; قضية لبنان وفلسطين - منذ انتداب الفرنسيين إلى أيام ريغان وبيغن | مجلة المجتمع

العنوان قضية لبنان وفلسطين - منذ انتداب الفرنسيين إلى أيام ريغان وبيغن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1983

مشاهدات 50

نشر في العدد 602

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 04-يناير-1983

بقلم: سياسي قديم

* الرئيس الماروني الأسبق إميل إده:

«إن المسلمين في لبنان جالية وافدة، لا حق لها في هذا البلد إلا كحق الوافد الدخيل».

* فادي أفرام وسعد حداد يُزهقون الأرواح في المخيمات بينما قوات الجنسيات المتعددة تتفرج كالسياح.

* لبنان وفلسطين قضيتان تشكلان كلًّا لا يتجزأ.

* التآمر الصهيوني أسقط مؤيدي العرب في الانتخابات البرلمانية الأمريكية الأخيرة ليحل محلهم المتعصبون اليهود.

* الوقائع تشير إلى أن أمر مسلمي طرابلس صائر إلى وضع إخوانهم في بيروت. فهم كالأيتام لا معين لهم إلا الله.

في ظل الانتداب الفرنسي كان في لبنان برلمان، وقد تولَّى رئاسته سنين عديدة رجل الفكر الشيخ محمد الجسر، فكانت العلاقة بينه وبين ممثلي فرنسا كمثل شعرة معاوية، إذا شدوا أرخى، وإذا أرخوا شد، حتى رأى ألا بد لهذا الوضع المترجرج من نهاية، وأن يكون لتلك النهاية سند من النظام البرلماني نفسه، فأعلن رغبته بضرورة إجراء الإحصاء لسكان الدولة، كي تتضح نسبة كل طائقة منهم، ولكن الفرنسيين وأعوانهم من الموارنة أدركوا ما وراء ذلك من تدبير من شأنه أن يقلب موازينهم رأسًا على عقب، لأن الخطوة التالية لذلك الانتخاب ستكون تحديد هوية رئيس الجمهورية من الطائفة الأكثر عددًا، وليست هي من المارونيين على أي حال.. فما كما من هؤلاء الفرنسيين وأعوانهم إلا أن يعمدوا لمجابهة الفكرة بتعطيل المجلس، واستبعاد الشيخ الجسر عن رئاسته نهائيًا.

وكان لا مندوحة لفرنسا من مغادرة سوريا ولبنان عقب الحرب العالمية الثانية، التي بدَّلت موازين القُوى، فأخرت بريطانيا وفرنسا إلى المرتبة الثالثة، فلم يعد بوسع فرنسا الاحتفاظ بمكانها في كلا البلدين، بيد أنها لم تفارقهما إلا بعد أن استخلفت عليهما القوة التي تنوب عنها في توجيه القطرين ضمن المنهج الذي حددته لكل منهما.

وهكذا مضت العربة في طريقها المرسوم، أما في سوريا فعن طريق بقاء الجيش المًدِين بوجوده للأيدي الفرنسية، والذي على يده حدثت كل الانقلابات التي عرفتها سوريا.. وأما في لبنان فعن طريق استبقاء السُّلطة العُليا مجتمعة في اليد المارونية، رئاسة وجيشًا وشرطة وما يستتبعها من الدوائر ذات الحساسية الهامَّة.

وفي ظل هذه السلطة استمرت بل تفاقمت حركة تسجيل المهاجرين من موارنة لبنان إلى الأميركيتين في أضابير الهوية الأصلية، على الرغم من اكتسابهم جنسية العالم الجديد منذ عشرات السنين، على حين أغلقت الأبواب دون تسجيل عشرات الآلاف من مسلمي الأكراد والعرب المقيمين في لبنان منذ عشرات السنين.. وأحس مسلمو لبنان بما يُدبَّر لهم من مؤامرات تهدد وجودهم، وتزلزل الأرض من تحت أقدامهم، فتحركوا لتَدَارُك ما يمكن تدارُكه بالحكمة والموعظة الحسنة.. إلا أنهم سرعان ما جُوِبُهوا بالرد الحاسم على لسان الرئيس الماروني «إميل إده» الذي قال لوفدهم المؤلَّف من كبار علمائهم وزعمائهم: «إن المسلمين في لبنان جالية وافدة لا حق لها في هذا البلد إلا كحق الوافد الدخيل، فإما أن ترضوا بهذا الواقع وتخضعوا له، أو ترحلوا عنَّا إلى مواطنكم الأصلية في الحجاز».

