العنوان اتجاهات الصراع في تركيا العسكر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1982
مشاهدات 63
نشر في العدد 564
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 23-مارس-1982
الاعتراف بانقلاب إيفرين أمر مؤسف؟!
في كل انقلاب عسكري: فتش عن أمريكا!!
الذئاب الرمادية، ذراع سي آي إيه ضد اليسار.
أربكان، وجه الإسلام النقي في مواجهة العلمانية السوداء!
الغرب يوازن بين الديمقراطية والمساعدات الاقتصادية.
أكثر من ثلاثين منظمة إرهابية لليسار المتطرف.
لخصت مجلة «كاونتر سباي» المسألة التركية المعاصرة بهذه الكلمات، «إنه لأمر أكثر من مؤسف أن يكون هناك في تركيا، مرة أخرى، تعذيب من أجل الديمقراطية بينما تقف الولايات المتحدة ودول حلف الأطلسي «ناتو» على جنب «تصفق»!!
وأكدت الإيكونومست اللندنية هذا المعنى بقولها، «قد يكون الاعتراف بانقلاب إيفرين مؤسفًا، لكون التحالف الغربي يستمد قوته من التزامه بالمؤسسات الديمقراطية، وإنه يضعف أدبيًا عندما يطاح بحكومة دولة عضو منتخبة ديمقراطيًا... بالقوة!».
المعادلة الصعبة
هذه هي المعادلة الصعبة إذن: تركيا عضو في حلف الناتو، الذي يجمع دولًا ذات حكومات منتخبة ديمقراطيًا، بينما هي الآن تحت القبضة العسكرية وهي المفصل الأضعف تبعًا لذلك، في هذا الحلف الذي تدعمه الولايات المتحدة بقوة، وبينما يدعي الحكم العسكري أنه جاء لحماية الديمقراطية، إذا به يطيح بمؤسساتها ويعتقل رجالها، وتقع أعمال تعذيب واعتقال وإعدام، وفي الأنباء مؤخرًا أنه تم تنفيذ حكم الإعدام شنقًا فجر 13\3 في ثلاثة يساريين أدينوا بارتكاب أعمال عنف قبل انقلاب إيفرين في سبتمبر 1980م.
ويبلغ عدد المحكومين بالإعدام على هذا، ثلاثة عشر شخصًا بينهم يمينيان منذ بداية الحكم العسكري، وما تزال المحاكمات الجماعية جارية وهي تطال 1600 معتقل يساري، يطلب الادعاء العام الحكم عليهم بالإعدام.
ملاحقة العنف:
إذن تحت مظلة محاربة العنف والقضاء عليه، جاء العسكر التركي إلى السلطة للمرة الثالثة في تاريخ تركية الحديث «1960 – 71 – 80»، وفي تصوره أن منابع العنف ثلاثة، اليسار واليمين والاتجاه الإسلامي.
على الساحة اليسارية، يوجد ثلاثون منظمة يسارية سرية صغيرة على الأقل، أبرزها الحزب الشيوعي، وينشط اليسار في صفوف الأكراد أيضًا، أما اليمين فأبرز تنظيماته حزب «الحركة القومية» الذي يتحرك تحت شعار «ليحفظ الله الأتراك»!! وله جناح عسكري يدعى «الذئاب الرمادية» وهي قوى تصادمية من الفتيان والشباب، يتزعمهم جميعًا ضابط سابق في الجيش هو ألب أصلان توركيش.
وأما الساحة الإسلامية السياسية فيتصدرها حزب السلامة الإسلامي الذي يتزعمه البروفسور نجم الدين أربكان.
عودة صغيرة:
لو رجعنا قليلًا إلى بداية الانقلاب العسكري في 12\9\1980 لوجدنا أن الحجة التي سوغته في الدعوى بإنقاذ تركيا من الإرهاب والعنف وحسب تصريح زعيم الانقلاب نفسه إذ قال: إن حركة الجيش لم تكن انقلابًا كالذي يسطر عادة في كتب التاريخ ولكنها كانت عملية أجريت لإزالة التهديد عن ديمقراطيتنا!! «مجلة الجاسوس المضاد عدد مايو– يوليو 1918».
والواقع أن الإرهاب قد وصل حدًا لا يطاق بحيث كان يقع في اليوم الواحد ما معدله 20 شخصًا قتيلًا.
