; المجتمع التربوي: 1182 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: 1182

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996

مشاهدات 83

نشر في العدد 1182

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 02-يناير-1996

بر الوالدين

بقلم: عبد الرحمن اللعبون «*»

أعطى الإسلام اهتمامًا كبيرًا للجانب الأسري والمحافظة عليه وتقوية أواصره كي يبقى اللبنة الأساسية في صلاح المجتمع ونمائه، وأعمدة هذه الأسرة الطيبة المباركة هما الوالدان اللذان بهما تقوم الأسرة ومنهما ينشأ الجيل وبشأنهما نزلت الآيات الكريمة التي تبين عظم مكانتهما كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء:٢٣-٢٤)

كذلك بين لنا الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- أمرًا عظيمًا حين قال: «رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد»، حديث صحيح الأدب المفرد، باب قوله تعالى «ووصينا الإنسان بوالديه حسنا»، عن عبد الله بن عمر. الحديث الثاني، وحق الوالدين كبير لا يجازي كما يظن البعض بكلمة طيبة أو هدية قيمة أو قيام بواجب صغير ثم إنه قد قام بالبر على أكمل وجهه، رأي ابن عمر رجلًا قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا بن عمر أراني جازيتها؟ قال: ولا بطلقة واحدة من طلقاتها، ولكن أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرًا. 

ومن هنا فهم السلف هذا المعنى وضربوا لنا به أروع الأمثلة فهذا على بن الحسين يفعل أمرًا عجبًا فقد قيل له: إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك في صحفة... فقال: أخاف أن تسبق يدي يدها إلى ما تسبق عيناها إليه فأكون قد عققتها، وإن كان صدر الوالدين بما يحمله من حب ورحمة لأبنائهما يجعل الأبناء يمدون في التجاوز ويقدمون الزوجات والأصحاب عليهما، فإن ابن عون لا يطيق أن يسيء بشيء وإن لم تشعر به أمه فيقول: «نادتني أمي فأجبتها فعلا صوتي صوتها فأعتقت رقبتين، قالت حفصة بنت سيرين كان محمد إذا دخل على أمه لم يكلمها بلسانه كله تخشعًا لها. ودخل رجل على محمد بن سيرين عند أمه فقال ما شأن محمد.. يشتكي شيئًا...؟ فقالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه. وهكذا يتعلم الأبناء البر من آبائهم ويسير توريث الأخلاق الطيبة جيلًا بعد جيل فكان الهذيل بن حفصة بنت سيرين يجمع الحطب في الصيف فيقشره، ويأخذ القصب فيفلقه، قالت حفصة وكنت أجد قرة، فكان إذا جاء الشتاء بالكانون فيضعه خلفي، وأنا في مصلاي ثم يقعد فيوقد بذلك الحطب المقشر وذاك القصب المفلق وقودا لا يؤذي دخانه ويدفئني، نمكث ما شاء الله، قالت: وعنده من يكفيه لو أراد ذلك، قالت: وربما أردت أن أنصرف إليه فأقول يا بني ارجع إلى أهلك، ثم اذكر ما يريد فأدعه، وقال هشام بن حسان كانت للهذيل بن حفصة بنت سيرين لقحة، قالت حفصة: كان يبعث إليّ بحلبة الغداة فأقول يا بني إنك تعلم أني لا أشربه أنا صائمة، فيقول: يا أم الهذيل إن أطيب اللبن ما بات في ضروع الإبل أسقيه من شئت. وقيل لعمر بن ذر كيف كان بر ابنك بك...؟ قال: «ما مشيت نهاراً قط إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحاً وأنا تحته.

 وينقل سعيد بن جبير صورة من بره بأمه فيقول: لدغتني عقرب فأقسمت على أمي أن أسترقي، فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ وكرهت أن أحنثها... ويبقى بر الوالدين متصلًا بعد وفاتهما بالدعاء والاستغفار وما شرع في الأعمال مما يلحقهما بعد ارتحالهما، وبالمعاملة الطيبة لمن كانوا يقربانهم ويودانهم في حياتهما قال رسول الله: إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى (مختصر صحيح) مسلم كتاب البر والصلة باب من أبر البر صلة الرجل ود أبيه عن عبد الله بن عمر الحديث (١٧٥٩) وقال الشعبي «ما أدركت أمي فأبرها، ولكن لا أسب أحدًا فيسبها»، قال عروة بن الزبير ما بر والده من شد الطرف إليه...