وهكذا كان خروج فرنسا من لبنان فرصة لتثبيت الوضع الذي عملت لخلقه وتثبيته منذ العصور الصليبيية، وحتى نهاية الحكم العثماني، ثم خلال مراحل الانتداب الفرنسي، وما تلاه من سِنِي الاستقلال، وقد برزت خلفيات هذا التخطيط الصليبي أثناء الكفاح الذي خاضه الشعب الفلسطيني لوقف التدفق اليهودي، الذي مهدت له بريطانية لتحقيق الوطن الموعود، ثم لقيام الدولة التي مازلنا نعاني من جرائها منذ ذلك العهد، وكان ذلك أيام انطلق الأكليروس الماروني بقيادة المطران مبارك، يجمع رعيته لتأييد الكيان الصهيوني في فلسطين، على مرأي ومسمع من الدولة اللبنانية، ومن قلب كنيسته في ما يسمونه ساحة الشهداء كان صوته يلعلع بهذه الدعاية الهجومية دون أن تصادف أي معارضة اللهم إلا من المسلمين الذين ما كانوا ليمكلوا أي وسيلة إعلامية بمستوى صراحة المطران..

ولم يكتف أنصار صهيون بتلك الحملات الإعلامية الصاخبة، بل عمدوا في الوقت نفسه إلى الاستعداد العسكري للوصول بها إلى غاياتها المقررة في بريطانيا وفرنسا وأميركا وروسيا.. فكان تنظيم الكتائب التي ألفها بيير الجميل والد أمين وبشير، وتحت مظلتها تلاقت عناصر الشباب الماروني، الذي يغلي صدره بالحقد المتوارث على الإسلام وكل ما له صلة بالإسلام.. 

** وتنقدح في حافظتي الآن ذِكرى لقاء جمع بيني وبين أحد كبار المفكرين في بيروت قبل ما يقارب نصف القرن، فكان مما قاله لي يومئذ: «حقيقة خطيرة ينبغي أن يعلمها المسلمون في كل مكان، وهي أن أربعين ألفًا من شباب الكتائب يتدربون على مختلف الأسلحة لهدف يتعلق بالإسلام والمسلمين على مستوى المنطقة كلها..» ولم يكن من السهل على مثلي يومئذ أن ينفذ بفكره القصير إلى الإحاطة بذلك الهدف الكبير، غير أن الأحداث المتلاحقة تكفلت بإيضاحه على الوجه الذي نلمسه الآن، وهو تنفيذ المخطط الصليبي الرهيب بإقامة إسرائيل ودعمها بكل الطاقات التي تمكنها في القضاء على كل مقاومة إسلامية.

وكان هذه المقاومة قد بلغت أشدها على أرض فلسطين يومئذ حيث تولت بريطانيا تكوين الأساس العميق للكيان الدخيل، وفتحت أبواب الهجرة على مصراعيها لأتباع هرتزل يتدفقون على الأرض المقدسة من كل حدب وصوب، حتى إذا استمسك البناء، الذي كدحت من أجله طوال سِنِيّ انتدابها، أعلنت عزمها على مغادرة فلسطين لتترك ليهود أن يتموا ما بدؤوه، ووضعت زمام القضية في مخالب حليفتها أميركا، التي استكملت، مع صديقتها اللدود الاتحاد السوفييتي وأعوانهما، عناصر الجريمة العالمية، بإعطاء القتلة صفة الدولة الشرعية، التي من حقها أن تقتل وتدمر وتبيد من تشاء وكما تشاء، لتوفير الأمن الذي تريده لحدوده الزاحفة في كل اتجاه..

وكان من نصيب لبنان أن يستضيف عشرات الآلاف من أولئك الهاربين من ديارهم حماية للأطفال والنساء من حراب «الهاجاناه» التي اتخذت من أعمال الإبادة فيهم ذريعة لتهجيرهم وتقطيع علائقهم بوطنهم المغضوب.. ولم يمض على هذه الاستضافة سوى اليسير من الزمن حتى صدرت الإشارة إلى الجالية الأرمنية في منطقة شتورا بالهجوم على جيرانهم اللاجئين، فإذا هم يصبحونهم ذات يوم بالمعاول والمساحي والسكاكين وسائر وسائل الفتك.. ثم تتالت هجمات العدوان على أولئك المعذبين أينما حلوا من لبنان، حتى اضطرتهم الأحداث القاهرة إلى اتخاذ الأسباب الممكنة للحفاظ على وجودهم، ولتنظيم المقاومة ضد الغاصب الذي عرضهم لكل هذه المحن.

