العنوان الشعر الإسلامي المعاصر يرسم صورة الحاكم الطاغية وأثره على أمته
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1979
مشاهدات 71
نشر في العدد 441
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 17-أبريل-1979
- الشاعر المسلم ما زال يعيش بين الأمل والثورة على الطغيان
المآسي التي مرت بالأمة الإسلامية مآسٍ متعددة الجوانب، كثيرة الأطراف، إلا أن هذا التعدد وهذه الكثرة كلها تعود إلى سبب أصيل واحد، ألا وهو انحراف الأمة عن شرعة السماء فذاقت الويلات، ومن الذي انحرف بها فأسقطها في مهاوي الذل والهوان؟ لعلنا إذا وجهنا هذا السؤال إلى الشعر، فإن الإجابة ستشير إلى ذلك الذي يحلو للشعراء الإسلاميين أن يطلقوا عليه الألقاب الشيطانية (طاغوت.. هبل.. فرعون... إلخ) هذه الألقاب التي تشير إلى الحاكم الفاسد المتصف بالظلم والكبر والعنجهية، ثم بالذل وبالخيانة أيضًا، ولا ريب في ثبوت هذه الصفات بمن يتخلى عن أمر الله ويترصد أوامر سادته الأغراب الاستعماريين، لينفذ بنودها بحذافيرها، ولقد كثرت القصائد الإسلامية التي تناولت مثل هذا الحاكم، فتارة يسميه الشعراء (طاغوتًا) وأخرى (هبلًا) وقد يرمز إليه بلفظ الدليل، كما فعل الأستاذ محمد منلا غزيل في قصيدته الشهيرة (الله والطاغوت)، حيث يعيد مأساة هذه الأمة وضياعها إلى ذلك الدليل الضائع، يقول:
تاه الدليل فلا تعجب إذا تاهوا
أو ضيع الركب أشباح وأشباه
تاه الدليل فلا تعجب إذا تركوا
قصد السبيل وحاولوا عن سجاياه
تاه الدليل فلا تعجب إذا انحرفوا
عن الصراط للات الشرك عزاه
صحيح، إن الأمة عندما نكبت بكل خائن وفاجر، ضاعت وتشتتت وتفرقت مزقًا وأشلاء، ومن هم هؤلاء الخونة؟ إنهم من أبناء الأمة نفسها، تدربوا على الخيانة ومارسوها وهم على كرسي الحكم، فنزلت النكبة على الأوطان فراحت تتخبط في ظلام رهيب، وقد أجاد الأستاذ الشهيد محمد محمود الزبيري تصوير واقع القيادات الخيانية وأثرها في تدمير الأمة فقال في ديوانه (صلاة الجحيم) من قصيدة (محنة الإسلام):
وانظر إلى الأوطان منكوبة
تخبط في الليل وفي رعبه
في كل أرض وطن موثق
يعيش في القيد وفي كربه
قد عقه الخارج من صلبه
وخانه النابت من تربه
قسوا عليه هم أهله
في محنة الدهر وفي خطبه
قد شاركوا الطاعم من لحمه
وساعدوا الغاصب في غصبه
يرتزق الخائن من بيعه
يسعى مع الساعي إلى صلبه
ويعلل الشاعر محمد محمود الزبيري وجود هؤلاء الحكام ويكشف سببه، مبينًا أن الاستعمار هو الذي انتقى هؤلاء الخونة العملاء ليكونوا حكامًا وقادة للأمة العربية والإسلامية أولئك الذين يتصفون بأبشع صفات الذل والجشع والارتزاق والخيانة، يقول الأستاذ الزبيري في كشف الحقيقة الاستعمارية لوجود العملاء، مشيرًا إلى أن قادة الدول الاستعمارية هم الذي انتدبوا هؤلاء المأجورين:
فأجمعوا أمرهم للغدر وانتدبوا
لكيدنا كل مأجور ومشبوه
واستكلبت ضدنا آلاف ألسنة
تسومنا كل تجريح وتشويه
من كل مرتزق لو نال رشوتنا
إنا لنا كل تبجيل وتنويه
وكل طاغية لو ترتضي معه
خيانة الشعب جاءتنا تهانيه
ويكشف الأستاذ يوسف العظم زيف هؤلاء الخونة العملاء وتزويرهم لحقائق الأمور ويضرب المثل بجمال عبد الناصر الذي صنع من نفسه أسطورة حاول أن يقنع الأمة من خلالها أنه هو البطل الأسطوري المنقذ. إلا أن العظم يكشف حقيقة هذا الرجل المزيف وأمثاله فيقول:
أيها السادة الكبار سلامًا
قد قتلتم في كل نفس سلاما
مذ بنيتم عشرين عامًا حصونا
من رمال تبددت أوهاما
وصنعتم مجدًا من الزيف زورًا
فأماطت عنه الليالي اللئاما
