; مع رواية الثعابين- تأليف: عبد الله عيسى السلامة | مجلة المجتمع

العنوان مع رواية الثعابين- تأليف: عبد الله عيسى السلامة

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989

مشاهدات 86

نشر في العدد 910

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 28-مارس-1989

لقد ذكرتني هذه الرواية بالقصة المترجمة باسم «مزرعة الحيوانات» لكاتبها «جورج أرول»، ولا يعني هذا مطلقًا أن تكون لهذه القصة تأثيرها على كاتب روايتنا الجديدة، ولكن طرافة الأسلوب، ونوع الطريقة هو الذي جعلني أتذكر تلك القصة وأقارن بينهما.

فكما أن كاتب «مزرعة الحيوانات» أراد أن يصور الصراع السياسي والفكري والعقائدي في روسيا قبل الثورة الشيوعية في عام ۱۹۱۷ وبعدها، فكذلك أراد كاتب رواية «الثعابين» أن يصور الصراعات السياسية والفكرية والعقائدية في دول العالم الثالث «في إفريقيا أو آسيا».

وكذلك لا يعني هذا التشابه في الغاية تطابقًا أو تقاربًا في الخطوط الأساسية لموضوعي الروايتين، فلكل منهما ميزتها الخاصة.

ويبدو في القصتين أو الروايتين أن هناك تشابهًا في إطلاق الرموز الموحية على أبطال القصة، فالكاتب في قصة مزرعة الحيوانات يستخدم أسماء الحيوانات «الخنزير والحصان والحمار والقطط والدجاج و...» لتمثل الشخصيات التي تصارعت في الحكم الشيوعي، وكذلك كاتب رواية الثعابين يطلق أسماء مستوحاة من أسماء الحيوانات، وفي الغالب على أبطال روايته.

والدولة في نظر مزرعة الحيوانات تشبه هذه المزرعة، بل هذه نظرة الشيوعيين إلى الدولة أيضًا، حيث إنهم ينظرون إليها بمنظار الإنتاج والاستثمار بعيدًا عن المعاني الإنسانية والفكرية والروحية والاجتماعية، فهي موطن انتفاع مادي ورؤية قاصرة على الإنتاج وما يتبعه من مكاسب مادية فقط، والإنسان رقم وسط هذا «الكم» الكبير الذي هو الناس. 

ولهذا كانت البلاد مزرعة، بما فيها من حشائش وأشجار وثمار وزروع وحيوانات، والحاكم هو صاحب المزرعة المتميز، صاحب الإرث التاريخي الكبير «القيصر» والذي ثارت عليه الحيوانات، لتحل محله وتدير المزرعة بنفسها.

ويصف الكاتب كيف تآمرت الحيوانات «طبقات الشعب» وعلى رأسها فئة الخنازير ثم الخيول.. على صاحب المزرعة مدفوعة بشهوة الاستئثار بالطعام من دون صاحب المزرعة والاستيلاء على خيرات المزرعة والتصرف بها كما تريد.

وهكذا تصبح شهوة المعدة فكرة سياسية، وعقيدة اجتماعية، ومذهبًا فكريًّا في الحياة.

  • صراعات بالرموز!

وكذلك نرى كاتب رواية «الثعابين» يصور من خلال أبطاله أصحاب الأسماء والرموز الحيوانية، يصور الصراعات السياسية والفكرية في البلاد العربية والإسلامية، أو في البلاد التي تنتمي إلى دول العالم الثالث.

فالحاكم يرى أن الشعب أقل منزلة من ثعابينه وأفاعيه المدللة لذلك يقول: «قد تستغرب يا دكتور إن قلت لك: إنني أثق بهذه المخلوقات العجماء أكثر مما أثق بأي إنسان».

وكذلك يصرخ في وجوه الحارس والمروض والمشرف على الطعام قائلًا: «أسمعتم يا كلاب؟ أما خطر في بالكم أن ريش الهدهد ومخالبه ومنقاره القاسي يمكن أن تؤذي بلعومها أو معدتها أو أمعاءها الطرية الناعمة.. خذوا يا أنذال.. خذوا..» وانهال ضربًا بالكرباج على ظهورهم بعنف ونزق «ص١١٦».