** ومن خلال هذه الوقائع تلوح الدلائل على أن تحويل هذه الجماهير المشردة إلى لبنان لم يكن بحافز الرحمة ولا كرم الضيافة، ولكن تنفيذًا لبعض ذلك المخطط الذي يراد به تخضيرهم لضربات تستأصل شأفتهم، وتحطم معهم العنصر المسلم الذي سيضطر إلى الإسهام في حمايتهم.. وبذلك تستوفي المؤامرة الصليبية الصهيونية عناصرها المقررة لتأمين كيان إسرائيل، وللقضاء النهائي على إمكانات المسلمين. بحيث لا يكون أمامهم سوى أحد الخيارين: الهجرة الجماعية من لبنان إلى غير مكان، أو الرضا بما تريده لهم الصليبية الحاقدة من ألوان الهوان.

وتتالت الضربات المُحكمة بالمذابح المفاجئة، التي أقدم عليها شباب الكتائب وحماة الأرز وأحرار شمعون، عندما بدؤوا بتقتيل المسلمين على مجرد الهوية في رائعة النهار ودون سابق إنذار، وقد بدأ ذلك طوني فرنجية- صريع الكتائب فيما بعد وابن الرئيس سليمان فرنجية- إِذْ أرسل الطلقة الأولى حين أوقف كمينه حافلة كبيرة في طريق بيروت- طرابس- وأهبط ركابها واحدًا فواحدًا وهو يدقق في هوياتهم، فيعيد للنصاري حرية السفر، ويستبقى المسلمين خارجها حتى يحصدهم عن آخرهم..

وفي تلك الأثناء تتحرك مجموعة أخرى من الكتائب في شرق بيروت، فتقف حافلة تحمل شبابًا فلسطينيين لإيصالهم إلى مواطن أعمالهم فتقضي عليهم جميعًا.

وكان طبيعيًا أن تتسع الهاوية عقب ذلك لتبتلع الآلاف، وفق الخطة المرسومة التي شقت الطريق لدخول قوات الردع، التي كانت مهمتها الوحيدة تذليل بقية العقبات، للوصول بالقضية إلى نهايتها التي نشهدها اليوم، ولعل مذبحة «تل الزعتر» كانت كبرى تلك العمليات إذا أتت على آلاف اللاجئين على مرأى ومسمع من كل العرب ومن قواتهم الرادعة.. ومن ثم جاءت الخطوة التالية في موعدها المناسب، وهي إقامة جمهورية سعد حداد التي حققت غرضها بإعداد الجو الصالح لزحف فيالق مناحيم بيغن وأريل شارون لتجربة أحداث الأسلحة الأميركية في تدمير الأحياء وتقتيل الأبرياء وتفجير سيول الدماء.

** ولم يكن بد للمقاومة العنيدة من بلوغ نهايتها المتوقعة، فاستجابت إلى وساطة أميركا وحلفائها، وقبلت مضطرة بالعهود التي قطعها هؤلاء بحماية الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء، والآخرين من غير المقاتلين، وتولت قوات الجنسيات المتعددة التي استقدمت لهذه الغاية من أميركا وإيطاليا وفرنسا تنفيذ الضمان الوحيد لهاتيك العهود.. إلا أن كل ما فعلته هو التجوال الاستعراضي خلال تلال الدمار وأحياء المهددين بالويل والتبار، فما هو إلا أن غادرت بقايا الأبطال حدود لبنان حتى انسحب أولئك «السواح» وتركوا الساحة خالية لذئاب فادي أفرام وسعد حداد يزهقون أرواح الجماعات من سكان المخيمين، دون تفريق بين العاجز والقادر، والرضيع والمرضع، ودونما حساب لأي رادع لأنهم يعملون في حرية تامة بحماية شارون وإيتان وجنودهما، المزودين بكل ما أبدعته عبقرية أميركيَّة من وسائل الإبادة.

وكان أعجب ما في هذه المذبحة العالمية أن أصحاب الدم المهدور يأبون إلا أن يتلطفوا بقتلة إخوانهم، من أحفاد المردة، ليحصروا الجريمة في جناة اليهود وحدهم، فلا يشيروا إلى منفذيها بأي اتهام حتى بعد اعتراف القاتلين أنفسهم من رجال الكتائب على مسمع من ملايين المشاهدين لتلفاز إسرائيل.