(*) كاتب سعودي

طريق الأمناء لتحقيق الوفاء

تأكيد الإسلام وتشديده على الوفاء بالعهود

بقلم د.جاسم المهلهل الياسين

الإسلام دين الالتزام، يجعل المؤمن به ملتزمًا بتكاليفه كلها الصغير منها والكبير، متمسكًا بعروته الوثقى غير ناقض لأمر أبرمه الإسلام، وإلا أصبح مذنبًا يحيك الإثم في صدره ويضطرب في قلبه، فيضر بذلك نفسه، وقد يتعداه الضرر إلى الآخرين إن كان بينه وبينهم عهد أو ميثاق، ولذا جاء الأمر إلى المؤمنين ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَوۡفُوا۟ بِٱلۡعُقُودِۚ ﴾( المائدة:1) ليشمل كل عقد. ويدخل فيه كل عهد مادام مرتبطًا بالحق والعدل والمعروف، لا جور فيه ولا ظلم ولا منكر، لأن الالتزام بالعهود مسئولية تقع على عاتق الفرد، وعلى عاتق الجماعة على السواء. يحاسب المسلم عليها أمام الله يوم الدين فليست تبرأ ذمته إلا بالوفاء قال تعالى: ﴿وَأَوۡفُوا۟ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولًا﴾ (الإسراء: ٣٤). ﴿وَأَوۡفُوا۟ ٱلۡكَیۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُوا۟ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِیمِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ خَیۡرࣱ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِیلًا﴾ (الإسراء: ٣٥) ومع هذا التشديد في الالتزام بالعهود، نجد الإسلام يحارب الغدر أعظم الحرب، ويصم الغادرين بأشنع التهم التي يفر منها المسلم، تهمة النفاق، ويجعل الغادر مفضوحًا يوم القيامة على رؤوس الخلائق، ويقال: هذه غدرة فلان، كما أخبر بذلك رسول اللهﷺ، وقد أكد الإسلام على الوفاء بالعهد وشدد، لأن هذا الوفاء مناط الاستقامة والثقة والنظافة في ضمير الفرد وفي حياة الجماعة، وقد تكرر الحديث عن الوفاء بالعهد في صور شتى في القرآن والحديث سواء في ذلك عهد الله وعهد الناس وعهد الفرد وعهد الجماعة وعهد الدولة «عهد الحاكم وعهد المحكوم». وبلغ الإسلام في واقعه التاريخي شأنًا بعيدًا في الوفاء بالعهود لم تبلغه البشرية إلا في ظل الإسلام «في ظلال القرآن ٢٢٢٦/٤ - ط دار الشروق»

والوفاء بالعهود والالتزام بالمواثيق ورعاية العقود والوقوف عند حد الكلمة من أبرز الصفات الإسلامية، ومن أجلى وأحلى أخلاق المؤمنين. 

والمؤمنون الصادقون في هذا المجال لهم سبق لم يسبقوا إليه ولم يدركوا فيه وتاريخهم في الوفاء ليس له نظير، إنهم مضرب المثل في وفائهم والتزامهم.

امتلأ الكتاب الكريم بالتوجيهات السديدة، والأوامر القاطعة تحث المسلمين على احترام كلمتهم ورعاية عهودهم، وتنفيذ عقودهم «خطب الشيخ أحمد المحلاوي»، قال تعالى ﴿وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُوا۟ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُوا۟ۚ..﴾ (الأنعام:152). قال تعالى: ﴿وَأَوۡفُوا۟ بِعَهۡدِیۤ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِیَّـٰیَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البقرة:٤٠)

وقد جعل القرآن الكريم الموفين بالعقود من أولي الألباب بل جعل أول صفة من صفات أولي الألباب وفاءهم بالعهود وعدم نقضهم للميثاق، قال سبحانه ...﴿إِنَّمَا یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾ (الزمر:٩) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، ولا عجب أن يطلق الإسلام على الموفين بالعهود لفظة رجال التي تحمل معنى الهمة واليقظة وعلو العزيمة وقوة الشكيمة، وأن يجعل هؤلاء الرجال من المؤمنين الصادقين الذين لم يبدلوا عهدًا ولم يغيروا موثقًا حتى أتاهم اليقين قال سبحانه: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلًا﴾ (الأحزاب:23)