وبالإضافة إلى محاربة الإرهاب، كان هناك الوضع الاقتصادي المتردي حيث وصلت البطالة إلى أكثر من 25% ومعدل التضخم تجاوز 100% وكانت هناك المسألة الديمقراطية.
والآن؟!
ويرى الحكم العسكري الآن أنه قضى على الإرهاب، ففي مقابلة لوفيغارو الفرنسية مع الجنرال كنعان إيفرين رئيس الدولة، ورد قوله: «إن أمن الناس صار مؤمنًا من الآن وصاعدًا وقد استعاد شعبنا حياته العادية بسلام وثقة، ولكن نظرًا لموقف عدد كبير من الدول فإنه من غير الممكن إبعاد الإرهاب نهائيًا، فالإرهاب الدولي يزحف دون توقف من بلد لآخر»...
والجامعات والمدارس كانت بؤرة للفوضى والعنف والإجراءات التي اتخذناها أعطت ثمارها، نحن نحاول مواجهة الأيديولوجيا الماركسية بأخرى أكثر إنسانية ووطنية وهي الفلسفة الكمالية «فلسفة- أتاتورك!!»
الديمقراطية!!
يدعي الحكم العسكري أنه بصدد الإعداد للإصلاحات الدستورية الضرورية قبل العودة إلى النظام المدني، لكن خرق حقوق الإنسان الذي يصاحب هذا الإعداد يشوه سمعته في أوروبا وفي الولايات المتحدة، وقد تحدى بولنت أجاويد رئيس الوزراء السابق قرارًا عسكريًا يمنع السياسيين السابقين من الإدلاء بتصريحات سياسية، وأرسل بيانًا إلى الإذاعة الحكومية في 22\10\81 قال فيه «استنادًا إلى مفهومي للديمقراطية أجد أنني لا أستطيع حمل نفسي على الموافقة على النمط الحالي للحكم في تركيا أو على النظام المقبل الذي تعده الإدارة الحالية لتركيا»، وكان أن سجن على إثر ذلك، ثم أفرج عنه تحت الضغط الأوروبي حيث إن اللجنة الخاصة في دول السوق الأوروبية المشتركة ستبدأ بإعادة النظر في مشروع المساعدات المالية لتركيا الذي علق عندما اعتقل أجاويد!!
ويوحي الحكم العسكري بأن الإفراج عنه خطوة نحو انفراج داخلي يمهد للعودة إلى الديمقراطية.
وبالمقابل فإن رئيس الوزراء الحالي «بولنت أولوسو» يصر على القول: إن الحكومة ستواصل بحزم العمل على تحقيق الأهداف التي حددتها لنفسها من أجل إقرار الديمقراطية دون النظر لانتقادات بعض الدول أو رجال السياسة الأوروبية؟!
ماذا يعني هذا؟!
يعني هذا أن الحكم العسكري مستمر بإجراءاته رغم الانتقادات العالمية «الأوروبية خاصة» وحسب تصريحات أولوسو: إن بلادنا بدأت خطة من أجل تسوية مشكلاتها وسجلت تقدمًا ملموسًا في سبيل العودة إلى الديمقراطية التي يتطلع إليها الشعب التركي، وعلى مستوى النجاح في مكافحة الإرهاب فقد انخفضت النسبة من 22 قتيلًا يوميًا الى واحد فقط؟!!
ورغم أن إيفرين قد حدد الخريف القادم موعدًا لإجراء الاستفتاء الشعبي إلا أنه لم تتخذ أية خطوة لنشر القانون الذي سيتم استفتاء الشعب التركي على أساسه.
كل هذا لم يمنع الولايات المتحدة من دعم غير مشروط للحكم العسكري.
فتش عن أمريكا؟!
والحقيقة أن الكلام عن الدعم الأمريكي للحكم التركي ليس من باب الرجم بالغيب، ولا الظن والتخمين وإنما هو بالاستناد إلى الوقائع التي لا تخفى، فمنذ البداية، أتى الانقلاب بمباركة أمريكية.