** وتسكن الضجَّة التي ملأت أجواء العالم لهول تلك المذابح، وجاء دور الجيش اللبناني القانوني ليتمم ما بدأه جزارو الكتائب في مخيميّ صبرا وشاتيلا، فإذا هو يقتحم مساكن المستضعفين من مسلمي لبنان واللاجئين، الذين استقبلوه بالزغاريد، رجاء أن يبسط عليهم حمايته، فإذا هو يصادر البقية الباقية من فتيانهم فيسوقهم إلى خوارزم أو إلى وادي الموت- الذي لا عودة منه- وإذا هو يدمر حتى المساجد، وينهب حتى أطنان الأدوية، ويصب شابيب الحمام على كل من يجرؤ على التلفظ بكلمة: «لماذا»؟. وما كان في ذلك من عجب لأن هذا الجيش هو الجناح الثاني من الكتائب وقد أقدم على تصفيه أعداء إسرائيل تحت ستار الشرعية التي كانت تعوز قصَّابي الكتائب من قبل..

وبعد فإن هذا عرض مكثف لمسيرة القضية منذ مطالع الانتدابين- الفرنسي والبريطاني- حتى الساعة، وفيه كل البيانات المؤكدة على أن ثمة مؤامرة شيطانية تعاون على تخطيطها كل من بريطانيا وفرنسا وأميركا وسائر ورثاء الصليبية في أوروبا ولبنان، وقد نفذت بدقة بحيث لم تقع حلقة منها إلا في موعدها المعين.. أما غايتها القصوى فتعميق جذور إسرائيل وتحطيم كل طاقة لمقاومتها خارج حدودها التي لا تقبل الاستقرار.. ومن ثم تثبيت وضعها العسكري بوصفها قاعدة الانطلاق الصليبي الجديد إلى تدمير كل تحرك إسلامي يحاول استعادة عزة المسلمين ليرد إليهم حق المشاركة في صياغة التاريخ، وتحكيم الشريعة التي قدر الله أن تكون مناط السلام الحق لكل شعوب الأرض.

** وقد بقي علينا أن نطل من نافذة الأحداث على ما وراءها من مراحل لا تزال في دور المخاض..

وأول ما يواجهنا من ذلك مبادرة ريغان وما تلاها من مقررات قمة فاس.. والقدر المشترك بين الخطوتين هو:

أ- تلاقي المبادرتين على الاعتراف الدولي بإسرائيل.

ب- استعداد منظمة التحرير لتوكيد ذلك الإعتراف.

ج- إقامة كيان فلسطيني قومي.

وهو تلاق يلغي سائر اللاآت التي قطعها العرب والمنظمة على أنفسهم بألا تفاوض ولا اعتراف ولا صلح مع إسرائيل.

أما موضع الخلاف بين الفريقين فمحصور في الصيغة النهائية لذلك الكيان، إذ بينما يريد العرب دولة مستقلة بقيادة منظمة التحرير، يريد ريغان كيانًا ذاتيًّا مرتبطًا بالأردن، دون أن يكون له صفة الدولة.. ودون أن تحدد علاقته بإسرائيل، مما يترك لهذه أن تستمر على ادِّعاء ملكيتها لسائر الضفة والقطاع، فلا يعدو سكانها من العرب، بما فيهم الكيان الذاتي نفسه، صفة نزيل في ضيافة إسرائيل، من حقها أن تلغي وجوده بجرة قلم عندما ترى ذلك ضروريًّا لأمنها.

ومهما يكن مقدار هذا الخلاف بين المشروعيْن، فهما لا يزالان في حيز التصور النظري، لأن كُلّا منهما متوقف على إقناع الطرف الثالث، الذي كان رده حتى الآن هو الإقدام على إحداث المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، وهو إعلان قاطع لتحدي بيغن ومؤسسته العسكرية كلًا من الطرفين على السواء.. وقد جاء التحدي الآخر من نتائج الانتخابات الأميركية التي أعقبت مذابح بيروت، حيث أسقط التآمر الصهيوني كل أصدقاء العرب من المرشحين، وأحل مكانهم أنصاره من متعصبة اليهود، ثم تلا ذلك تحدي مجلس الشيوخ لسلطة ريغان، الذي سبق له أن لوح بتخفيض المساعدات المقررة لإسرائيل، فما كان من ذلك المجلس إلا أن أصدر توصيته بزيادتها قرابة الخمسمئة من ملايين الدولارات.. وهذا ما يفسر كلمة ريغان لملك المغرب أثناء استقباله وفد الجامعة العربية: «إنني أقدر ظروفكم فقدِّروا أنتم ظروفي».

