العنوان وفي الخطاب الرابع: بشار يُطلق النار على نفسه!
الكاتب فادي شامية
تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012
مشاهدات 48
نشر في العدد 1986
نشر في الصفحة 28
الجمعة 20-يناير-2012
* دفع تعريف «بشار للعروبة» والذي مسح فيه الهوية الثقافية والحضارية للأكراد إلى تحرك الشارع الكردي بشكل أوسع
* «بشار» المضطرب: مستعد للحوار مع الجميع في الخارج أو الذين ارتبطوا بأحداث الثمانينيات قاصدًا «الإخوان المسلمين»... وفي نهاية خطابه سمى الإخوان بـ «إخوان الشياطين»!
كمن يطلق النار على نفسه : ألقى «بشار الأسد» خطابه الرابع بعد اندلاع الثورة السورية، فبدا فيه مهزوزا، متوترًا، متناقضًا ، ومصابًا بمرض نكران الواقع .. لدرجة قادته إلى الضحك مرات عدة.. فضلًا عن الحديث عن إنتاج الزيتون في بلد ينزف إلى حد الموت خطابه في جامعة دمشق لا يشبه البتة خطاب الرؤساء، بما في ذلك الذين سبقوه على طريق السقوط، عدا خطاب «معمر القذافي»، الذي تشابه وإياه في أمور كثيرة « التفريق بين المنصب والمسؤولية على سبيل المثال».
محاولة إظهار نفسه كأبيه في القوة والرصانة، دفعته إلى الخروج عن النص المكتوب في فقرات كثيرة محاولا تبرير قرارات اتخذها كالعفو عن البعض باعتبار أن الدولة القوية هي الدولة التي تعرف كيف تعفو»، وصولا إلى إكثاره ذكر ما قالوا عنه ورأيه هو، والغرق في« قالوا وقلنا» لدرجة أنه أخبرنا بأنه سيقتن على نفسه شرب الماء، حتى لا يقولوا : إنه متوتر وهذا النوع من الكلام أبعده أكثر وأكثر عن الرصانة.
مهاجمة جامعة الدول العربية
بالانتقال إلى المضمون: يظهر بشكل أوضح كيف أعلن الرئيس «الأسد» إفلاسه، فيما كان يحاول إعلان انتصاره، فلم يكن« بشار الأسد» مضطرا إلى مهاجمة جامعة الدول العربية إلى حد وصفها بـ«المستعربة»، لا سيما بعد البيان الوزاري الأخير الصادر عن الجامعة والذي أعطى لنظامه فرصة جديدة بل راح أبعد من ذلك عندما اعتبر أن تجميد عضوية سورية في الجامعة هي خسارة للجامعة؛ لأن سورية قلب العروبة النابض «ناسبا الكلام إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر» والجامعة لا تستطيع أن تعيش دون قلب! مضيفا: «هم يعلقون عروبة الجامعة وليس عضوية سورية .. العروبة يمنحها التاريخ وليس منظمة، وهي شرف بالانتماء ولا علاقة لها ببعض المستعربين»... الأكثر استغرابا أن هذه المبالغة في احتكار العروبة يقابلها وقائع تجعل سورية تابعة لدولة غير عربية هي إيران ويأتي هذا الكلام، بعد فقدان النظام السوري أي صلة إيجابية له بأمريكا وأوروبا « التي سبق أن شطبها وزير خارجيته عن الخارطة» ، وبعد مهاجمته الأمم المتحدة وإعلانه عدم اهتمامه لها، وكأنه أراد - من حيث لا يدري - إحراج من عمل داخل الجامعة العربية لصالحه بل التسهيل على الجامعة نفسها لإحالة الملف إلى مجلس الأمن.. اللافت أن «بشار» قال هذا الكلام كله، وقد افتتح خطابه بالقول: إنه ليس بصدد مهاجمة الجامعة العربية!
مهاجمة الدول العربية
لم يكتف «بشار الأسد» بمهاجمة العرب مجتمعين من خلال الجامعة، بل هاجمهم بالمفرق أيضا، موجها سهامه إلى الدول الخليجية أكثر من سواها، مستعملا عبارات من شأنها استثارة الشعور الوطني والقومي تجاهه، من قبيل: «أحيانا الدول العربية أكثر حقدا .. إذا كانوا ببعض المال يشترون جغرافيا من هنا وتاريخ من هناك فنقول لهم: إن المال لا يشتري أمما ولا يصنع حضارات.. نحن من أطعم الدول العربية في السنوات العجاف إن رد فعل أي مجتمع عربي - قبل حكامه – إزاء هذا الكلام، هو الضغط الفوري لاتخاذ ما هو كفيل بتسريع سقوط النظام.