وإذا كان عبد الناصر أصم آذان الناس فيما بعد بكذبه وتدجيله- وخرافاته المكشوفة، فإن الشام قد بليت بثلة من الكفرة المحتالين الذين أضروا بدين الناس ودنياهم، وعلى رأس هؤلاء النصراني الصليبي الحاقد مؤسس حزب البعث، وفي ديوان أغاني المعركة كتب الأستاذ وليد الأعظمي قصيدة (ذكر ونسيان) كشف فيها هؤلاء بقوله:
ولا تسل عن دمشق الشام ما لقيت
مما يدبر (ميشيل) و(عمران)
قد مسها الضر مذ هدت مساجدها
عصابة هزها حقد وطغيان
أوامر الكفر من ميشيل نافذة
ليختفي عمر منها ومروان
وتأخذ صورة الحاكم الظالم إطارها المحدد المناسب في أبيات كتبها الشهيد سيد قطب رحمه الله تحت عنوان (هبل هبل) وصف فيها عودة الشخصية السخيفة إلى حكم الناس وسياستهم والبغي عليهم، ونختار منها هذا المقطع:
هبل.. هبل.. رمز السخافة والدجل
من بعد ما اندثرت على أيدي الأباة
عادت إلينا اليوم في ثوب الطغاة
تتنشق البخور تحرقه أساطير النفاق
من قيدت بالأسر في قيد الخنا والارتزاق
وثن يقود جموعهم.. يا للخجل
هذه صورة شاخصة للشخصية الانتهازية الحاكمة، تلك التي أسرت للفجور والخنا والرشوة والارتزاق، ومع ذلك فقد أهَّلها الاستعمار لقيادة الشعوب والتحكم بمصائرهم؛ الأمر الذي يثير المسلم العاقل للبحث عن حل لقضية هذا الحاكم الخائن المخادع.
ومن الحلول ما يطرحه الشعراء الإسلاميون على شباب الأمة من تحذيرات تتناول عقولهم بالتنبيه والتوعية كما فعل الأستاذ يوسف العظم في قصيدته «خدريهم يا كوكب الشرق» حيث حذر الشباب من الوقوع في شراك الطغيان وطريقه، يقول:
يا شباب الإسلام يا عدة النصر ..
فداء وتضحيات جساما
حاذروا شرعة الطغاة طريقا
وارفضوا الذل والهوان مقاما
وإذا كان البغي والطغيان قد ملأ الدنيا كما يرى الأستاذ عبد الله عيسى السلامة بقوله:
وكتائب الطغيان تفترس الورى
ضربًا بحد الصارم البتار
فإن الدكتور عماد الدين خليل يترقب انبثاق النور من وسط ظلمة الطغيان والبغي، بل إن الانفراج سيكون من قلب العذاب، يقول وقلبه معلق بين الألم والأمل:
بأيدي البغي تنفجر المآسي
وتنتشر المجاذر واللحود
وظلم الظالمين طغى فأبشر
فما ألم ستنفجر الرعود
ويعبر الأستاذ محمد منلا غزيل على الانعتاق من ربقة الطاغوت فهو الكيد والمكر والخديعة. ولن يكون ذلك إلا بالانقلاب عليه:
إن العدو هو الطاغوت فانعتقي
من كيد إبليس إن المكر إياه
ومهما يكن من صلف الحاكم المتجبر الخائن، فإن عزة المسلم تأبى الانصياع له، وهيهات هيهات أن تقبل عزة المسلم الركوع على أعتاب الخونة الآثمين، ومن هنا تصدر أبيات الشيخ محمد المجذوب، إنه يقول مستنكرًا:
أنسلم للباغي الغشوم رقابنا
على غير شيء غير أن تتمتعوا
ولو قد فعلنا فاضطررنا بعطفكم
إذا لم ترونا للطواغيت نركع
وهيهات تحنى رؤوس قد سما بها
إلى الله في جوف الظلام التضرع
ويبحث الشاعر محمود غنيم عن الدواء الناجع لإصلاح ما فسد من حال الأمة، فلا يجد ذلك إلا بإيجاد الحاكم المسلم، فيناجي ربه أن يهيئ هذا الحاكم للأمة قائلًا:
اللهم قد أصبحت أهواؤنا شيعا
فامنن علينا براع أنت ترضاه
راع يعيد إلى الإسلام سيرته
يرعى بنيه وعين الله ترعاه
ومع هذا الدعاء والأمل، يعد الأستاذ غزيل عدة الانقضاض على الطغيان للإطاحة بالباغي الظالم، وإعادة الحق إلى نصابه، يقول:
غدا نخوض الوغى تترى كتائبنا
ويزهق الباطل الباغي دعاواه
غدا سيطوي الهدى طغيان قيصره
وتنطفي بالهدى نيران كسراه
الكافرون هوى الطاغوت منهجهم
والقاصدون الهدى يهديهم الله
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل