العنوان توجه طيب محمود.. في حل مشكلة الحدود
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-2000
مشاهدات 66
نشر في العدد 1405
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 20-يونيو-2000
يعاني أكثر دول العالم العربي والإسلامي من مشكلة مزمنة تسببت. ولاتزال. في نشوب أكثر من حرب مسلحة بين الجيران، فضلاً عما تسببه من توتر في العلاقات بين الدول الأطراف في النزاع أو غيرها من الدول التي تتخذ موقفاً مؤيداً لهذا الطرف أو ذاك.. إنها مشكلة الحدود الفاصلة بين الدول.
لقد تفاقمت تلك المشكلة في النصف الثاني من القرن العشرين بعد نشوء العديد من الدول القطرية، ووجود رغبة في الاستقلال والتمايز عن الجيران داخل حدود خاصة.
وطوال نصف القرن الأخير كانت قضايا الحدود سبباً رئيساً لنشوب الكثير من الخلافات بين الدول العربية والإسلامية، ومن ذلك الخلاف حول جزر طنب الصغرى وطنب الكبرى، وأبو موسى التي احتلتها إيران في عهد الشاه، وتطالب دولة الإمارات بعودتها إليها، والخلاف حول لواء الإسكندرونة السوري الذي ضمته تركيا إليها والخلاف حول مثلث حلايب بين مصر والسودان، وقضايا ترسيم الحدود بين بعض دول الخليج، ومنها المشكلة المثارة حالياً أمام محكمة العدل الدولية بين قطر والبحرين حول جزر حوار والخلاف حول الصحراء المغربية، والخلاف بين إثيوبيا وإريتريا والذي تسبب في حرب مدمرة يصطلي بنارها الشعبان اللذان ينتميان في أكثريتهما الكبيرة إلى الإسلام، وإن استولت على السلطة أقلية نصرانية، والخلاف حول إقليم أوجادين الصومالي الذي تحتله إثيوبيا، والخلاف بين ليبيا وتشاد... وغيرها.
وتنشأ المشكلات الحدودية في الغالب لأسباب ثلاثة رئيسة:
1- أن تكون المناطق المتنازع عليها موضع خلاف بين وجهتي نظر الطرفين بسبب اختلاف الكيانات السياسية القائمة اليوم عما كانت عليه في الماضي، وحيث يرى كل طرف أنه أحق بتبعية أراض معينة إليه دون غيره.
۲- أو أن تكون هناك نزعة للتوسع على حساب حقوق الغير، كما حدث حين احتلت إيران الجزر الإماراتية الثلاث.
3- على أن أغلب المشكلات تعود إلى الحدود المصطنعة التي وضعها الاستعمار الغربي أثناء احتلاله للكثير من البلدان العربية والإسلامية، وتعمد أن يجعل منها فتيلاً يمكن أن يشعل نيران النزاع في المستقبل.
وعلى قدر ما كانت الصورة التي عرفناها عن مشكلات الحدود قائمة على الدوام فقد حملت أخبار الأسبوع الماضي نبأ طيباً عن توقيع كل من الشقيقتين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية على معاهدة في جدة لترسيم الحدود الدولية البرية والبحرية بينهما.
وقد جرى توقيع الاتفاقية في جو ودي أخوي اتسم بحرص الطرفين على إنهاء المشكلة وكان أكثر من مسؤول سعودي ويمني قد أكد أن البلدين ليسا مضطرين للجوء إلى التحكيم بحكم الروابط الأخوية والعلاقات التاريخية بينهما، وبالنظر إلى أن الاتصالات بين الجانبين مستمرة ومتواصلة.
ونتمنى أن تعالج جميع مشكلات الحدود من جميع الأطراف بالروح الأخوية والود المتبادل، وبذلك نكون قد أوصدنا الأبواب في وجوه المتربصين بالقضايا الإقليمية والعربية والإسلامية.
وتجدر الإشارة إلى أن اتفاقية أخرى وقعت في اليوم نفسه بين سلطنة عمان وباكستان في مسقط على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينهما.
إن هذا التوجه لحل المشكلات بطريقة ودية أخوية تراعي الأواصر المتينة التي تجمع بين الشعوب الإسلامية أمر محمود يشكر عليه كل مسؤول يشارك فيه أو يدعو إليه أو يأمر به، وهو يتفق مع دعوة الإسلام اعتبار رابطة الدين والعقيدة اقوى الروابط التي ينبغي الحرص عليها وتقريرها بين المسلمين وتقديمها على ما عداها من الروابط فكل المسلمين في أقطار الأرض هم أهل وإخوة ﴿إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ إِخوَة﴾ (الحجرات: ١٠).
كما أنه من الناحية المبدئية فإن الإسلام يدعو إلى وحدة الشعوب الإسلامية، وإزالة الحواجز المصطنعة التي تفصل بينها، وهي دعوة تتفق معها حركة التاريخ التي تتجه هذه الأيام مع الاتجاه ذاته، حيث انتهت فكرة الدولة القومية في أكثر من منطقة في العالم واتجهت الحكومات والشعوب إلى أشكال من الوحدة والاتحاد، ورفع الحواجز والقيود السياسية والاقتصادية، وتيسير حركة انتقال البشر والسلع والبضائع بين مختلف البلدان، ومثال ذلك ما يحدث في أوروبا على الرغم من تعدد شعوبها ولغاتها ومذاهبها، وعلى الرغم من الحروب الطاحنة التي شهدتها، وكان من بين أسبابها النزاع على الحدود.
فإذا كانت أوروبا وغيرها قد تجاوزت خلافاتها وتناست ما كان بينها من أجل نظرة جديدة إلى المستقبل فيها فائدة لشعوبها فإن المسلمين أولى بذلك وهم مأمورون به اتباعاً لشريعة ربهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى ٱلكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم﴾ (الفتح: ۲۹)، ومن تلك الرحمة أن تزول أسباب الخلاف وأن تشعر الشعوب بالأمن والأمان وان يتاح لها الاتصال والتواصل لتحقيق رسالة الإنسانية على الأرض: ﴿وَجَعَلنَٰكُم شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ (الحجرات: ۱۳).