; في مفهوم المجتمع المدني | مجلة المجتمع

العنوان في مفهوم المجتمع المدني

الكاتب هشام جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997

مشاهدات 60

نشر في العدد 1262

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 12-أغسطس-1997

يعرف المجتمع المدني بأنه: «مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف»، والمجتمع المدني بهذا التعريف يثير العديد من الملاحظات:

1. فهو يستبعد العديد من التكوينات الاجتماعية التي أطلق عليها «التراحمية» مثل العائلة والقبيلة، والتي مازالت فاعلة في واقعنا العربي، بل ويشهد واقعنا -في بعض الأحيان- نموًا متزايدًا لدور هذه المؤسسات وتلك التكوينات، قد يكون أحد أسبابه الرئيسية تأكل أو انسحاب مؤسسة الدولة عن أداء وظائفها، أو تحقيق قدر من الولاء والانتماء لعموم مواطنيها.

2. يتضافر مع الملاحظة السابقة، أن الواقع العربي مازال حتى الآن يتجاور فيه الموروث مع الوافد، والقديم مع الجديد، وهذا يفرض طريقة في التناول، ومنهجًا في الفهم يأخذ هذا البعد في اعتباره: فبعض تنظيمات الوافد مازال في واقعنا العربي لقيطًا أبترًا، من دون فاعلية أو تأثير وهذا يمكن إرجاعه للعديد من العوامل والأسباب، ولكن أبرزها فيما أظن هو أن هذه التنظيمات والأشكال الوافدة لم تستطع أن تتواصل أو تستفيد مما كان قائمًا من ولاءات أو تنظيمات بل كانت دائمًا وأبدًا تطرح بديلًا عما هو قائم، أو تنصاع معه، أي مع الولاءات الموروثة، مما يفرغ التنظيمات والتكوينات الوافدة من مضمونها الحقيقي، خاصة أن هذه التنظيمات والبني الوافدة نقلت دون مراعاة أو إدراك الحقيقة التربة التي أنبتتها، والقيم والثقافة التي تأسست وخرجت منها.

أما تنظيمات الموروث فقد تم القضاء على بعضها، أو تقليص دوره وشل فاعليته، ومازال بعضها الآخر قائماً في أرض الواقع يؤدي وظائف جديدة وأدوار مختلفة، ومنها ما تجري محاولات إحيائه.

وإذا أردنا فاعلية للمجتمع المدني في واقعنا العربي في ظل التجاور بين الموروث والوافد، فلابد من جهود تبذل في من حوله تجذير ما هو صالح من مؤسسات الوافد، عبر محاولة إضفاء الشرعية عليه بتواصله مع قيمنا الثقافة وأنماط الولاء القائمة في واقعنا، أما الموروث - أو ما تبقى منه - فلابد من بث الروح فيه من جديد، مع السعي الدائم والمستمر لإصلاحه وإعطائه وظائف ومهام جديدة.

3. وإذا كان جوهر فكرة المجتمع المدني في خبرته الغربية، هو الصراع، فإن جوهره في خبرتنا العربية الإسلامية هو التراحم فمنظمات المجتمع المدني -في الخبرة الغربية- هي في جانب أساسي منها تعتبر جماعات مصالح، تدافع عن هذه المصالح في مواجهة المتنافسين والخصوم من جماعات المجتمع المدني الأخرى.

وفي المقابل، فإن مفهوم الأمة -الذي هو في جوهره أحد المفاهيم الأساسية التي تدور حولها الخبرة الحضارية الإسلامية- يعترف بتعدد دوائر الانتماء الفرعية داخله، ولكن في ظل ولاء واحد يتحقق من وجود اتفاق حول قيم عليا مشتركة، تتحقق بعناصر عدة منها القبلة الواحدة، والرب الواحد والقرآن الواحد، أي عبر عناصر ومكونات المرجعية العليا للجماعة. وهكذا .. فإن مفهوم «المجتمع المدني» يعني المنظمات التي تستهدف ملء الفراغ بين الدولة والمجتمع، والقيام بدور الوساطة بين الطرفين عبر نقل تفصيلات أعضاء المجتمع المدني إلى السلطة، أما مفهوم «العمل الأهلي» فيجعل الأساس مفهوم «الأمة» التي لها أن تنشئ العديد من المؤسسات والتنظيمات التي تستهدف عبرها ومن خلالها القيام بتحقيق مهام «الاستخلاف» وفي هذا التصور تكون الدولة بأجهزتها ومؤسساتها تبعًا للأمة، فهي التي تنشئها، وتنشئ معها مؤسسات أخرى كثيرة وتحدد اختصاصاتها وحدود صلاحياتها - الدولة، في التصور والخبرة الإسلاميين إحدى مؤسسات الأمة، والأمة هي التي تحدد اختصاصات وظائف الدولة ونطاق مباشرة سلطاتها.

4. وأخيرًا فإن محنتنا العربية تتمثل في أن «الدولة تشاكل»، و«الأمة تقيده» الدولة العربية بلغ دورها التوسعي منتهاه في السبعينيات، بعد أن كان قد بلغ ذروته في الخمسينيات والستينيات، إذ أنت مسيرة الأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، داخليًا وخارجيًا، إلى إجبار الدول العربية على التراجع عن العديد من وظائفها الاجتماعية والاقتصادية، بل حتى السياسية والقانونية التي ادعتها في الخمسينيات والستينيات.

هذا التراجع قد يحمل في بعض مظاهره ظاهرة صحية، إذا كانت الأمة قوية وفاعلة، ولكن هذه الدولة المنسحبة المتآكلة المخترقة خارجيًا، لا تترك خيارًا أو فسحة أمام الأمة لتنمو، شاغلة الفراغ الذي كانت تملؤه الدولة.

هذه الدولة المنسحبة تمارس وتفرض العديد من القيود والضغوط على هذا المجتمع، مخلية فراغ... ويزيد الطين بلة الساحة لقوى الخارج لتملا ما تركته هي من أن «الخارج» الذي أسهم بدور كبير في تأكل الدولة وانسحابها واختراقها، ينشط في محاولات وجهود دائبة لاختراق المجتمع أيضًا، عبر حركة إنشاء المنظمات الأهلية التطوعية غير الحكومية، تلك المنظمات الغربية في أشخاصها وتمويلها واهتماماتها وأنشطتها.

الرابط المختصر :