ولقد فاضت السنة المطهرة بالتربية والتسديد على أخلاق الإسلام ومنها الوفاء بالعهد واعتبار الخروج على هذه الأخلاق ضلالًا في الدين، ومن علامات النفاق، كما حدث الرسول الله ﷺ ... «وإذا وعد أخلف، وفي رواية، وإذا عاهد غدر»

والمسلم مطالب إذا قال كلمة أن يقف عندها، وإذا أبرم عهدًا أن يحترمه، وإذا عقد عقدًا أن يوفي به.

قال تعالى: ﴿وَأَوۡفُوا۟ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلۡأَیۡمَـٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِیدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَیۡكُمۡ كَفِیلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ (النحل:٩١)

ومواقف الرسول الله ﷺ العملية في وفائه بالعهود. وحفظه ورعايته للعقود عديدة سواء فيما يكون بينه وبين الأفراد، أو  فيما يكون بينه وبين جماعات المشركين

وأقواله في الوفاء وأداء الأمانات لأصحابها والنهي عن خيانة الخائنين معروفة سنقف عند بعضها -إن شاء الله- في موضعها من هذه الرسالة، والمهم أن الوفاء بالعهد لا محيص عنه في الإسلام، ولا مهرب منه مهما كانت الصعاب ومهما كان الوفاء بالعهد بعيد المغانم فادح التضحيات فلابد من المضي فيه وأداء حقوقه والتزام بنوده وليست هناك مندوحة، وليس هناك من سبيل للنكث فيه، والتراجع عنه، مهما كانت الأسباب والدواعي. وإن اقتضى ذلك سلب الحياة ذاتها، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِی نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَیۡمَـٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَیۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِیَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا یَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَیُبَیِّنَنَّ لَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَا كُنتُم فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ (النحل: (۹۲)

أي لا تتهاونوا في العهود، وتتجرأوا على نقضها، لتنالوا صفقة أكثر من صفقة، فتشبهوا من تغزل الخيط ثم تعود فيه فتتلفه. والوفاء بالعهود والعقود ليس قاصرًا على عهد دون آخر، فكل عهد التزم بالحق ولم يخرج عنه يجب الوفاء به، سواء في ذلك العهد الذي بين المؤمن وبين ربه أو العهد الذي بين المؤمن وبين إخوانه المؤمنين أو العهد الذي بين المؤمنين وبين المشركين في أمر معروف يقول الشيخ الغزالي والإسلام يوصي باحترام العقود التي تسجل فيها الالتزامات المالية وغيرها، ويأمر بإنفاذ الشروط التي تتضمنها وفي الحديث «المسلمون عند شروطهم» «أخرجه البخاري انظر خلق المسلم للغزالي».

ولاشك أن انتشار الثقة في ميدان التجارة وفي شتى المعاملات الاقتصادية أساسه افتراض الوفاء في أي تعهد. 

ويجب أن تكون الشروط المكتوبة متفقة مع حدود الشريعة، وإلا فلا حرمة لها، ولا يكلف المسلم بوفائها. وقد منح الإسلام عقد الزواج مزيدًا من الرعاية، فقال رسول الله ﷺ «إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج» ومن ثم فلا يجوز لرجل بنى بامرأة أن يغتال درهمًا من حقها، أو يستخف بالرباط الذي جمعه بها .

وفي الحديث: «أيما رجل تزوج امرأة -على ما قل من المهر أو كثر- ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها، خدعها، فمات ولم يؤد إليها حقها، لقي الله يوم القيامة وهو زانٍ! وأيما رجل استدان دينًا. لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه، خدعه حتى أخذ ماله، فمات ولم يؤد إليه دينه، لقي الله وهو سارق» «أخرجه الطبراني».

المجتمع التربوي

قطوف تربوية

فقة الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية

بقلم د. حمدي شعيب

عندما خلق الله -عز وجل- هذا الوجود الكبير، ثم خلق الإنسان للخلافة ولإعمار هذه البسيطة، كانت تلك رسالة للإنسان أنه لا يستطيع أن يعيش وحده، ولابد له أن يتناسق ويتوافق مع هذا الوجود الكبير، ولابد له أيضًا أن لا يفسر قضاياه بمنأى عن هذه المنظومة الواحدة.

