العنوان صفحات من دفتر الذكريات (92) مظاهرات!!
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996
مشاهدات 79
نشر في العدد 1195
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 09-أبريل-1996
بعد حضور ندوة قضايا المستقبل كنت أتابع أخبار الجزائر، ولاحظت أنه كلما اقترب الموعد الذي حددته الحكومة لإجراء الانتخابات البلدية والجهوية في (12/6/1990م) زاد إقبال الجماهير على تأييد جبهة الإنقاذ والانضمام لها، وقابل ذلك ازدياد التهجم عليها في الإعلام الأجنبي، والصحافة الفرنسية والجزائرية، والتشهير بها والتخويف من تصاعد قوتها ونفوذها لدى عامة الشعب وجماهيره، وبدأت التنبؤات بأنها قد تحصل على نسبة كبيرة من الأصوات، وتسيطر على عدد من البلديات، وخاصة في المدن الكبرى، كما توالت حوادث المصادمات بين أنصارها وبين أنصار جبهة التحرير وغيرها من الأحزاب والهيئات؛ لكنها كانت حوادث فردية.
بعد شهور قليلة من عودتي من رحلتي للجزائر أعلنت جبهة التحرير الحاكمة في ذلك الوقت دعوتها للتظاهر في جميع أنحاء القطر الجزائري لتأييد الحكومة وحزبها، وكانت تعتمد على أنه لا يوجد أي حزب آخر له فروع مستقرة في جميع المدن والقرى كما لجبهة التحرير المستقرة في السلطة منذ ثلاثين عامًا، فضلًا عن أن جميع أجهزة الدولة تعمل لحسابها، وانتقدت ذلك جبهة الإنقاذ، واحتجت عليه، واعتبرت ذلك تحديًا لها، فأعلنت أنها تدعو لمظاهرة كبرى بالعاصمة الجزائرية للرد على مظاهرات الحكومة، عند ذلك خشيت الحكومة أن يقع صدام مع الجماهير كما حدث عام (۱۹۸۸م)، وبدأت تتصل بالمسؤولين عن الجبهة وبمن له علاقة بها، وعرض بعض الوسطاء الإسلاميين إيقاف هذا التحدي المتبادل، وإلغاء الدعوة للتظاهر من الجانبين، فألغت الحكومة أو جبهة التحرير دعوتها للتظاهر، لكن المسؤولين عن جبهة الإنقاذ رفضوا إلغاء مظاهرتهم رغم إلحاح بعض الوسطاء، ومنهم الشيخ محفوظ النحناح، والشيخ سحنون الذين اعتبروا رفض الجبهة تمردًا على رابطة الهيئات الإسلامية التي يرأسها الشيخ سحنون، ولذلك استجابوا لدعوة الحكومة، وأصدروا بيانًا دعوا فيه الشعب لعدم الاشتراك في المظاهرة التي دعت لها جبهة الإنقاذ بعد أن أعلنت جبهة التحرير إلغاء الدعوة لمظاهرتها، ورغم هذا فإن جبهة الإنقاذ أصرت على تنظيم مظاهرتها في العاصمة الجزائرية؛ لإثبات مدى التجاوب الشعبي معها، واتصل بي بعض الأصدقاء من الجزائر لأحاول إقناع الشيخ عباس بالعدول عن ذلك، فاتصلت به تليفونيًّا، فأخبروني أنه سافر إلى الإمارات بالخليج لإلقاء محاضرة، فاتصلت به هناك وقلت له: إنني أرجوه أن يتفادى أي تصادم مع الشيخ سحنون، والشيخ محفوظ، ومع جبهة التحرير، بل والحكومة كما اقترحت سابقًا، لكنه قال: إن الأمر قد خرج من يده، وأن الجماهير قد عبئت ولا يستطيع أحد أن يوقفها، ووعدني بأنه لن يحدث أي تصادم، وشكا لي من البيان الذي أصدره الشيخ سحنون والشيخ محفوظ، وأنهما أعطيا الجماهير فرصة للاختيار بين الإنقاذ وبينهم.
كان كثيرون ينتظرون أنباء تلك المظاهرة التي اعتبرت في نظر أجهزة الإعلام مقياسًا حقيقيًّا لشعبية الجبهة وقدرتها على تحريك الجماهير وتنظيمها، وفوجئوا بضخامتها وبالتنظيم الدقيق الذي حال دون وقوع أي حادث رغم الاستفزازات التي كانت متوقعة، وثارت الصحف الفرنسية محذرة من نمو هذا التيار الشعبي المعارض للحكومة، وأعدت جبهة الإنقاذ شريط فيديو يسجل مسيرة المظاهرة السلمية، ويبرز ضخامتها ونظامها، ووزع هذا الشريط على أجهزة الإعلام في كثير من البلاد، وجاءت نتيجة الانتخابات البلدية والجهوية مؤيدة لحصول الجبهة على أغلبية ساحقة بصورة لم يكن يتوقعها أحد خارج الجزائر أو داخلها؛ بل أعتقد أنها فاقت كل ما توقعته الجبهة ذاتها كما علمت بعد ذلك.
كنت في داكار عاصمة السنغال في أحد الاجتماعات التي عقدتها منظمة المؤتمر الإسلامي للجنة الإعلام والثقافة التي يرأسها «عبده ضيوف» رئيس جمهورية السنغال، وكنت أتابع أنباء الانتخابات ونتائجها على التليفزيون، وبمجرد إعلان النتيجة اتصلت تليفونيًّا بالشيخ عباس بمنزله، وهنأته وألح علي في المرور بالجزائر في طريق عودتي كما وعدته من قبل فوعدته بذلك.
في هذا اللقاء أعدت عليه فكرتي في تفادي التصادم مع الحكومة؛ حتى لا يعطيها فرصة لتأجيل الانتخابات التشريعية التي وعدت بإجرائها، واقترحت عليه ألا يخلط بين الحكومة وحزب جبهة التحرير أو الرئيس الشاذلي بن جديد؛ لأن اعتقادي أن هناك عناصر في السلطة والجيش لها اتجاهات متطرفة تتأثر بتوجهات القوى الأجنبية أكثر من توجيهات الرئيس الشاذلي أو جبهة التحرير، وأن وسائل الإعلام والقوى السياسية الأجنبية بدأت تشن حملة كبيرة للتخويف من انتصارات جبهة الإنقاذ ومن طموحات عباس مدني شخصيًّا، وقد استمع إلى بكل انتباه، وقال: إننا نتوقع أن تماطل الحكومة في تحديد موعد الانتخابات البرلمانية، لكن الشعب لن يسمح بذلك، ولن يسكت عليه، ونحن نريد تفادي أية مجابهة، ولكن لا يمكن أن نسكت على محاولات تعطيل الانتخابات البرلمانية؛ لأن في ذلك مصادرة لإرادة الشعب وسيادته وحريته.
لقاء مع الشيخ سحنون
زرت الشيخ سحنون، وجلستُ معه عدة مرات، وأبلغته شكوى الشيخ عباس من البيان الذي أصدره هو والشيخ محفوظ بدعوة الجماهير لعدم المشاركة في مظاهرة دعت لها جبهة الإنقاذ، فاعتذر بأنه قصد من ذلك تهدئة الأمور؛ لأن الشيخ محفوظ أقنعه بأن هذه المظاهرة سيترتب عليها مصادمات دموية مع الشرطة أو الجيش كما حدث من قبل عام ۱۹۸۸م، وشكا لي من أن الشيخ عباس مصمم على الانفراد بتسيير الجبهة وعدم التشاور مع الرابطة، وأنه دعي لاجتماع الرابطة، وطلبنا منه أن تكون الجبهة واجهة للرابطة وملتزمة بسياستها، لكنه رفض ذلك مع العلم بأنه هو الذي كان أول من اقترح بإنشاء هذه الرابطة في عام ۱۹۸۸، ولكنه بعد أن وافقت الحكومة على طلبه بإنشاء جبهة الإنقاذ يرفض إشراف الرابطة عليها، أو تعاونهما معًا.
عند ذلك قلت له: إنني لا أؤيد رأيه في الارتباط بين الرابطة والجبهة؛ لأنني أفضل أن تبقى الرابطة عاملة في نطاق الدعوة، وألا يكون لها مسؤولية سياسية؛ لأن السياسة لها مخاطر وتقلبات، ليس من مصلحة الرابطة أن تعرض نفسها أو نشاطها لها، وأن الجبهة حزب له قيادته وبرامجه واستقلاله، ونحن جميعًا نقدم لهم النصائح والمشورة؛ حتى يسيروا نحو الأهداف الإسلامية، والأولى في نظري أن يتحمل قادتها المسؤولية وحدهم، فإن نجحوا فإن الحركات الإسلامية كلها سوف تستفيد من هذا النجاح، وإن فشلوا كان ذلك درسًا آخر نستفيد منه مثل كثير من الدروس التي مازلنا نحاول الاستفادة منها في بلاد أخرى.