وحقًا إنها لظروف في غاية الحرج، لأن ريغان لا بد مُدرك المخاطر التي تدفع اليهودية العالمية بلاده إلى هاويتها، ولكنه مقيد التصرف في حدود الطوق الحديدي الذي تضربه القُوَى الخفية حول كل معارض لها، لا في أميركا وحدها بل في مختلف الأقطار والقارات، وكيف لا وقد رأي بعينيه مصير كِندي يوم حاول التملص من ذلك القيد فأتاه حينه من حيث لم يتوقع..

** وما دام كل تحرك في أي اتجاه بالنسبة إلى السياسة الأميركية خاضعًا لمعايير المنفعة «البراغماتزم» فلا بد من التساؤل عن البديل الذي سيعوض ريغان ومن لف لفه عن دعم الصهيونية، إذا هم فكروا بالتحول إلى نصرة العرب؟!

والجواب جاهز عند كل مفكر يعيش وقائع عصره، ذلك أن العرب، ومن ورائهم معظم الدول الإسلامية، لا يبرحون كالوارث القاصر يملك أعظم الطاقات، ولا يملك القدرة الواعية التي تحسن التصرف بها.. فهو لا يفهم لمدخراته معنى سوى إنها وسيلة إلى العبث واللهو واللغو، ولو أدى به سوء فهمه هذا إلى توظيفها في تدمير نفسه.. بل إنه ليوجهها إلى تدمير وجوده فعلًا وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ومن أين لأصحاب هذه الطاقات الموروثة وهم في غمرات التقاتل والتشاحن فيما بينهم، أن يركزوا إمكاناتهم على استقطاب الأنصار لقضيتهم الواحدة، وعلى إنشاء المشروعات الجادة التي تغنيهم عن استيراد حاجاتهم اليومية، من الغذاء والكساء والدواء والسلاح، من مصانع أعدائهم ومزارع قاتليهم؟

وعلى ضوء هذا الواقع الفاجع لا بد أن ننتهي إلى القطع بأن ظروف ريغان ستظل آخذه على يده، حتى لو تعمد مراعاتنا بإخلاص، فكيف وهو الذي أعلن بملء فيه أنه يقود حملة صليبية، يجدد بها عهد ريتشارد ولويس وأرناط، وهو إعلان يعني أنه يرفض أي تعايش مع الإسلام، ولا يتورع عن استخدام أخسّ الوسائل للقضاء على كل اتجاه إسلامي.

وطبيعي أن هذه الوقائع تقود المفكر أخيرًا إلى تقييم الرصيد الذي انتهى إليه الموقف في لبنان وفي القضية الفلسطينية على السواء بعد أن تبينَّا بيقين أن القضيتين تشكلان كلا لا يتجزَّأ.

أما في الجانب اللبناني فقد وصل تطور الأحداث إلى الوضع الذي تريده الصليبية الدولية والصهيونية تمامًا.. فمسلمو لبنان وقد فرغت أيديهم من كل أمل لا باستخلاص حقوقهم السليبة فحسب، بل بالإبقاء على كيانهم الهزيل المعهود نفسه، وقد اتضحت هذه الحقيقة من مطاردة الجيش اللبناني- الكتائبي- لشبابهم في بيروت الغربية، وسيق المئات منهم إلى ما وراء المجهول.. وها هي ذي تظاهرات أمهاتهم وزجاتهم تقرع أبواب الوزارة الوزانية صارخة «أبناء المسلمين يا وزان.. أين هم؟ ومن لهم..؟» دون أن يسمعن لصراخهن من جواب..