وإذا كان الخالق -عز وجل- قد جعل لهذا الوجود سننًا ثابتة تنظم حركته وتضبط نظامه، فإن هذه السنن الإلهية من شأنها أن تنطبق على الحياة البشرية كما تنطبق على حركة الكون والأحياء جميعًا سواء بسواء، فهو ناموس واحد من خالق واحد للخلق جميعًا، أو هي وحدة التنظيم لوحدة الخلق.

وإذا تأملنا صفحة الوجود الكبير، وفي ساحته الكونية، لوجدنا أنه يتكون من مجموعات، أو لبنات لا حصر لها، وكل لبنة أو مجموعة تتكون من نواة وهي نجم ضخم ويدور حوله نجوم كثيرة أضعف منه، وهذه الوحدة أو المجموعة أو اللبنة الواحدة تسمى العنقود النجمي (۱) وتلك الوحدة أو اللبنة الكونية الواحدة يجمع مكوناتها علاقة قوية من التجاذب والارتباط بحيث إذا غابت تلك القوة التجاذبية بين النواة وهي النجم الضخم وبين أعضاء وحدتها وهم النجوم الأخرى لانفرط عقد الوحدة وتناثرت في ساحة الكون الكبير أشلاء، وتأمل أيضًا تلك العلاقة القوية بين أعضاء المجموعات الشمسية والتي يتكون كل منها من نواة وهي النجم وحولها أعضاء مجموعتها وهم الكواكب، ثم تدير أيضًا تلك العلاقة الارتباطية داخل أدق وحدة كونية وهي الذرة الواحدة ودورها في ربط وضبط الحركة بين مكوناتها وهي النواة والإلكترونات حولها.

وحدة البناء الاجتماعي

وفي مجال الأحياء الذرية والمجتمعات الذرية، نجد أن الوحدة المكونة لتلك المجتمعات وهي الأسرة تتكون أيضًا من نواة وهي الأب ويدور حوله ومعه مكونات تلك الوحدة الاجتماعية وهم أعضاء الأسرة، ويكون بينهما قوة تجاذب وارتباط

يتناسب معها طرديًا قوة وحيوية الأسرة.

 ولكل من القسمين دور في تعضيد وتقوية بل ووجود تلك القوة الارتباطية الأسرية، فإذا ضعف دور النواة وهي الأب كان هذا استعقاقًا، وإذا قصر بقية الأعضاء في دورهم كان ذلك عقوقًا. وبروز أى خلل كما يتمثل في ظاهرتي الاستعقاق والعقوق داخل الأسرة من شأنه أن يودي بها وبالتالي بالمجتمع ككل، لذا كان من واجب المصلحين أن يبادروا بعلاجه حتى لا يستفحل وتغرق السفينة بالجميع. 

وكذلك الأمر بالنسبة إلى أمر الدعوة وتحقيق منهجه سبحانه في الأرض، في أي زمان ومكان فإن ركائز أية دعوة هي ثلاث :المنهج والقيادة والجنود، والقيادة هي النواة التي يتحرك معها وحولها وبها جنود وأفراد الجماعة، والمنهج هو الذي يضبط العلاقة بين القيادة أو النواة وبقية أفراد الجماعة، والجماعة بدورها تتكون من وحدات بنائية صغيرة كل وحدة يديرها مسئول، يتبع تلك القيادة، وذلك كما فعل الحبيب ﷺ في بيعة العقبة الثانية عندما طلب من الأنصار تعيين وانتخاب اثني عشر نقيبًا ينوبون عنهم.

وقوة العلاقة بين المسئول والأفراد داخل كل وحدة صغيرة تتناسب معها طرديًا قوة تلك الوحدة وبالتالي قوة الجماعة.

وحدة التنظيم اللازمة لوحدة الخلق 

أما وحدة التنظيم اللازمة لوحدة الخلق فتعني بها تلك السنن الكونية -وهي القوانين العامة التي لا تحابي، ولا تجامل، ولا تتبدل ولا تتغير . التي جعلها الحق سبحانه قواعد ثابتة وضبط علاقات وأمور هذا الوجود الكبير وبالتالي العلاقات داخل أية وحدة بنائية سواء للكون أو للمجتمعات أو للدعوات والجماعات.

