; سباق المبادرات على العالم العربي! | مجلة المجتمع

العنوان سباق المبادرات على العالم العربي!

الكاتب محمد جمال عرفه

تاريخ النشر السبت 13-مارس-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1592

نشر في الصفحة 18

السبت 13-مارس-2004

منذ أن طرحت الإدارة الأمريكية مبادرة الرئيس بوش للإصلاح في الشرق الأوسط تحت عنوان (الشرق الأوسط الكبير)، وهناك موجة من المبادرات لإصلاح العالم العربي أو منطقة الشرق الأوسط الكبير، بعضها صدر من أطراف أوروبية (مبادرة ألمانية – فرنسية) وأخرى صدرت من أطراف عربية (مبادرة مصرية وأخرى أردنية).

كما صدرت مبادرات أخرى ذات صلة بالوضع العربي عمومًا، مثل مبادرة تطوير العمل العربي المشترك التي قدمتها سبع دول، وهناك مبادرة الرئيس حسني مبارك للإصلاح التي ستناقشها قمة تونس القادمة بجوار مبادرة أردنية أخرى، ثم مبادرة الإخوان المسلمين للإصلاح السياسي في مصر كأول مبادرة شعبية عربية تؤكد وطنية الإصلاح العربي ورفض التدخل الأجنبي.

وقد دخلت الدول الأوروبية على الخط، وبدأت تدلي بمبادرات (مكملة) للمبادرة الأمريكية تتلافي عيوب الأخيرة، وتسترضي العرب والمسلمين، ومنها المبادرة الألمانية الفرنسية، وتعتزم الولايات المتحدة طرح مبادرتها على مجموعة الدول الصناعية الثماني خلال قمة هذه الدول في سي أيلاند بولاية جورجيا الأمريكية وقمة حلف شمال الأطلسي في شهر يونيو ٢٠٠٤. 

وتتلخص مبادرة إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش في نشر الديمقراطية في العالم العربي على غرار معاهدات هلسنكي لعام 1975 التي ضغطت من أجل نشر الحريات في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية عبر خطط سياسية واقتصادية، ويطلق على المشروع الأمريكي اسم مبادرة الشرق الأوسط الكبير، ويشمل المنطقة الممتدة جغرافيًّا من موريتانيا غربًا إلى أفغانستان شرقًا.

وتتركز مبادرة واشنطن على عدة محاور أبرزها:

تنشيط آليات مواجهة البطالة بوصفها أزمة آخذة في التفاقم بدول المنطقة، وتهدد استقرارها ومصالح الدول الصناعية الكبرى معها، وتدعو المبادرة في هذا الصدد إلى تدعيم عملية الإصلاح عن طريق قيام علاقة مشاركة طويلة الأجل مع دول المنطقة.

إعطاء جهود التحول الاقتصادي والاجتماعي وخطط الحد من العجز المالي في ميزانيات دول الشرق الأوسط الأولوية، دون إغفال عملية الإصلاح الديمقراطي ونظم الحكم القائمة.

توفير الدعم والتمويل اللازمين لعمل المنظمات غير الحكومية، وتزويد هذه المنظمات والمؤسسات الشعبية بالمساعدات الفنية اللازمة للاضطلاع بمهامها، خاصة في مجال الاستجابة لشكاوى مجتمعات المنطقة.

تشكيل تجمعات من القانونيين وخبراء التشريع والإعلاميين من دعاة الإصلاح، على أن تتولى هذه التجمعات نشر بيانات سنوية عن تطور مسيرة الإصلاح.

توفير الدعم المادي والفني لعملية تسجيل الناخبين، وتأسيس مراكز مدنية للدفاع عن الحقوق العامة، والعمل على إلحاق هذه المراكز بكليات الحقوق في جامعات دول المنطقة، وإصلاح التشريعات القانونية المعمول بها، ووضع قوانين جديدة بما يتفق مع الإصلاحات المرجو إعمالها.

تشجيع جهود قيام مؤسسات صحفية مستقلة وتدريب الصحفيين فيها على التكنولوجيا الحديثة.

محاربة الفساد والتركيز على ضمان الشفافية في السياسات العامة.

حث حكومات المنطقة على السماح بعمل المؤسسات المستقلة وتجنب فرض قيود عليها أو التدخل في شؤونها..

تحرير السياسات الاقتصادية بما يحد من سيطرة الحكومات على النشاط الاقتصادي، وإلغاء القيود على المعاملات المصرفية، وتحرير الخدمات المالية التي تقوم بها، وإزالة أي قيود على الأنشطة التجارية.

أما المبادرة الأوروبية (الألمانية- الفرنسية) المسماة: (شراكة استراتيجية لمستقبل مشترك مع الشرق الأوسط) فتتلخص في:

ضرورة إيجاد حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي بدونه ستكون الفرص ضئيلة لحل مشكلات أخرى في الشرق الأوسط تماشيًا مع الاستراتيجية الأمنية للاتحاد الأوروبي التي اعتمدت في ديسمبر ۲۰۰۳م، حيث تنص المبادرة على أن تسوية النزاع العربي - الإسرائيلي تشكل أولوية استراتيجية لأوروبا، وفي غياب مثل هذا الحل لن تكون هناك أي فرصة لتسوية المشكلات الأخرى في الشرق الأوسط. ولهذا السبب فإنه من الضروري إعادة إطلاق نهج السلام في الشرق الأوسط بالتوازي. 

يجب على الاتحاد الأوروبي اعتماد نهج مختلف (لكن) مكمل لنهج الولايات المتحدة، وذلك من خلال العمل عبر مؤسساته وآلياته الخاصة. 

أي مبادرة حول الشرق الأوسط يجب أن تتجاوب مع حاجات وتطلعات المنطقة، يجب أن تأخذ في الاعتبار الشعور القومي وهوية كل بلد.

لا يوجد تعارض بين الإسلام والحداثة، ويجب أن نتحاشى فخ أي مقاربة شاملة تتجاهل الخصائص القومية، وتوصم الإسلام بأنه يتعارض مع الحداثة.

عدم التعامل (مثل المبادرة الأمريكية) مع الحكومات فحسب؛ بل كذلك مع المجتمعات المدنية، مع مراعاة واقع كل بلد قدر المستطاع. 

الدعوة لمبادئ الاتحاد الأوروبي مثل: ديموقراطية، وحقوق إنسان، ودولة قانون، وحرية إعلامية، وحكم جيد، وإصلاحات هيكلية في المجال الاقتصادي، وتطور اجتماعي خصوصًا في مجال التعليم والمساواة بين الرجل والمرأة.

الاختلافات بين المبادرة الأمريكية والأوروبية

وبشكل عام يمكن إدراج الملاحظات التالية على المبادرات الأمريكية والأوروبية:

  1. أن المبادرات الغربية كلها تستند إلى تقرير التنمية البشرية التابع للأمم المتحدة، والذي يتحدث عن حجم الفقر والتخلف الاقتصادي والتعليمي في العالم العربي، والذي يقول: إن حجم العاطلين عن العمل وغير المتعلمين والشباب المحروم من حقوقه السياسية يتزايد سنويًّا.

  2. أن المبادرة الأمريكية تركز على الإصلاح الداخلي في العالم العربي دون نظر لأسباب خارجية تستند إليها الحكومات لرفض الإصلاح، مثل الصراع العربي الصهيوني، والتدخل العسكري الأمريكي في المنطقة (احتلال العراق). وهو ما سعت المبادرة الأوروبية لتلافيه بتأكيد أهمية مناقشة الصراع العربي الصهيوني ضمن خطط الإصلاح للمنطقة. 

  3. المبادرة الأمريكية تتحدث بلغة فرض الأمر على دول الشرق الأوسط قسرًا، وبالمقابل تتحدث المبادرة الأوروبية عن أن أي مبادرة حول الشرق الأوسط يجب أن تتجاوب مع حاجات وتطلعات المنطقة. يجب أن نأخذ في الاعتبار الشعور القومي وهوية كل بلد.

  4. المبادرة الأمريكية تركز على التعامل مع المنظمات والهيئات الشعبية وغير الحكومية، أما الأوروبية فتجمع بين التعامل مع الحكومات ومع الجهات غير الحكومية معًا.

  5. انتقد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى المبادرات الغربية عمومًا، وأشار إلى مأخذين رئيسين على هذه المبادرات هما: أنها تتجاهل قضايا العرب الرئيسة؛ وهي الصراع العربي - الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، كما تتجاهل الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة.. في إشارة إلى الاحتلال الأمريكي - البريطاني للعراق.