وهذا يعطي صورة لانعدام ثقة الحاكم بشعبه، والصورة التي ينظر فيها للناس، ولهذا يتصرف على هذا المنوال ما دام الناس في نظره أقل قيمة من الحيوانات، ولا يصلون عنده إلى منزلة العجماوات، فكيف يمكن أن يمنحهم ثقته أو يهتم بأمورهم؟ وكيف ستكون ردود الفعل من هؤلاء الناس نحو هذا الحاكم؟

والكاتب يلقب جميع أبطاله بألقاب أو صفات حيوانية ابتداء من عنوان الرواية المنسوبة إلى الثعابين «الثعابيني»، ثم «حواس الأرقط» و«قبيلة التماسيح» و«عشيرة القنافذ» و«قبيلة الزنابير» «وعنز الذرة» و«زيدان الفاتك» و«الكركدن» و«النمر» إلخ. 

فضلًا عن الرمز إلى مسرح الأحداث باسم «وادي النعيم» الذي يشبه «مزرعة الحيوانات»، وكلاهما يعكس نظرة الحاكم إلى الدولة والحكم، فهناك المنفعة والاستغلال، وهنا التنعم والإفساد. 

وكلا الكاتبين يحاول أن يسقط صفات الحيوانات التي يرمز بها إلى أبطاله «المكر، والدهاء، والوحشية، وعدم الرحمة، وطرق اقتناص الصيد والانقضاض على الفريسة، واستغلال بعض المزايا الجسدية أو غيرها».

وكلتا الروايتين تعالجان مسألة سياسية وتتداخل فيهما عناصر متعارضة تجمعها المصلحة والمنفعة، ثم تتصارع على الفريسة، تبدو في الظاهر أنها تلتقي على هدف واحد، فتكشف الأحداث والحقيقة أنها تتآمر، وتمكر كل منها للأخرى، وينهش كل واحد لحم الآخر وعرضه.

  • ماذا يريد كاتب الرواية؟

ولا بد من التساؤل: ماذا يريد كاتبنا من روايته؟

لقد استعرض كاتبنا بنجاح صور الصراع السياسي والتآمر الدولي ولعبة صراع النفوذ في البلدان المتخلفة، في بلداننا وبلدان العالم الثالث، والتي غدت المصلحة الخاصة ورؤية الحاكم هي القانون، وهي العقيدة المفروضة على المحكومين.

ومن خلال هذه الرموز الطريفة استطاع أن يجعل القارئ بعيدًا عن تحديد مكان ما لمسرح الأحداث؛ فقد يكون هنا أو هناك أو هنالك، لا تهم التسميات بقدر ما تهم ملامح الصورة وتفاصيلها تنطبق على واقع ما عاد ليحس بأن بعض هذه الملامح تبعد هذا الحدس وتقربه من مكان آخر وواقع آخر.

وهي ميزة جيدة لهذه الرواية عندما يصبح الرمز ذا دلالات واسعة، لا تمنعه دلالته الخاصة وإيماؤه لذات معينة عن أن يدل على أشكال أخرى وذوات أخرى مشابهة أو متقاربة، وبذلك تخرج الرواية عن كونها تسجيلًا لأحداث وقعت في حيز محدد ومحصورة في حيز ما أو تخص منطقة ما.

وكذلك استطاع الكاتب أن يصور اللعبة التي تمارسها الدول الكبرى في مناطق العالم الثالث، فتحرك الأتباع، وتدفع بالقوى العسكرية والسياسية وتستخدم المغامرين لتغيير الأوضاع لتتلاءم مع سياساتهم الجديدة، وتبرز أشكالًا مصطنعة من المجالس والحكومات والقوانين، تغير الألوان وتجمع بين المتناقضات: تجمع القومي مع الأممي، والماركسي مع الرأسمالي، والمتدين مع الملحد، وتحرك الأحداث والأشخاص من وراء ستار، وتمارس هذه اللعبة، والناس في غفلة تبهرهم المظاهر والأحداث.