مراوغة في تحديد الانتخابات
استمرت الحكومة تراوغ وتماطل في تحديد موعد الانتخابات البرلمانية، وزادت حدة الحملة الإعلامية في الداخل والخارج على الجبهة وعلى الإسلاميين عامة؛ بل تعدت إلى التشهير بالمبادئ الإسلامية وأحكام الشريعة بزعم أنها تتعارض مع الديمقراطية التي أصبح دعاتها يعتبرون أنها هي اللادينية أو العلمانية، وأنها الفرانكفونية، وكل ما ينتسب إلى ما يسمونه الثقافة الأوروبية والتنوير الفرنسي، لدرجة كشفت الأهداف الاستعمارية التي ترمي إليها تلك الحملة، مما زاد في تعلق جماهير الشعب بالجبهة وتأييده لها، والغريب أن مروجي هذه الأكاذيب بعد أن تجاوزوا فيها حدود المنطق والعقل والأمانة، بدأوا يصدقون أنفسهم ويدعون أن دعايتهم الضخمة سوف تفقد الجبهة نفوذها الذي كسبته في الانتخابات البلدية، وأن الأحزاب المصطنعة العديدة التي انحازت للدعايات الأجنبية سوف تحقق انتصارًا، وعللوا ذلك بأن البلديات التي سيطرت عليها الجبهة تعثرت وعجزت عن تنفيذ برامجها، ورأى الشعب في القرى والمدن التي نجح فيها ممثلو الجبهة، وصاروا مسيطرين على المجالس البلدية والجهوية فيها، أنهم لم يحققوا أي إنجاز أو مطلب جدي.
لكن الواقع أن الجماهير رأت بعينها أن الحكومة تضيق على هذه البلديات وتتخذ جميع الإجراءات لمنعها من القيام بأي مشروع، وأن ذلك هو الذي ساعد في إقناع الشعب برأي قادة الجبهة بأن أي إصلاح لا يمكن إلا بعد تغيير تلك الحكومة؛ بل وتغيير النظام الذي قاسوا من فساده وانحرافاته طويلًا، وأصبحت الجماهير أكثر إلحاحًا في ضرورة الإسراع بإجراء الانتخابات البرلمانية لوضع حد لهذا التناقض بين سياسة الحكومة ونشاطات البلديات، والمجالس الجهوية التي لا تمثل جبهة التحرير.
التقيت بالشيخ محفوظ وتناولت معه الغداء، وعاتبته كما عاتبت الشيخ سحنون على إصدار بيان يستفز جبهة الإنقاذ أو يستغله أعداء التيار الإسلامي لشق صفوف مؤيديه وإظهار الإسلاميين بمظهر الفرقة والانقسام، في حين أننا دعاة وحدة وتصالح وتعاون حتى مع غير الإسلاميين.
كانت وجهة نظر الشيخ محفوظ هي أن عناصر الجبهة غير منضبطة، وأنهم يستخدمون القوة والعنف لمنع أنصار جمعية الإرشاد من الخطابة في المساجد، ويفرضون سيطرتهم على المساجد، وأن كثيرًا من العلماء يشكون من ذلك، وأن السلطة عاجزة عن مواجهتهم في كثير من الجبهات وخاصة في الأقاليم البعيدة، وأنه ينوي دعوة عدد من العلماء لإصدار بيان يشجب هذه التصرفات. قلت له: إن مقاومة العنف والمحافظة على النظام هي مسؤولية الحكومة، وكل عمل من جانبكم في هذا الاتجاه تفسره الجبهة على أنه انحياز للسلطة وتقرب لها وتأييد لسياستها التي يعتبرونها موجهة ضد الإسلام وضد جبهة الإنقاذ بالذات، وأرى الا تقدموا على أي عمل يفسر على أنه انحياز للحكومة؛ لأن الحكومة لديها إمكانات كبيرة لفرض سیاستها وتحمل مسؤوليتها، وأنتم لا تشاركون فيها، فيحسن ألا تحملوا أنفسكم مسؤولية سياساتها المعادية لجبهة الإنقاذ.
وقلت له: إذا كنت مقتنعًا بسياسة الحكومة وجبهة التحرير فالأولى أن تنضم لها صراحة، حتى يكون لك دور في توجيه سياستها والمشاركة في مسؤولياتها، بدلًا من أن تحمل جماعتك مسؤوليات سياسة حكومية، لا رأي لكم فيها، ولا تعرفون اتجاهاتها ولا من يسيرها، قال: إننا فعلًا فكرنا في ذلك وقدمنا بعض إخواننا كمرشحين في بعض البلديات ضمن قائمة جبهة التحرير التي وافقت على ذلك لتستفيد من نفوذ جمعيتنا، ولكن إخواننا لاحظوا للحكومة وجبهة التحرير كبيرة لدرجة أنها سوف تسيء لنا، وانسحبوا فعلًا من تلك القوائم، ولذلك بدأنا نفكر في إنشاء حزب مستقل قلت له: إنني لا أوافق على ذلك، ولم نصل إلى اتفاق في هذا الموضوع.
