصر الأمير الحكم نجم (ظهر) عباس بن فرناس حكيم الأندلس الزائد على جماعة علمائهم، بكثرة الأدوات والفنون.. المقتبس ٢٣٨/٢/١ كذلك، نفح الطيب ٣٧٤/٣).

الرابط المختصر :