العنوان فحيح الأفاعي.. في الصحافة الكويتية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
مشاهدات 63
نشر في العدد 945
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
«اليسارية» في كتابات بعضهم.. غطاء
للشعوبية والباطنية
إن المتتبع للصحافة الكويتية.. يفاجأ بين الحين والآخر.. بقلم هنا.. أو كاتب
أو كاتبة هناك.. يطرح أفكارًا مسمومة أو يروج لمقولات مغلوطة.. أو يفتئت على الدين
وأهله.. أو يسخر من الأخلاق والفضائل، أو يشكك في الإسلام.. أو يحاول تثبيط
المجاهدين والفاعلين للخير.. وغير ذلك من كتابات تصدر عن جهل وعدم تحقق، أو عن غرض
مشبوه.. وبدفع جهات مخربة تريد الهدم والتدمير، ولا يناسبها أن ترى مجتمعًا
منسجمًا مع الإسلام فاعلًا للخير ملتزمًا بالخلق القويم.
لقد جعل البعض همهم الفاعل.. وشغلهم الشاغل.. تتبع الإسلاميين والحركة
الإسلامية وتصيد الأخطاء ومحاولة تضخيمها أو إساءة تفسير المواقف حتى ولو كلمة
لخطيب في مسجد أو كاتب في صحيفة.
وتراهم يركزون على بعض الآراء الفرعية والمواقف الشاذة، ويريدون ربطها
بالدين وبالجماعات الدينية -على حد زعمهم- مدعين أن هذا هو رأي الإسلام، وهذا هو
كل ما تدعو إليه هذه الجماعة أو تلك.. متناسين الجوانب الإيجابية المشرقة،
والمقولات الأساسية والإنجازات العملية.
يدافعون عن الماسونية والصهيونية
لقد حاول بعضهم أن يركب موجة الإسلام ويندس وسط الإسلاميين فلم يفلح.. وذهب
بعض هؤلاء إلى أمريكا.. وبدأ من هناك حملة هجوم منظمة ضد الحركة الإسلامية على شكل
حلقات ما لبث أن أصدرها في كتاب بعد أن عاد، ثم استمرأ المهمة.. ولاحظ قراؤه أن ما
يكتبه من أسلوب وما يرجع إليه من مراجع ومعلومات فوق طاقته.. ولابد أن وراءه من
يمده ويوجهه ويأبى الله إلا أن يكشفه.. حين أفلس.. فانبرى -أخيرًا- يدافع عن
الصهيونية والماسونية بحرارة.. وينتقد تركيز الحركة الإسلامية وكتابها على تعرية
باطل هاتين الحركتين وأمثالهما وفضح مؤامراتها.
وبالطبع فإن القراء ليسوا من الغباء بحيث يخدعهم قناع يساري مهلهل يخفي
وراءه حقدًا شعريًّا باطنيًّا ينضح من بحر لا حد له!
وليس القراء كذلك من السذاجة بحيث يغرهم راية اليسار يرفعها الرأسماليون فوق
مؤسسة رأسمالية لمجرد أنها أتاحت لبعض المقولات الشاذة أن تنشر من خلالها ويتبنى
أصحابها الفكر اليساري أو الماركسي أو غيرهما.
وليس بعيدًا عن أذهاننا تلك الكاتبة التي دعت -صراحة- لإباحية الزنا وإطلاق
علاقة الرجل بالمرأة بحجة الحرية والعلاقات الطبيعية. وقد تعرضت لها «المجتمع» من
قبل. وكذلك تلك الكاتبة التي انتقدت تعدد الزوجات متذرعة بأنه إذا كان الرجل
يستطيع معاشرة أربع زوجات فإنها -كما قالت- مستعدة لمعاشرة مائة رجل. وبالطبع لا
نريد أن نفصل عن توجهات مدرسة نوال السعداوي التي دعت هي «وجوقتها» في مؤتمر نسوي
في نيروبي مؤخرًا إلى إباحة تعدد الأزواج كرد على تعدد الزوجات في الإسلام، وأن
تلك «المخرفة» وأمثالها تلقى في صحافتنا كل تشجيع وترحيب.
وكم طالعنا في الصحف أعاجيب لا يكاد يحصرها العد.. ويتعذر تتبعها جميعًا..
فالهجوم على العلماء والعاملين للإسلام والتشكيك في الجهاد الأفغاني ومهاجمة رموزه
ومحاولات التعتيم على المجاهدين المسلمين في فلسطين كحماس وغيرها.. والدفاع عن
الربا والمعاصي والتشنيع على من يرفض الربا واتهامه بالعمالة للبنوك الإسلامية
وغيرها، والتشكيك في التوجهات العملية الإسلامية وإن نجحت والتهوين من شأنها وغير
ذلك.. حتى إن صحيفة -كل أصحابها مسلمون- شككت في بعض مقولات قادة الجهاد الأفغاني
عن الشهيد المرحوم عبدالله عزام ولم تصفه بوصف الشهيد.. بينما كانت تكتب بالعنوان
العريض وفي نفس الصفحة عن شخص آخر مغدور وهو نصراني.. لكنها تصفه بالشهيد حتى في
العنوان وتمجده كل تمجيد.. وكاتب آخر يدافع عن فرنسا وتزويدها لدولة اليهود ببعض
المعدات التقنية.. ويشنع على المنكرين عليها.. بحجة أن أمريكا أعطت للدولة
الصهيونية أكثر! والانتقاد موجه بالطبع للجميع.
ولا نريد أن نتتبع تلك التيارات والسخافات بالتفصيل.. وإن كان كثير ممن
يكتبونها اقتحموا مواقعهم بغير حق.. ودفع بهم لأماكنهم -ربما- ليقولوا ما يقولون..
وليقفوا بالمرصاد لكل ما هو إسلامي وأخلاقي يغمزون به وبأصحابه بمناسبة وأحيانًا
بدون مناسبة.. وإن كان كثير من أولئك الكتاب ما كانت تستقيم لهم جملة صحيحة من لغة
العرب لولا -كما ذكر كاتب مؤخرًا- جيش من المصححين اللغويين في الخنادق الخلفية..
ولولا ظروف معينة.. ما استحق أن يمسك القلم منهم إلا القليل.
نموذج «مريض»
ولنتتبع -كمثال- نموذجًا من نماذج «الفحيح المشبوه»
قريب عهد بنشر في أحد الملاحق وبقلم كاتبة يبدو أنها لا تزال تعيش في أوهام
الماركسية وأحلام اللينينية.. التي انهارت في بلادها وتبرأ منها أساتذتها ومصدروها
ومنظروها، وانكشفت عوراتهم وعوراتها وحملوها كل مآسي الماضي وفشله وإحباطاته.
إن الكاتبة المذكورة تحاول أن تشيد بكاتب مغربي كتب بالفرنسية ثم بالعامية
الجزائرية، وهي تشيد بالعامية كما يفعل تيار الهدامين المعروف.
وفي مقالها الذي سمته «مساحة فارغة للتعصب» والواضح من عنوانه موقف التهجم
«الجاهز» على الشباب المسلم بغض النظر عن تشدد بعضهم لكنها لا تقف عند حد.
تبدأ الكاتبة مقالها بعبارة للكاتب الجزائري الراحل كاتب ياسين وتعتبرها
نبوءة لما حصل من بعد من صدامات في الجزائر.. وتستغل الفرصة لتصم الشباب المسلم
المطالب بالتغيير والذي ربما يعود لبعض مطالباته جزء كبير من الفضل في الانفراج
الأخير في الجزائر والتوجه للتعددية التي استفاد منها الجميع وليس الإسلاميون
وحدهم.
لكن صاحبتنا تصم الإسلاميين -أو ربما بعضهم- بأنهم عاطلون يائسون وبأنهم قوى
التعصب، لكنها لا تقتصر في تحليلها أو تهجماتها على تلك الحادثة الخاصة أو الفئة
المعينة.. بل تتجاوز ذلك إلى تعميم الوضع بشكل شامل حيث تدعي أن منطقتنا جرى فيها
بأشكال مختلفة «محاصرة قوى التقدم وكبح الثقافة الجديدة»! هل تريد الكاتبة
اللوذعية أن نذكرها بما تعرض له الإسلاميون وفكرهم من محن عصبية لا توصف وأن نقارن
بينها وبين ما تدعي من مواجهة لما تسميه قوى التقدم؟ فلا تكاد تبلغ معاناة هؤلاء
1% مما عانته القوى الإسلامية وفكرها.. مع الفارق أن الفكر الإسلامي بناء.. والفكر
الآخر أكثره هدام.. إنها تصم الإسلام -وبدون تسمية واضحة- بكل نقيصة خطرت على
بالها.. وتتهم الجماهير في وجدانها وعواطفها لأنها إسلامية وتصف التوجه الجماهيري
للإسلام أو الصحوة الإسلامية -إن صح التعبير- بأنه وعي زائف.. وسببه في نظرها أن
الجماهير غارقة في الأمية والبؤس، وكأنها تتعامى عن اكتساح الإسلاميين للجامعات
والمجالس والنقابات وأوساط المثقفين في طول العالم العربي والإسلامي وعرضه!
وتدعي لجهلها وضحالة ثقافتها أن هناك شيئًا سابقًا للأديان السماوية، ولعلها
لا تعلم أن آدم أبا البشر عليه السلام كان نبيًّا رسولًا، وكان مبدؤه ونظامه دينًا
سماويًّا كذلك!