وعلى خلاف سابقيه في السقوط الذين حاولوا استرضاء الشعب بالوعود حتى يهدأ، أطلق «بشار الأسد» نعوتا فظيعة على الثوار - متشابها في ذلك مع – «القذافي» - كما جاءت هذه المرة صريحة وبالجملة، فاستغرب أن يكون الثائر «سارقا، أو غدارا، أو جبانا، أو خائنا، أو ضد العلم، أو ضد الوحدة، وبلا شرف وبلا أخلاق أو دين، وصولا إلى اعتباره «المتظاهرين إرهابيين»: كل من يشارك بالفوضى الآن فهو شريك في الإرهاب كلام «بشار» كان بمثابة وقود مصبوب على نار مشتعلة ألهبت سورية كلها في المساء، وشجعت المزيد من السوريين على الخروج ومواصلة التظاهر حتى إسقاط النظام.
لم يكتف «الأسد» بذلك، ففي معرض« تفلسفه» قدم تعريفا غريبا للعروبة، مسح فيه الهوية الثقافية والحضارية للأكراد، وهم مكون كبير في الشعب السوري، على اعتبار أن العروبة لا علاقة لها بالعرق، فصارت الأقليات العرقية في سورية عربية بالقوة، الأمر الذي زاد من تحرك الشارع الكردي كما باقي الأقليات العرقية.
وفي موقف متناقض أيضا أعلن «الأسد» أن الحكومات في سورية متنوعة أصلا، ولكنه مستعد للحوار مع الجميع بمن في ذلك الذين هم في الخارج، أو الذين ارتبطوا بأحداث الثمانينيات قاصدا الإخوان المسلمين، لكنه ما لبث أن سمى في نهاية الخطاب الإخوان بـ «إخوان الشياطين» هذا دون أن نتوقف أمام تداعيات شتم حركة عالمية قادرة على تحريك الشوارع العربية ولديها إمكانات مؤسسية هائلة، وصارت في الحكم في غير بلد مجاور لسورية.
مهاجمة الإعلام
انطلق «بشار الأسد» من أن رئيس بعثة مراقبي الجامعة محمد الدابي الذي عين بالاتفاق معه على أمل حل الأزمة - رغم أن تاريخه الأمني وعلاقته بمجازر دارفور لا تؤهله المهمة أساسها حقوق الإنسان - قد ساوى في تقريره الأولي بين الجلاد والضحية، واستنادا إلى ذلك قال «الأسد»: «لم يعد التآمر الخارجي مخفيا على أحد، ولم يعد الخداع ينطلي على أحد»، لكن برغم ذلك فقد اتهم وسائل الإعلام العالمية المشهود لها بالموضوعية، بأنها جزء من المؤامرة، بدليل أنها - كلها – كانت تتنقل بحرية، فأتقنوا التزوير والفبركة فضبطنا الموضوع لنضبط نوعية التزوير موقف كهذا يعطي مصداقية أكبر للمشاهد التي توردها التنسيقيات في الداخل القنوات العالم كلها، علما أن تنسيقيات الداخل باتت تمتلك جيشا من الإعلاميين المصورين والمذيعين من صنف «مراسلي الحرب»، وقد طور هؤلاء قدراتهم إلى درجة البث المباشر حتى أنهم باتوا هم من يوثق نشاط المراقبين بدل أن يوثق المراقبون حركتهم.. ومن يتابع مواقع الثورة السورية يدرك هذه الحقيقة جيدًا.
مهاجمة أي تسوية
التسوية هي الضحية الأكبر في خطاب «الأسد»، فهو لم يرفض المبادرة العربية فحسب «بعد أن فصل مهمة المراقبين عن المبادرة» وإنما أكد أن ما يجري في سورية هو إرهاب وبمفعول رجعي أيضا لا علاقة للأزمة بالإصلاح وكان هذا رأيي من الأساس... وأكثر من ذلك، فقد أطلق «الأسد» النار على سيناريوهات راجت مؤخرا من قبل شخصيات وقوى قريبة من نظامه، حول تشكيل حكومة «وحدة وطنية».. «الأسد» رفض هذه التسمية ابتداء، ثم غرق في تفصيلات لا علاقة لها بالواقع، من بينها تساؤله عن الأفضل للخروج من الأزمة الدستور الجديد أم الانتخابات؟ في حين أن الطرح لدى الثوار يقوم على أساس رحيل «الأسد» نفسه ونظامه كله، حتى يتحقق الإصلاح.
في الواقع شكل الاستماع إلى خطاب «بشار الأسد» بحد ذاته عقوبة إضافية على الشعب السوري الثائر والمتعاطفين معه حول العالم، لكن هذه العقوبة لها ما يقابلها، فقد سدد «الأسد» ضربات قوية في ملعبه، وهو يظن أنه يعلن ما يشبه النصر على الثوار.. وفي قادمات الأيام لا بد أن تظهر الآثار السلبية القوية لخطاب «بشار» على «نظام بشار» نفسه!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل