; الله يرحم «زمان» وأيام «زمان»! | مجلة المجتمع

العنوان الله يرحم «زمان» وأيام «زمان»!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 30-مايو-2009

مشاهدات 69

نشر في العدد 1854

نشر في الصفحة 39

السبت 30-مايو-2009

أيام يرى فيها الإنسان مصر المحروسة وهي تفرغ من رجالها الأبطال يعتريه الذهول، وتأخذه الحسرة على العمالقة الذين طحنتهم الخيانات وطوتهم الحثالات البشرية التي لا تعرف أقدار الرجال، ولا تستطيع فهم الرجولة أو تبيان ملامحها، وأجدني أقف متأملًا لفترة تاريخية اعتراني فيها الذهول عند إعادة تذكرها؛ حيث كانت مرحلة من مراحل تحطيم العمالقة على أيدي قردة وجرذان، وغربان سود. 

هل يتصور إنسان أن هرة تحاكم أسدًا، أو صرصارًا يهزم جملًا، أو نملة تهزم جبلًا؟! لا، وألف لا، ولكنها أيام العجائب التي تظل في التاريخ سحبًا سودًا تحكي الأيام النحسات التي تعرض لها رجالات الإسلام في عصر النكبات الكبار، التي ستظل تروي الحوادث التي حوتها بطون التاريخ الذي لا يهدأ ولا ينام عن أدوات هذا الزحف الأسود الذي طوى في تضاعيفه الملوثة هذا الزخم الملوث ورجاله أراجوزات الفترة القذرة. 

يقول الصحفي الشهير مصطفى أمين: «إنني أعرف «الدجوي» منذ عام ١٩٥٦م، عندما هاجمت الجيوش البريطانية والفرنسية، و«الإسرائيلية» مصر، واحتلت سيناء وبورسعيد، واستدعاني الرئيس جمال عبد الناصر، وطلب مني أن أركب وحدي أول طائرة مصرية مدنية تغادر مصر أثناء العدوان، وأن أحمل معي صور العدوان وأنشرها في جميع أنحاء العالم.

ووصلت إلى مدينة «نيويورك»، وفوجئت بجميع تلفزيونات أمريكا تعرض فيلما للواء فؤاد الدجوي حاكم غزة، وهو يستسلم للجيش الإسرائيلي، كان الفيلم مهينا للجيش المصري والمصر كلها، وكان الحاكم المصري يقف ذليلًا أمام ضابط إسرائيلي يقدم له خضوعًا، ويثني على الجيش الإسرائيلي وشجاعته وقوته ومروءته وإنسانيته، ويدلل على هذه المروءة بأن زوجته كانت مريضة وأن اليهود نقلوها إلى مستشفى في تل أبيب لإجراء عملية جراحية لها! 

وكان كل عربي سمع ورأى هذه الصورة المذلة المهينة للحاكم المصري وهو يثني على إنسانية قاتليه ومحتلي أرضه ومهيني شرفه، كان كل عربي ينتفض غيظًا واحتقارًا للقائد الصغير الكبير، وكان العرب في نيويورك يقولون: كيف يجوز أن يشكر هذا القائد المصري جنود الاحتلال «الإسرائيلي» الذين قتلوا العرب في غزة، وسبوا نساءهم، والذين قتلوا شبابنا في سيناء ومثلوا بجثثهم؟!

هل يغفر لهم كل هذه الجرائم من أجل أنهم أجروا عملية جراحية لزوجة الدجوي؟! مع وجود أطباء مصريين اختصاصيين ومستشفى مصري مجهز بجميع الأجهزة؟! وقد طلب منه الأطباء أن يجروا لها العملية وهي كيس دهني ولكنه رفض، وطلب نقلها إلى تل أبيب، والأطباء المصريون شهود الحادث أحياء يرزقون.

وعندما عدت إلى القاهرة، ورويت للرئيس ما قال اللواء الدجوي في التلفزيون قال لي الرئيس: إنه سمع بنفسه في الإذاعات هذه الأقوال نفسها وصوت الدجوي نفسه من محطة «إسرائيل»، وإن الدجوي أسير حرب في «إسرائيل» الآن، وإنه ينتظر عودته مع الأسرى ليحاكمه محاكمة عسكرية وليضرب علنًا بالرصاص.

وعاد اللواء محمد فؤاد الدجوي من الأسر، ولم يحاكم، ولم يعدم رميا بالرصاص! وفوجئت بعد ذلك بأن الاختيار يقع دائمًا على الدجوي ليكون قاضيًا في أي محاكمة يرى المسؤولون أن أدلتها ضعيفة أو لا أساس لها.

وكان الدجوي في أحاديثه يفخر بأنه لا يحمل شهادة ليسانس، وأنه لم يدرس الحقوق، ولا يعرف القانون، وأنه محل ثقة ولاة الأمور.