لذا فإنه من الضرورة بمكان أن نفهم الظواهر الدعوية والتربوية في ضوء فقه تلك السنن الإلهية، فلقد حثّنا الحق سبحانه أن نستخدم عقولنا، وذلك من خلال باب عظيم في الفقه، وهو «الفقه القياسي»، وذلك بأن نفقه بعض الظواهر المجهولة بالقياس إلى قواعد لظواهر معلومة، وذلك كما قال سبحانه بأن نؤمن بقضية غيبية، وهي وجود الحافظ أو الرقيب على كل نفس بالقياس إلى قضية محسوسة ومعلومة وهي وجود النجم أمام كل رائي ﴿وَٱلسَّمَاۤءِ وَٱلطَّارِقِ  وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ  ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِب إِن كُلُّ نَفۡسࣲ لَّمَّا عَلَیۡهَا حَافِظࣱ ﴾ (الطارق:4) (۲) 

وهي ظاهرة يتجلى فيها ضعف أو غياب القوة الارتباطية داخل أية وحدة بنائية، سواء في مجال الكون أو المجتمع أو في المجال الدعوي والتربوي، وذلك بأن تبرز روح التمرد في نفس التابع، مدفوعًا من خلال تقصير المتبوع. 

والمجال الذي يعنينا هنا هو المجال التربوي الدعوي، حيث يمكن لنا بحث وتفسير تلك الظاهرة التربوية الاعتلالية من خلال باب الفقه القياسي.

وفي بداية دراستنا لهذه الظاهرة السلوكية يجدر بنا أولًا -وببساطة- أن نبحث في منهجه سبحانه عن قواعد معلومة لظواهر معلومة مشابهة، ونعي كيف عالجها الحق جل وعلا، وبالتالي يمكن لنا بها تفسير تلك الظاهرة في أي مجال آخر.

ولو تأملنا في مجال الوحدة البنائية للمجتمع، وهي الأسرة، لوجدنا كنوزًا قرآنية وأنوارًا من وصايا الحبيب ﷺ تفسر «ظاهرة الاستعقاق» هذه، وتقرر أن الخطوة الأولى لحماية المجتمع هي ضرورة المحافظة على العلاقات الارتباطية داخل الأسرة، وهي القوة التي ينبني عليها قوة ووحدة الأسرة ومن ثم قوة المجتمع ككل، لأن المجتمع البشري منوط به إعمار الأرض والاستخلاف، وهي في حقيقتها مراعاة لأمر السنن الإلهية التي تضبط وتنظم حركة الخلق عمومًا.

مثال من القرآن

ويكفينا مثال واحد من القرآن الكريم يركز على أهمية الرؤية المستقبلية لمصير من يفرط في دوره وأمانته تجاه من يعول ويرتبط ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَیۡهَا مَلَـٰۤىِٕكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا یَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَاۤ أَمَرَهُمۡ وَیَفۡعَلُونَ مَا یُؤۡمَرُونَ﴾ (التحريم:٦) (۳). 

وكذلك لو تدبرنا وصاياه ﷺ، وذلك فيما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه حيث قال: أعطاني أبي عطية ولم ترض أمي حتى يشهد عليها رسول الله ﷺ فانطلق أبي إلى رسول الله ﷺ وقال له: إني نحلت ابني هذا غلامًا. -أى أعطيته عبدًا- فقال له رسول الله ﷺ: ألك ولد سواه؟ قال: نعم، قال رسول الله ﷺ أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال رسول الله ﷺ: فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور، يا بشير - أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال نعم، قال: فاذهب فارجعه، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك من الحق عليهم أن يبروك، ثم قال : اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (٤)

وتدبر هنا بعض الملامح التربوية وفاعلية كل فرد تقييمًا وتقويمًا لدور الوالد للمحافظة على كيان الأسرة والمعالجة ظاهرة الاستعقاق:

 ۱ - دور الفرد كما تلمحه في أمانة النعمان بن بشير رضي الله عنه في نقل

القضية كاملة، وبحياد فريد، إحساسًا بأن أي خلل سينعكس آثاره ونتائجه على الأسرة والمجتمع ككل، ولا يعنيه أية حساسية من هذا الموقف، لأن التجربة تعتبر ملكًا للأجيال.