ولعلها تتعاطف مع دين جديد لا نعرفه.. تقول: إن كاتب ياسين كان يبشر به
ولذلك قام خصوم التقدم بملاحقة ما أسمته بالثقافة الجديدة وتضييق الخناق عليها،
وتندد بالرقابة على السينما والمسرح وكأنها تريد لهما أن يكونا أكثر هدمًا
وانحرافًا وإباحية وانحلالًا!
إنها تصف الرقابة بأنها «إشهار لسيف الإلحاد» بوجه السينما والمسرح، أمام ما
أسمته «بالجماهير البائسة الأمية التي طالما تعلقت بالدين كملاذ...» ومنطوق مفهوم
المخالفة يقول: إن الجماهير لو كانت مثقفة و«ربما برجوازية غير بائسة» لتركت الدين!
إنها تدعي أن كثيرًا من بلدان العالم الثالث «تمنع قوى التقدم من العمل
والتعبير فيملأ المتعصبون الساحة وتفرخ قوى الظلام والارتداد «هكذا» أشكالًا
متزايدة من التعصب».
ثم تقدم نصائحها البالية قائلة: «ولعل القائلين بانعدام الحاجة للعلمانية في
البلدان الإسلامية أن يعيدوا النظر في مقولتهم في ضوء النتائج المأساوية التي
قادتنا إليها مختلف النظم الدينية والطائفية، والتي هي -بالضرورة- نظم معادية
للحريات يصادر كل منها بطريقته قوى التقدم ويغلق دونها أبواب التعبير والعمل»..
وتكرر مقولاتها بمرض أشبه بالهذيان.. ولا تجد مثلًا تضربه للدولة النموذجية
الديمقراطية العلمانية إلا الهند.. وتتصامم وتتعامى عن مئات أو عشرات الضحايا من
المسلمين الذين يسقطون هناك بسبب التعصب للأوثان والحجارة والمعابد.. وبمشاركة
أدوات السلطة وجنودها.
ولا تجد مثلًا تضربه لكفاح الدين ضد الاستبداد إلا قساوسة اللاهوت في أمريكا
اللاتينية الذين وصفت عملهم بأنه «أفضل وأعمق محاولة جرت في تاريخنا الحديث»
وتقول: إنهم يقومون بعملهم «بشرف واستبسال».
وكأنها ليست من هذه الأمة.. تتنكر لتاريخها وأمجادها.. وتنكر قوافل شهدائها
الذين سقطوا في مقاومة الظلم والظالمين -عبر التاريخ- ومازالوا يقاومون الظلم إلى
اليوم.. ولطالما كانوا وقود حركات التحرر والاستقلال.. من الجزائر إلى المغرب إلى
أرتيريا إلى بلاد الشام.. وغيرها.. ومازال الكثير منهم يسقطون شهداء في مواجهة
الصهاينة يوميًّا في فلسطين.. تحت راية «لا إله إلا الله» فهل معارضة قساوسة
اللاهوت اللاتين لحكومة السلفادور مثلًا.. أعظم من كفاح هؤلاء؟!
إنه المرض.. والتعصب الصليبي.. والحقد الهدام.. ليس غير.. ولكن لحسن الحظ
أنه قلم مستورد كذلك ليس منا ولا فينا.
وهذا نموذج من نماذج الأفكار الموجودة والمقولات السقيمة الغثة التي تتسرب
إلى صحافتنا، وتفرض على قرائها.
نعم للبناء.. لا للهدم
في الوقت الذي تغلق كثير من تلك الصحف أبوابها أمام الفكر البناء الجاد
والقلم الهادف الشريف المنتمي للأمة والوطن «لا للشرق أو للغرب».
نحن لسنا ضد النقد البناء الإصلاحي.. ولا ندعي أن الناس ملائكة لا يخطئون..
لكن إصلاح الخطأ وانتقاده شيء.. والهدم الحاقد المدمر شيء آخر.
ثم إننا كذلك لسنا مع فتح الباب لكل ما هب ودب من مقولات سقيمة، وتهجمات
سخيفة وهذيان محموم و«سلح» حاقد.. وخاصة ضد الإسلام ودعاته وضد الأخلاق والفضائل.
وإننا لنرجو بالمقابل أن تفتح صحافتنا صدرها واسعًا للتحليل الإسلامي الواعي.. والفكر الإسلامي الراشد، وخاصة الفكر السياسي الأصيل الذي ينطلق في تحليلاته من وجهات نظر واضحة، ولذلك كثيرًا ما يصيب كبد الحقيقة.. ويصدق أكثر من بعض التحليلات والتنظيرات الأخرى التي تنطلق من منطلقات مختلفة كثير منها ظني أو مصلحي أو مستعار وتقليد.