ويكمل مصطفى أمين شهادته فيقول: «وعندما مثلت أمام الدجوي رفضت أن أتكلم أو أفتح فمي؛ لأنني عرفت ما يريد أن يقول في الجلسة السرية، ما يريد أن يصل إلى رئيس الدولة في الميكروفون، وفي نهاية محاكمتي وقفت وطلبت الكلمة من الدجوي فأذن لي، وقلت: في أثناء عدوان سنة ١٩٥٦م استدعاني الرئيس جمال عبد الناصر إلى هذا المكان مجلس قيادة الثورة -وقال لي: إنني سأكلفك بمهمة قد تموت فيها، وهي أن تكون راكبًا لأول طائرة تطير أثناء الضرب لتتولى الدعاية لمصر في العالم، وفي نيويورك اختارني د. أحمد حسين -سفير مصر في واشنطن- لأدافع عن سمعة الجيش المصري، عندما عرضت محطات التلفزيون الأمريكي فيلما عنك وأنت تستسلم لليهود وتشكرهم، ومن سخرية القدر أن يطلب الادعاء رأسي في المكان نفسه الذي اختارني فيه الرئيس عبد الناصر لهذه المهمة الخطرة، وأن تتولى سيادتك محاكمتي! ولم يفتح الدجوي فمه بكلمة وأعلن انتهاء المحاكمة».

وأما محاكم الدجوي هذه للإخوان فكانت صفحة مضحكة، فيقول المحامي شوكت التوني: لم يكن هناك شيء يحاكم الإخوان عليه، ولكن أرادوا أن يجعلوها قضية يهلكون بها الإخوان، وكان قاضي هذه المهزلة هو «الدجوي»، ونسمع بعضًا من مرافعة التوني عن سيد قطب ورفاقه حيث يقول:

«أما هؤلاء المتهمون فلم يضبط معهم غير ٧٠ زجاجة كوكاكولا اشتريت بمائة قرش، وقيل: إنها كانت ستستعمل كقنابل مولوتوف، وليكن، ولنفرض صحة ذلك، فهل الحكومة القائمة كانت من الهوان هي والجيش المصري الذي أطلق عليه وقتئذ وصف «أكبر قوة ضاربة في الشرق»، إلى حد أن تحارب الحكومة والجيش ورجال الشرطة بسبعين زجاجة مولوتوف، وأقسم بالله -غير أثم ولا حانث ولا هازل- لو أن هذه القضية في أي بلد «ربع متمدن» لخجل النائب العام من تقديمها إلى المحكمة؟! ولكن المدعي العسكري العام قدمها ونظرتها محكمة الدجوي، وقضت فيها بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة». 

وهذه مقتطفات من مرافعة الأستاذ شوكت التوني المحامي لا تحتاج إلى تعليق:

  • شوكت التوني: إن قلب النظام جريمة مستحيلة لأن سلاح الانقلاب هو بضعة زجاجات كوكاكولا فارغة أو حتى زجاجات مولوتوف، فهل هذا النظام من الهوان والضعف أن تقلبه زجاجات فارغة أو مليئة؟! 
  • إن قالوا نعم، سلمت لكم المتهمين جميعًا لتشنقوهم، وذلك بشرط أن يقولوا لي أيضًا: «إذن فما هذا الجيش الجرار العرمرم، المزود بالدبابات والطائرات التي تهدر كصوت القدر، وصواريخ القاهر والظافر؟!» أما قتل رئيس الجمهورية فإنه كقتل أي فرد في أي قرية من قرى مصر.

وهاج الدجوي وأرغى وأزبد ، وقال مستنكرًا «قتل رئيس الجمهورية زي قتل أي واحد»! 

وأجبته بالضبط فإن رئيس الجمهورية فرد عادي، يكون اليوم رئيسًا، وغدا شخصًا عاديًا، والقانون ها هو في يدي خال من أي تغليظ للعقوبة جزاء لقتل رئيس الجمهورية!

وفي ختام مرافعته قال الأستاذ «شوكت التوني» المحامي: «السيد الرئيس، السادة الأعضاء، إنني أدفع في ختام مرافعتي -كما بدأتها- ببطلان إجراءات القبض والتحقيق والمحاكمة، وإنني آسف أن أقرر أنني أعلم علم اليقين مصير هذا الدفع أمام الهيئة التي تنظر الدعوى».

يرى الصحفي الوطني عادل سليمان مدير تحرير جريدة الجمهورية من أمر الدجوي عجبًا فيقول: بحكم عملي كصحفي كنت أتردد على مكتب المشير عبد الحكيم عامر قائد الجيش والنائب الأول لرئيس الجمهورية، وجلست عدة مرات في مكتب شمس بدران سكرتير المشير، فيستأذن للدخول علينا الفريق الدجوي يرتجف كالفأر المذعور، وإذا شمس بدران يخرج من درج مكتبه مظروفًا أصفر مختومًا بالشمع الأحمر ويناوله للفريق الدجوي المرتجف قائلًا: «خذ الأحكام دي نفذها بكره فورًا، مصدق عليها من الرئيس جمال، ما تفتحش الظرف إلا قدام المحكمة، الفريق الدجوي: حاضر يا أفندم» وينصرف، هذه هي المحاكمات وهذه هي الأحكام التي يريدها أصحاب القرار.

الرابط المختصر :