  • الإسلاميون والسياسة

وكذلك يحرص الكاتب -وربما كان فريدًا وسباقًا في هذا- على تصوير جانب من تجربة الإسلاميين في الأحداث السياسية ومشاركتهم في بعض المراحل، واستطاع أن يلقي بعض الضوء على جوانب من الأخطاء والسلبيات لدى المجموعات الإسلامية المختلفة، بدءًا من أخطار الأفراد إلى أخطاء الجماعات، بل إن تأكيده على ذكر عدد من المجموعات وليس مجموعة واحدة لدليل على هذه الأخطاء، وعلى القصور في تصور العمل والدعوة عند هذه المجموعات؛ إذ لم تستطع أن تكون لها أهداف واحدة وكتلة واحدة إزاء الأحداث؛ مع أنها جميعًا ترفع راية الإسلام والدعوة، ولهذا كانت وقودًا سهلًا وسط الأحداث، وصيدًا سهلًا للأعداء.

إن عجز المجموعات الإسلامية عن تحديد برنامج واضح، ورؤية واحدة للأحداث والعمل يحمل في طياته صورة السلبيات المخيفة التي تنخر في جسمها، وتؤكد على وجود التناقضات والصراعات، والتي تتمثل في نسيان الهدف الأساسي للمسلم في الحياة، والبعد عن الغاية الأساسية وإيثار الولاء للأشخاص، وطغيان التفكير السياسي على التفكير العقدي، وتقديم المصالح الخاصة على مصلحة الأمة ومصلحة الدين، والوقوع في مصايد الآخرين باسم السياسة والمرحلية و...

لهذا اختلفت مواقف هذه المجموعات وتباينت وتباعدت وتمزقت حتى أصبحت تقف متعارضة ومتباعدة أكثر من تباعد الواحدة عن أي حزب علماني آخر. 

إن هذه الصورة التي برزت من خلال الرواية وأحداثها وأبطالها يجعلنا نقترب من الجواب على السؤال الذي طرحناه في بداية هذه الفقرة. 

- ولعل الكاتب يريد أن يصور تجربة الإسلاميين السياسية بكل سلبياتها وإيجابياتها وسط الأحداث وبين الجماعات والأحزاب المتناقضة، ليرى القارئ مدى البعد والقرب والخطأ والصواب وطبيعة هذه العلاقات.

- ولعله يريد أن يرينا نماذج من القيادات الإسلامية وهي تمسك زمام الأمور وتحتل هذه الأماكن، فندرك مدى الضعف والقوة، مدى الخطأ والانحراف، أو الصواب والاستقامة، ولنعرف الخطر الحقيقي حول هذه الجماعات ونرى صورًا معينة من الانحرافات.

- ولعله يريد أن يبرز حجم الإسلاميين ومدى فاعليتهم بين الفئات الأخرى.

- ولعله يريد أن يوضح أبعاد اللعبة السياسية التي ترتبط بثوابت ومتحركات عديدة، وترتبط بخطوط مشدودة إلى مراكز مختلفة والشروط اللازمة لمن يريد أن يشترك بهذه اللعبة والصفات الضرورية للاعبين والمشتركين فيها.

- ولعله.. ولعله.. كل ذلك وارد في نظري، وهذا سر نجاح الرواية، وسبب ثرائها، وامتداد آفاقها التي يريدها الكاتب.

  • أسلوب مشرق

والكاتب الفاضل -الذي نعرفه شاعرًا فنانًا أصيلًا- لديه من الموهبة ما يجعل القارئ مشدودًا إلى أسلوبه في الشعر والرواية وإلى صوره وأفكاره، وإلى طبعه الشاعري وموهبته الفطرية التي تتميز بالسلاسة والعفوية والعمق في الرواية، ونراه أحيانًا يستغرق في الصورة ليحيط بأطرافها، ويجوس مع القارئ كل حدودها ومنحنياتها ومفارزها، قبل أن يعود ليكمل الفكرة التي أرادها، فيبتعد أحيانًا في هذا الإمعان حتى تفتر حركة الأحداث، وربما تكاد تسكن أحيانًا إزاء وقفاته أمام شرح الصورة المبتكرة، أو تشبيهاته الطريفة ولا سيما حينما ترتبط هذه الأمور بصور السلوك أو التفكير عند أبطاله الذين أطلق عليهم رموز الحيوانات.