 ۲ - دور الأم وهو الدور الرقابي للصف الثاني خلف الأب.

أ . حيث أعلنت عدم رضائها بهذا السلوك وهو موقف صريح يمنع أي انحراف تربوي ولو غير مقصود، فقد لا يظهر خطره إلا في المستقبل، ونستشعر في هذا الموقف أهمية الشجاعة والإيجابية في إبداء الرأي، ونستشعر أيضًا جو الحرية داخل الأسرة وكيف ينعكس أثره على مصالح الأسرة والمجتمع.

 ب . ثم في نصيحتها للأب بالعودة إلى استشارة القائد والمربي ﷺ في أمر حياتي شخصي يتبين مدى عمق فقهها ووعيها للمرجعية التي يجب أن يعود إليها الجميع في كل الأمور.

٣ - دور الأب كما يتضح في قبوله لنصيحة الأم يتبين مدى وأهمية تواضع المسئول، وأهمية أن يكون رجاعًا، فيدور مع الحق حيث دار، وتدبر مغزى كلمة «فانطلق»، وما من سرعة الاستجابة وسرعة التحرك. 

٤- دور القيادة الواعية: والممثلة في شخصه ﷺ

أ - أن يجد الأب وقتًا عند الحبيب ﷺ ليستشيره في أمور حياتية عادية، توضح أن القائد يجب أن يكون بيته مفتوحًا لأي فرد، وأن يكون صدره رحبًا ليسع الجميع بأحوالهم. ومشاكلهم، ولا يهمل أي خطأ، ولو كان بسيطًا، فالمسئوليات الكبيرة لا تمنع من الاهتمام بأمور الأفراد الحياتية الخاصة.

 ب . في استفساره ﷺ «ألك ولد سواه؟»  ثم قال في سؤاله: «أكلهم وهبت له مثل هذا؟» يتبين حكمة القيادة في تقصي أسباب الخلل وإحاطة الأمور من كل جوانبها قبل الحكم في أية قضية.

ج - في رفضه ﷺ أن يقبل مثل هذا الظلم أو الشهادة عليه تبرز صفتا العدل والتقوى كميزان يحفظ الحقوق.

د . في توضيحه ﷺ لعاقبة هذا الإجحاف في التسوية، يتبين بعد نظر القائد، وعمق رؤيته المستقبلية.

هـ . في أمره ﷺ «فاذهب فارجعه»، يتبين حزم القائد في المعالجة السريعة لأى خلل.

و . في توضيحه ﷺ لشرط عدل الأب في التسوية بين الأبناء مقابل برهم له، يتبين مدى التوازن في الحكم بين أداء الواجب قبل المطالبة بالحقوق.

ز. في تلخيصه وتقعيده للقضية في كلمات جامعة «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، وأهمية دور القيادة في وضع أسس ومبادئ أو معايير ثابتة من شأنها أن تحافظ على معالجة أي خلل مستقبلي أو ظواهر مشابهة.

فن إنتاج البر

لو تدبرنا نصيحته ﷺ الجامعة، في موضع آخر «أعينوا أولادكم على البر بالإحسان إليهم وعدم التضييق عليهم، والتسوية بينهم في العطية، من شاء استخرج العقوق من ولده» (٥) لتبين مدى اهتمامه ﷺ بتلك القضية، والتركيز على أهمية استمرارية المربي في معالجة الظواهر المرضية من كل جوانبها، والمتابعة الدائمة ضد عوامل الخلل والانحراف.

 ونستشعر مع هذه النصيحة بعض العوامل الجالبة للبر، وهي: 

أولًا : الإحسان إلى الأبناء، وما يلقيه في النفس من استشعار لجو الرفق والرحمة والود المطلوب داخل الأسرة.

ثانيًا: عدم التضييق على الأبناء، وأثر هذا العامل في النفس، من ضرورة إشاعة جو

الحرية والمرونة في العلاقات.

ثالثًا: التسوية في العطية وما يوضحه من أهمية إشاعة معاني العدل والتوازن والحيادية بل الإنصاف في كل شيء، خاصة العواطف قبل العطايا .