التحفظات العربية على المبادرات الأجنبية

واللافت أنه سبق المبادرات الأمريكية والأوروبية طرح العديد من مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي مبادرات أهلية داخلية للإصلاح، وتحذيرات من فرض هذه الإصلاحات بأشكال مختلفة من قبل حكومات أجنبية ما لم تأت المبادرة من الداخل؛ بل إن من المحللين من رأوا أنه كان من الممكن أن تمر المبادرات التي توالت أخيرًا من الخارج حول الإصلاح في العالم العربي، دون أن تثير هذا القدر الهائل من الاهتمام والقلق لو أن بعض المبادرات العربية الداخلية نال من الجدية والاهتمام والرغبة المخلصة في الإصلاح ما نالته المبادرات القادمة من واشنطن وأوروبا؟

وبشكل عام لوحظ أن التحفظات العربية على المبادرات الخارجية الأجنبية كانت عديدة، وصدرت عن أكثر من عاصمة عربية، وتدور حول أن الإصلاح شأن داخلي يجب أن يأتي من خصوصية المجتمعات العربية وتراثها وثقافتها وتقاليدها، ولا يفرض عليها فرضًا طبقًا لما تريده القوى الأخرى وفقًا لمصالحها ومعتقداتها وأهوائها.

* معظم التحفظات العربية على المبادرات الخارجية مسكونة بالخوف من وصول الإسلاميين للحكم

كما استغرب قادة عرب فرض نمط موحد للإصلاح على عشرات الدول دون النظر للاختلافات الثقافية والدينية والتاريخية بين هذه الدول، وهو ما عبر عنه الرئيس المصري مبارك في حوار مع صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية: 5 فبراير - بقوله: أشعر بشيء غريب في الجو كيف تفرض تسوية واحدة جاهزة على منطقة بأسرها تمتد من موريتانيا إلى باكستان».

الإسلاميون عقبة الإصلاح!

أما أهم تحفظ عربي عبر عنه بوضوح الرئيس المصري، فكان التحذير من أن تطبيق الديمقراطية بالمعايير الغربية سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى وصول الإسلاميين للحكم، وفي هذا الصدد حذر الرئيس مبارك من تكرار تجربة الجزائر في العالم العربي، عندما جرى تسريع خطط الديمقراطية دون تخطيط مسبق، فوصل الإسلاميون للحكم، وانقلب عليهم الجيش وبدأت الفوضى، وقال: إذا لم تدرس خطة الإصلاح الأمريكية جيدًا بعناية قد تنزلق إلى دائرة من العنف والفوضى لن تؤثر علينا وحدنا، وحينها سيقضى على أي بارقة أمل لإقرار الديمقراطية في العالم العربي».

وسبق أن حذر الرئيس المصري من مسألة صعود الإسلاميين للحكم في حالة إجراء انتخابات حرة في أي عاصمة عربية وفقًا لمقال كتبه الصحفي الأمريكي يوسف مايكل إبراهيم يوم ٢٣ مارس ۲۰۰۳ في صحيفة واشنطن بوست حول الديمقراطية في العالم العربي عمومًا، ومصر خصوصًا، ونقل فيه عن الرئيس مبارك تحذيرات من أن الإخوان سيأتون إلى الحكم في أي انتخابات حرة ليس في مصر وحدها؛ بل في العديد من الدول العربية».

ويبدو أن الغرض من طرح الحكومات العربية مبادرات خاصة للإصلاح هو السعي للتوفيق بينها وبين المبادرات الغربية وإجهاض فرض خطط التغيير العربية، وشرح ما تراه هذه الحكومات من سلبيات في حالة تطبيق المبادرات الغربية بدون توافق مع الأنظمة العربية الحالية؛ خاصة فيما يتعلق بمسألة المخاوف من صعود أسهم الإسلاميين في أي انتخابات حرة دون تهيئة كافية للمجتمعات اجتماعيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا، ودون حسم المشكلات السياسية الدولية، مثل احتلال فلسطين والعراق التي يعتبرها بعض المحللين ورقة رابحة في أيدي الإسلاميين.

وبالمقابل، تدرك واشنطن معضلة الإسلاميين هذه، ولكنها لا ترى - وفق تصريحات المسؤولين أمريكيين - ما تراه الأنظمة العربية من أنهم يهددون اللعبة السياسية في حالة إشراكهم فيها.

وربما لهذا لوحظ أن المبادرة المصرية للإصلاح التي طرحت في 2004/3/11م، والمضادة للمشروع الأمريكي المسمى «الشرق الأوسط الكبير».. والمنتظر عرضها على القمة العربية لدى انعقادها في ٢٩ و۳۰ مارس ٢٠٠٤ بتونس ربطت بين الإصلاح السياسي في العالم العربي وبين الثقافة المحلية والمبادئ الدينية، وكذلك تحقيق العدل للفلسطينيين عن طريق إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

الرابط المختصر :