بعد عودتي من الجزائر كنت أتابع أخبارها في الصحافة الأجنبية وبعض الصحف الجزائرية التي كانت تصلني متأخرة، ولاحظت أن بعض القوى الأجنبية لم تكتف باتخاذ إعلامها وسيلة لمقاومة المد الإسلامي الشعبي في الجزائر، بل جعلت ذلك سياسة ثابتة معلنة، وبدأت تدفع عملاءها لإنشاء أحزاب مصطنعة لتتخذها أداة للضغط على الحكومة الجزائرية ذاتها، وتحرضها وتدفعها دفعًا للتصادم مع الجماهير التي يزداد حماسها لجبهة الإنقاذ يومًا بعد يوم.. وكعادة القوى الأجنبية الظاهرة والمستترة بدأت تحرك بعض النساء اللاتي تعجبهن الشهرة التي يوفرها الإعلام الفرنسي والأجنبي عمومًا، ورسمت لهن خطة لإثارة الجزائريات المسلمات ضد الجبهة بل ضد الشريعة والعقيدة إن أمكن ذلك، وفوجئنا بالدعوة إلى مظاهرة نسائية بحجة المطالبة بحرية المرأة، وكان مخططو هذه الحركة يعلمون أن النساء في الجزائر لهن حق الانتخاب، وزينت لهم شياطينهم أن شعار حرية المرأة سوف يجتذب الناخبات نحو الأحزاب العلمانية الفرانكفونية، ولم تخف الحكومة الجزائرية والفرنسية تشجيعها لهذه الحركة النسوية الموجهة من الخارج، لكن استجابة النساء لها كانت ضعيفة إلى حد كبير، ومع ذلك خرجت وسائل الإعلام تهلل لهذه المظاهرة المحدودة، وتعتبرها دليلًا آخر على أن دعايتها ضد الإسلام والمسلمين سوف تضعف الحماس الشعبي لجبهة الإنقاذ كلما تأخر موعد الانتخابات البرلمانية، ولذلك فإن العناصر الموالية للقوى الأجنبية في الجيش والسلطة جعلت هدفها هو تأخير الانتخابات أو تعطيلها أطول فترة ممكنة أو إلى ما لا نهاية.
مظاهرة نسائية
ردا على هذه المظاهرة النسوية دعت جبهة الإنقاذ إلى مظاهرة نسائية للدفاع عن الشريعة وعن مبادئ الإسلام التي لاحظوا أن التشهير بها قد تجاوز جميع الحدود، وكان لهذه الدعوة أثر كبير في الرأي العام، حتى إن الشيخ سحنون قام بدور كبير في التشجيع لها، مما اعتبره البعض اعتذارًا عن معارضته للمظاهرة السابقة، واعتقد أن هذا التحول لم يكن مقصورًا على الشيخ سحنون، بل صار عامًا لصالح جبهة الإنقاذ، وذلك بسبب مغالاة السياسة الفرنسية والإعلام الأجنبي الذي لم يقتصر على التشهير بالجبهة، بل تجاوزه إلى التهجم على الشريعة وعلى قيم الإسلام ومبادئه وتاريخه كذلك.
فوجئ الإعلام الأجنبي والرأي العام الفرنسي هذه المظاهرة وخروج أغلب النساء المحجبات والسافرات للمشاركة فيها؛ لأن الشعار الإسلامي أصبح في نظر الجميع رمزًا للتحرر والاستقلال، طالما أن من يتصدرون للتشهير بها كانوا في نظرهم من اللادينيين والفرنكفونيين الذين يسمونهم «حزب فرنسا».
في الزيارة التالية للجزائر لاحظت أن الشيخ سحنون قد أصبح من أكبر المؤيدين للجبهة والمعجبين بصلابة قيادتها وشجاعتهم، وقال لي في أحد اللقاءات: إن عباس مدني منذ نشأته جريء وشجاع، حتى إنه كان أول من نفذ دعوة جبهة التحرير في أول نوفمبر عام ١٩٥٤م، وكانت مجموعته هي التي ألقت أول قنبلة على دار الإذاعة، وكانت هذه القنبلة هي فاتحة الكفاح المسلح في ثورة التحرير، وترتب على ذلك أنه اعتقل وسجن وبقي في السجن طوال مدة الثورة، ولم يخرج إلا بعد إعلان الاستقلال، وها هو ذا يسير في طريق الثورة الثانية للدفاع عن مبادئ الإسلام وأصالة الشعب وهويته، ضد قوى التبعية والإلحاد .
(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.