وكذلك فإن الكاتب أعطى التحليل النفسي قدرًا لا بأس به من اهتمامه، فكان بعد كل حدث يغوص في أعماق الشخصية فيحلل تصرفاتها ويكشف بأضوائه ما يدور في داخلها، فتبدو الخريطة المتناقضة لهذه النفوس الآدمية التي تلعب بمصائر الناس.

وقد يلجأ إلى تداعي الأفكار والخواطر ليكشف عن بواطن الشخصية فتبوح بما في النفس، وتوضح الصورة. وحركة الأحداث كانت حركة داخلية أكثر منها خارجية تميل إلى الهدوء في كثير من الأحيان، وتكاد تتوقف أحيانًا كما أسلفنا؛ إما لاستغراق الكاتب في استجلاء صورة من الصور حتى تبدو قطعة أدبية فنية، وإما للغوص في تحليلاته التي غدت سمة بارزة عند الكاتب.

وليس صعبًا على الكاتب أن يوازن بين حركة الأحداث وبين التحليلات والصور الكثيرة حتى لا تتحول الرواية في بعض فصولها إلى تحليلات سياسية أو دراسة فكرية عن الصراعات السياسية، أو منشورات حزبية في مناسبات معينة. 

وأسلوب الكاتب -لا شك- أسلوب مشرق يأسر قارئه بسلاسته ووضوحه وقوته، ويعجبك بصوره وطرافته، ويقنعك بأن صاحبه فنان موهوب لم يدخل ساحة القصة متطفلًا أو مغامرًا، وإنما دخل هذه الساحة قادرًا موهوبًا، وإن كانت هذه أول قصة له.

  • الخطأ في الصورة:

وبقي أن نقول لكاتبنا الفاضل بأن تصويره للإسلاميين في الجانبين السلبي والإيجابي كان منصبًّا على التجربة السياسية والاهتمام السيادي الذي برزت به الحركات الإسلامية في السنوات العشر السابقة، ولكن هذه الصورة تكشف عن أخطاء في هذا الجانب أولًا، وأخطاء في حصر اهتمامهم في السياسة والحكم وما يتعلق بهما من أمور، وإغفال الجوانب الكثيرة التي ينبغي أن تكون موضع اهتمام الجماعات الإسلامية، مثل الجوانب الاجتماعية والتربوية وجانب الدعوة واستمرارها، وتطوير أساليبها في مختلف الحقول والاختصاصات وقطاعات الناس والجوانب الاقتصادية... إلخ، وهي جوانب تشمل الحياة والمجتمع، وأطراف الحياة جميعها، وحينها تبدو السياسة جانبًا لا يستهلك كل الطاقات، ولا يحرق في أتونه الجماعات، ويكفي له أن يكون موضع اهتمام محدد ضمن برنامج واضح، لا ينظر إلى السياسة من كوة كراسي الحكم، والوصول إلى السلطة، وإنما ينظر إليها من خلال ارتباطها بأهداف الدعوة وتحقيق وصول الإسلام لجميع الناس، وإقبالهم عليه بالتطبيق والعمل، وحتى لا تكون الغاية انتقال الإسلاميين -الزعماء- إلى الحكم؛ بل انتقال الحكام إلى الإسلام. نعم.. ينبغي أن تكون السياسة لونًا من ألوان الدعوة التي تنظر إلى الحياة من أفق الشروق الذي يضيء جوانب الأرض: الذرى والمهاد والوديان وأعالي الجبال، وذرى الأشجار، وبين الأوراق، وفي طعم الثمار، وفي بطن الثرى، حتى يصل النور إلى الأعماق ويكون في أعالي السماء.. فنرى أن انتصار الإسلام ونجاح السياسة بانتقال المجتمع والحكام إلى الإسلام؛ لا انتقال الإسلاميين إلى كراسي الحكام.

ومهما يكن فلقد أضاف الكاتب الفاضل بروايته تجربة جديدة وناجحة تتميز بالطرافة والأصالة معًا إلى مسار الأدب الإسلامي.

الرابط المختصر :