تذكر الإكسبريس أن صحافيًا ندد بدعم واشنطن لجنرالات تركيا في مؤتمر صحفي لوزير الخارجية هيغ يوم 12 يناير، فرد هذا غاضبًا: أين ذاكرتكم؟! يريد بهذا أن يشير إلى ما كانت عليه تركيا قبل الانقلاب وتؤكد اللومند في إشارتها إلى «الصديق الأمريكي» أن البيت الأبيض أعلم مسبقًا بعملية الانقلاب فقد قام القائد الأعلى لسلاح الطيران بزيارة واشنطن قبل الانقلاب بفترة وجيزة، كما أن المناورات العسكرية للحلف الأطلسي كانت جارية يوم الانقلاب نفسه، وقبل هذا كانت اتفاقية دفاع مشتركة قد وقعت بين الطرفين في يناير 1980م.
واقع الأمر:
هذا الوضع دفع إلى الاعتقاد بأن الحكومة تركز ضرباتها ضد اليسار ويستدلون على ذلك بوجود 40 ألف سجين سياسي منهم «15» ألفًا ينتظرون المحاكمة وأغلبهم من المنظمات اليسارية التي تكاد تبلغ الأربعين، وهناك «52» نقابيًا يمثلون الآن أمام محكمة في أنقرة بتهمة الانتماء إلى منظمة ماركسية لينينية تحاول إقامة دكتاتورية بروليتارية عن طريق الثورة!!
وهذه المنظمة تعتبر ثاني منظمة في الأهمية ولكن مجلس الأمن الوطني الذي يرأسه إيفرين نفسه رد على هذا الاعتقاد بأن المجلس لا يستثني اليمين أيضًا من ضرباته.
وكما قلنا فإن أبرز أحزاب اليمين هو حزب الحركة القومية أو «العمل الوطني».
الذئاب الرمادية؟!
هذا الحزب الذي يرأسه توركيش الزميل السابق لإيفرين ولكن العدو اللدود له أيضًا!! وهو يواجه اليوم مع «219» من زعماء حزبه في المحكمة العسكرية احتمال إصدار أحكام بالإعدام ونحن نستبعد هذا، لأن هناك اتجاهًا في الصحافة الفرنسية يميل إلى الاعتقاد بأن أعمال «الحركة القومية» بما فيها «الذئاب الرمادية» الجناح العسكري الضارب فيها، مدعومة من قبل الولايات المتحدة، ففي عدد فبراير – أبريل 1982 من كاونتر سباي اتهام صريح لحزب الحركة بأنه نشأ في أحضان وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وذلك من خلال مقابلة مع الصحفي المستقل جورغين روث في فرنكفورت الذي كان قد ألف كتابين عن تركيا هما شريكنا تركيا، وجمهورية يحكمها الذئب الرمادي!!
وهو يقول: إن الاستعداد للانقلاب بدأ منذ 1974م على جبهتين:
الحرب المضادة ضد حرب العصابات حيث قامت سي آي إيه بحرب استنزاف ضد الأكراد.
الاغتيالات التي كان يقوم بها أعضاء الحركة القومية، وإنه لمعروف أن أعضاء بارزين منها كانوا يترددون على السفارة الأمريكية في أنقرة..
قضية أربكان:
تبقى الساحة الإسلامية ميدانًا للصراع مع الحكم العسكري، وهي الساحة الأعنف لأنها ضاربة الجذور في أعماق تاريخ تركية حيث يمثل حزب السلامة الوطني الإسلامي لوحة ناصعة البياض في تاريخها الحديث الذي لطخته الكمالية الخائنة للإسلام حين ألغت الخلافة وبدأت حملة التغريب العنيفة التي راح ضحيتها آلاف الناس- على سبيل المثال قتل عشرات الآلاف لرفضهم الانصياع للقانون الكمالي الجائر بحلق اللحية!!
ولذلك يتخذ الصراع بين الطرفين الآن أبعادًا واسعة لأنها تتصل بمسألة البقاء نفسه، وقد رأينا خلال السنتين الماضيتين طرفًا من هذا الصراع تمثل في محاكمة أربكان زعيم السلامة الوطني وإخوانه بلائحة اتهام وصلت إلى عشرين بندًا.
ولاحظنا كيف أن الحكم العسكري أفرج في أيامه الأولى عن كل السياسيين ماعدا أربكان الذي وضع في جزيرة معزولة عن العالم، وما يزال هذا المجاهد تحت المحاكمة.. وإن قضيته لتحتاج إلى بحث آخر مستقل.