; الثورة المصرية .. من الشوارع والميادين إلى لجان التصويت | مجلة المجتمع

العنوان الثورة المصرية .. من الشوارع والميادين إلى لجان التصويت

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1945

نشر في الصفحة 36

السبت 26-مارس-2011

  • الاستفتاء على التعديلات الدستورية أول ممارسة ديمقراطية حقيقية تتم بروح جديدة..جاءت بعد أن تأكد الناخب أن صوته أصبحت له قيمة وأنه لن يتم تزويره.
  • كانت معركة الاستفتاء أول اختبار قوة جماهيري نجح فيه الإخوان ومعهم مختلف الاتجاهات الإسلامية في مواجهة التوجهات الليبرالية واليسارية وفي مواجهة الكنيسة..  وسيكون لهذا الاختبار آثاره في المرحلة المقبلة.

لا يزال الشعب المصري يفجر طاقاته، ويقدم مفاجآته للعالم، ويبدع في تقديمها بطريقة حضارية فريدة.. فقد حمل يوم السبت ۱۹ مارس مفاجأة جديدة، حين خرج المصريون بالملايين، لا ليتظاهروا في الشوارع والميادين، أو يطالبوا بإسقاط نظام أو رحيل رئيس، ولكن ليقفوا في طوابير طويلة ممتدة، بصبر ودون ضجر أو تذمر، ليشاركوا في بناء المستقبل، بالاستفتاء على التعديلات الدستورية.

وعلى الرغم من أن التعديلات أثارت انقسامًا واسعًا، وتسببت في استقطاب حاد بين مؤيد ومعارض؛ إلا أن عملية التصويت اتسمت بالهدوء الشديد، ومرت دون حوادث تذكر.

أعداد الخارجين للتصويت فاقت كل التوقعات، بما في ذلك توقعات اللجنة المشرفة على الاستفتاء التي اضطرت لطبع أكثر من مليون ونصف مليون ورقة إضافية، وحتى ضاقت صناديق التصويت بالأوراق، واضطرت اللجان لوضع الأوراق في كراتين لحين وصول صناديق إضافية.. وطوال اليوم كانت حركة المرور في الشوارع تشهد كثافة غير عادية؛ فالكل يتجه صوب مقار لجان التصويت، وكان مشهد الطوابير الممتدة لمئات الأمتار يمثل مفاجأة للجميع، ويظن بعض الناخبين أن الأمر متعلق بلجنة بعينها، فيتجه إلى لجنة أخرى، لأن الناخب لم يكن مقيدًا بالتصويت في اللجنة المسجل بها وفق الجداول الانتخابية، وحين يجد الزحام نفسه في كل اللجان يقف في الطابور أكثر من ساعتين.

وحين جاء موعد إغلاق اللجان في السابعة مساءً، احتشد الجمهور خارج الأبواب يرجون القاضي المسؤول عن اللجنة أن يتيح لهم الفرصة للدخول.

هذه الروح الجديدة لأول ممارسة ديمقراطية حقيقية جاءت بعد أن تأكد الناخب أن صوته أصبحت له قيمة، وأنه لن يتم تزويره أو تبديله، وأنه يستطيع أن يقرر ما يشاء دون خوف أو متابعة، أو «بلطجة».

المشهد فضح الزيف والتزوير الذي مارسه النظام البائد، فرغم هذه الحشود الهائلة التي شاركت في الاستفتاء؛ كانت نسبة التصويت 41%، أما انتخابات مجلس الشعب التي جرت قبل أشهر، والتي شهدت إقبالًا ضعيفًا لا يتجاوز 10% ممن شاركوا في الاستفتاء، فقد ادعى النظام أن نسبة التصويت فيها كانت 35%.

وقد صوّت أكثر من 77% من المشاركين الصالح التعديلات الدستورية، وهي نسبة «كاشفة»، تحمل دلالات خطيرة.. فقد شهدت الأجواء التي سبقت الاستفتاء انقسامًا واضحًا وحادًا في الرأي، بين من يؤيدون التعديلات الدستورية وما يلي ذلك من إجراءات، ومن يرفضها وما يستتبع الرفض من إجراءات...وتركز الانقسام حول ثلاث قضايا :

1-الدستور: ورغم أنه لا خلاف بين من أيد التعديلات الدستورية ومن عارضها على ضرورة وضع دستور جديد، إلا أن المؤيدين رأوا أنه لا مانع من الأخذ بالتعديلات لحين إعداد الدستور، في حين تخوف المعارضون من عدم وجود ضمانات لتحقيق ذلك.

2-موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية: فهناك من يؤيد سرعة إجراء الانتخابات لتسريع نقل السلطة من الجيش إلى جهة مدنية منتخبة، في حين يرى آخرون تأجيل الانتخابات لحين استعداد الأحزاب والقوى السياسية القائمة والناشئة لها. 

3-أيهما تسبق؛ الانتخابات البرلمانية أم الرئاسية؟ وقد كانت هناك قواسم مشتركة بين القضايا الثلاث.. فمؤيدو التعديلات الدستورية-وهم في الغالب-من أصحاب أسلوب الإصلاح التدريجي والعمل بطريقة «خطوة.. خطوة»، يرون التعجيل بالانتخابات، وأن تجرى الانتخابات البرلمانية أولًا. 

واختار «نعم» من نظروا في التاريخ واستخلصوا منه الدروس، ورأوا أن الإسراع في سد الفراغ الدستوري، وتسريع تسليم المجلس العسكري للسلطة، ورفع حالة الطوارئ أهداف عظيمة ينبغي المسارعة لتحقيقها، كما رأوا أن مصائر الشعوب لا تحتمل المجازفة بترك السلطة فترة طويلة بيد الجيش. 

ولهذه الأسباب وغيرها، اختار الإخوان المسلمون أن يقولوا «نعم»، ومثلهم تيارات إسلامية عدة؛ كالجماعة الإسلامية، والسلفيين، كما كان ذلك اختيار قطاع عريض من الشعب يطلب الاستقرار والأمان.

وفي المعسكر المقابل، كان بعض الرافضين للتعديلات من المنتمين إلى أكثر من اتجاه؛ ففيهم أصحاب الفكر الانقلابي أو دعاة «الحصول على كل شيء أو لا شيء»، وفيهم ذوو الاتجاهات اليسارية، وفيهم أحزاب وشخصيات ليبرالية، وفيهم الأغلبية الساحقة من المسيحيين الذين يرغبون في فتح ملف الدستور الجديد لحذف المادة الثانية منه والخاصة بدين الدولة ومصدرية الشريعة؛ وفيهم المتوجسون والمتخوفون من حدوث تلاعب أو خدعة، وهم مع تأجيل الانتخابات بشكل عام، كما يطالب فريق منهم بإجراء الانتخابات الرئاسية أولًا. 

وقد اختارت الأحزاب التي أربكتها الثورة، أن تقول «لا»، حتى تتاح لها فرصة لالتقاط الأنفاس، لأن «لا» تعني تأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي تهاب المشاركة فيها الآن بعد غياب الحجة التي تحججت بها سنوات طويلة، وهي أن النظام يزور الانتخابات ضدها. 

كما اختارت «لا» الأحزاب التي كان النظام يزور الانتخابات لصالحها، وتخشى افتضاح أمرها .

واختار «لا» أيضًا من لديهم تطلعات للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، ويرغبون في الحصول على فسحة أكبر، وهؤلاء اختاروا أيضًا تأجيل تسليم السلطة لجهة منتخبة، سواء مع بقاء السلطة بيد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو تسليمها المجلس رئاسي غير منتخب، لا يملك صلاحيات شعبية.