وفي طرابلس حاضرة الشمال يختلف الأمر بعض الشيء لأن المسلمين لا يزالون قادرين على الدفاع عن أنفسهم وأهليهم إلى حين، ولكنهم صائرون حتمًا إلى الوضع نفسه الذي صار إليه أخوانهم في بيروت والجنوب.. فهم اليوم جميعًا كالأيتام الذي لا معين لهم إلا الله.. وهذا يعني أنه لم يبق أمام مسلمي لبنان سوى أحد خيارين: إما المقاومة حتى الموت، وأما الهجرة الجماعية، على النحو الذي سبقت إليه قبلهم جماهير المسلمين العزل من فلسطين، تحت ضغط الصهيونية المدعومة بكل القوى الدولية، وقد بات هذا التوقع أشد قوة بعد انضمام سليمان فرنجية الرئيس السابق إلى صفوف الكتائبيين- قتلة ولده طوني وأهله- حيث استكمل الطوق بهذا الانضمام تلاحم طرفيه حول مجموع المسلمين في شمال لبنان..

ومما يضاعف كثافة الظلمة انطماس طريق النجاة حول هؤلاء المساكين، فلا يعرفون أين يتجهون لو أرادوا الهجرة، إذ لا سبيل لهم إلى شمال أو شرق، فلم يبق أمامهم سوى البحر، الذي سيكون ممكن العبور فقط للميسورين منهم، الذين تمكنهم أموالهم من اللجوء إلى حيث يشاؤون، أما الآخرون من المستضعفين فلا حظ لهم إلا بالموت أو بنوع من المعيشة التي قد يفضل عليها الموت..

هذا بالنسبة إلى داخل لبنان، فإذا انتقلنا إلى منظور الجانب الفلسطيني لم نرَ الموقف خيرًا منه هناك، فالمقاومة مشتَّتة على امتداد العالم العربي، والخلاف بدأ ينشب أظافره في صفوفها.. والاستقلال السياسي قائم على قدم وساق لتعميق هوة الخلاف.. وأعين الجميع معلقة بمساعي الوفد السباعي الذي يستكمل طوافه في أنحاء العالم لتجميع الأنصار حول قرار الجامعة العربية بقبول الأمر الواقع، مقابل شيء واحد هو إلزام إسرائيل المدلَّلة بقبوله!..

ومع أن عاقبة هذا الطواف من الأمور المغيبة عن الإبصار ففي البصائر ما يستشرف بعضها على الأقل، وهو أن إلزام إسرائيل بقرار القمة العربية مرهون بأمور لا انفكاك بينها أهمها:

1- قبول أميركا لذلك القرار على أساس أنه الأضمن لمصلحتها الحقيقية.

2- قدرة أميركا على مجابهة إسرائيل بوقف معوناتها الهائلة عنها.

3- تحويل وسائل الإعلام الأميركي إلى مناصرة الحق العربي.

4- إقناع جماهير العميان في أميركا بضرورة الخلاص من التخدير اليهودي.

5- وأخيرًا خضوع إسرائيل للواقع وإلغاء مخططاتها التوسعية في الضفة الغربية والقطاع.

وإذا كان لنا أن نتصور المستقبل من خلال وقائع الحاضر والماضي فسنجد أنفسنا أقرب إلى القطع بأنّ تَحقُّق ذلك كله يؤلف أحد المستحيلات، وبخاصة إذا ذكرنا أن بيغن لا يفتأ يهدد معارضيه في الكونغرس الأميريكي نفسه بقوة اليهودية في أميركا كلها.. وما أحسب قارئًا ينسى تصريحات ذلك الجنرال الأميركي «الشريف» بأن أميركا واقعة تحت الهيمنة اليهودية في كل مرافقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، فكان جزاؤه على صدقة إسكاته إلى الأبد.

وعلى ضوء هذا نتساءل: إذن فما محصول هذا الطواف الذي يقوم به الوفد السباعي- والذي قبله؟. وما مصير قرار القمة العربية بالتصميم على انتشار السلام؟. فكيف إذا أضفنا إلى ذلك ما جربناه طوال ثُلُثِ قرن من وقوف الفيتو الأميركي بالمرصاد لنقض كل محاولة تريد تقليم مخالب صنيعتها أو أميرتها إسرائيل؟.

ومن يدري.. فقد يكون استنباطنا هذا من النوع المقدر أنه «أسوأ الاحتمالات» بيد أن العاقل لا يسعه إغفال هذا المبدأ حين يواجه المشكلات الضخمة، فإذا حدث ذلك، ونرجو ألا يحدث، فما الذي أعدَّه العرب والمسلمون لمرحلة ما بعده؟.. وبالتالي ما الذي يجب أن يعدوه.

إن ذلك يستدعي مقالًا آخر عسى أن يوفق الله إلى تقديمه في أسبوع قادم.

الرابط المختصر :