ثم تدبر مغزى: «أعينوا أولادكم على البر» أى أنه واجب على الأبناء ويحتاج إلى مبادرة إيجابية وإعانة من الوالدين، وتأمل أيضًا خطورة الخيار الأخير، والذي يأتي كصيحة إنذار وتحذير يلقى بالمسئولية أولًا على الوالد، فهو بيده الاختيار والمبادرة، وتدبر ظل كلمة: استخرج، وكأنها عملية شاقة يشارك فيها الوالد ولده في نزع ذلك الداء العضال.

 وفي الحركة الدعوية، وحتى تتواصل العملية التربوية، دون ظواهر تربوية اعتلالية، كان الأمر سواء بسواء، لذا فإن عملية استخراج العقوق التربوي والدعوي من نفوس الأتباع عملية مركبة وتحتاج إلى فاعلية الجميع، مع تكامل الأدوار وتفاضلها.

فإن كان للأفراد دور في التقويم، بأن يتصفوا بالأمانة والحيادية، والنزاهة، فلا

يستغل الفرص أحد للجور على حقوق الغير.

 وإذا كان للصف الثاني أو أعوان المربي دور أيضًا من حيث المحافظة على الحيادية والشجاعة في إبداء الرأي والوعي التام للمرجعية التي يجب أن تعود إليها كل الأمور

فتراجع وتحاسب الكبير قبل الصغير. 

وإذا كان للقيادة الدور الخطير في علاج مثل تلك الظاهرة، فهي المرجعية التي تتقصى الأسباب، وتعالجها، وترد الأمور إلى نصابها وعليها عبء المتابعة الدائمة.

فإن المربي هو حجر الزاوية، وعليه الدور الفعال والإيجابي، في عملية استخراج العقوق الدعوي من نفوس أتباعه، وأي تقصير من جانبه تكون عاقبته هي «ظاهرة الاستعقاق»، العميقة التأثير في النفوس، والخطيرة العلاج.

وعليه أن يحسن فنون التربية مع أتباعه وأحبابه، وأولها «فن إنتاج البر»، وذلك بأن يجتهد في:

  1.  أن يحسن إليهم ويرفق بهم، وينشر روح الود ويتجنب أسلوب التقريع الذي قد يعظم فيبلغ درجة تسقط الزلات.
  2. - وأن لا يضيق عليهم، خاصة في تعامله مع الآراء والأفكار والمواهب، وأن يشعرهم بأجواء الحرية والمرونة في التعامل.
  3. ثم وهو الأهم، بأن يعدل في العطية بين الأفراد، خاصة العواطف، وفي التكاليف، وقبول الآراء، فلا يركن إلى رأي بعينه ويمنح صاحبه من الوقت وسعة الصدر والمحاباة والقبول ما لا يعطيه لغيره، حتى في الزيارات، وإذا اعتبرنا أن هذا هو مكمن الخطر، وأساس زرع ذلك الداء العضال في النفوس، فإن الأخطر منه قد يأتي عندما يستشعر الآخرون هذا الميل وساعتها لن يسمع أقل من رأي أفضل إخوة وهم إخوة يوسف عليه السلام في أكرم نبي وخير والد، عندما آلمهم ميل والدهم إلى يوسف عليهما السلام فأعلنوها صريحة :﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینٍ﴾ (يوسف:٨) (٦)

ثم على المربي أيضًا أن يكمل هذا الفن التربوي بفن آخر يرتبط به ويتلازم معه، بل وينتج عنه ألا وهو «فن استخراج العقوق» والخطر الأكبر أو المسئولية العظمى أن للمربي الخيار في أن يجيد هذه الفنون التربوية، فهي في الأصل مسئولية تبدو في ظاهرها أنها اختيار «فمن شاء استخرج العقوق من أتباعه» .

الهوامش

١ - (صناعة الحياة: محمد أحمد الراشد٢ )

٢- الطارق (٤١)

٣- (التحريم (٦).

٤ - (أخرجه البخاري في صحيحه). 

٥- (رواه الطبراني في الأوسط).

٦- (يوسف (۸)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

173

الثلاثاء 24-مارس-1970

الرياضة كما نفهمها

نشر في العدد 114

75

الثلاثاء 22-أغسطس-1972

الشباب(114)