عيب الإخوان أنهم جاهزون

وأكثر من قالوا «لا» للتعديلات الدستورية، دافعهم المعلن أو غير المعلن، التخوف من جاهزية الإخوان المسلمين للانتخابات، ويبدو أن الإخوان مضطرون دائمًا لدفع ثمن ضعف الآخرين.. فقد وجه النظام البائد ضربات شديدة القسوة للإخوان، فيما كان الآخرون إما يعيشون حياة الدعة والراحة، أو يتمتعون بدعم النظام، ومع ذلك استطاع الإخوان- بفضل الله-الثبات في مواجهة البطش الحكومي بل التقدم وكسب مواقع جديدة، فيما تهاوى الآخرون الذين يرفعون أصواتهم الآن بالصراخ خوفًا من الإخوان! وقد قرر الإخوان من باب تحملهم للمسؤولية تحجيم دورهم طواعية وعدم المنافسة إلا على قرابة ثلث مقاعد البرلمان، وعدم تقديم مرشح للرئاسة، ومع ذلك لا يزال الآخرون يصرخون، بل إنهم يقبلون بحكم عسكري، مخافة دورٍ قرر الإخوان أن يتركوه الآن.

كما يتخوف هؤلاء من وجود محتمل لبقايا «الحزب الوطني»، رغم أن الحزب-على الأرجح-لن تقوم له قائمة، وإن استمر بعض من دخلوا عالم السياسة عبر بوابته في ممارسة بعض الأدوار تحت مظلة أو مظلات أخرى أو كمستقلين، لكن دون أن يجرؤوا على رفع شعارات الحزب.

ولأن البرلمان الجديد سيقوم باختيار لجنة الدستور، فإن هناك تخوفًا من أن الدستور الجديد سيعكس إرادة هذين الطرفين، وبالذات كتلة الإخوان التي لن تتنازل عن التمسك بالمادة الثانية من الدستور التي تنص على أن «الإسلام هو دين الدولة، وأن أحكام الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع»، وهنا ينكشف أحد أسباب تلك الحملة الداعية لرفض التعديلات الدستورية وتأجيل الانتخابات، فبعض دعاة الرفض والتأجيل يريدون دستورًا جديدًا خاليًا من تلك المادة.

ومنذ إعلان الإخوان المسلمين عن موقفهم من التعديلات الدستورية؛ اشتعلت الحملة ضدهم في الإعلام المملوك للدولة وبخاصة الصحف المسماة بالقومية، والإعلام المستقل، مع التركيز على الربط بين الإخوان وبقايا الحزب الوطني؛ عدو الثورة ورمز الفساد السياسي والاقتصادي، بعد أن أعلن أمينه العام تأييده التعديلات الدستورية. 

وتجاوزت الحملة ضد الإخوان حدود الصدق، فادعى بعضهم عليهم أنهم أفتوا بوجوب التصويت بـ«نعم»، أو أن «نعم» تعني الجنة، و«لا» تقود إلى النار، أو أن الإخوان حاولوا رشوة الناخبين وشراء أصواتهم. 

ورغم أن الكنيسة المسيحية كان لها دور بارز في حشد المسيحيين للتصويت ضد التعديلات الدستورية؛ فإن أحدًا لم يتعرض لدورها .

كما تجاوزت الحملة حدود المنطق، مثل الادعاء بوجود صفقة بين الإخوان والجيش، أو الدعوة بـ«لا» لمجرد أن الإخوان سيصوتون بـ«نعم» ! أو بوجود تنسيق بين الإخوان والحزب الوطني. 

وزعم أحد المنشورات أن من يؤيد التعديلات هم الإخوان المسلمون وبقايا الحزب الوطني فحسب، بينما وضع في خانة الرافضين رموزًا كثيرة؛ قانونية ودينية وكتابًا، ومعهم ائتلاف شباب الثورة وأهالي الشهداء.

وظلت الحملات الإعلامية تحاول ضرب صورة الإخوان لصرف الناس عن تأييد موقفهم، حتى جاء يوم التصويت وأظهرت المؤشرات الأولية وجود اتجاه شعبي قوي لتأييد التعديلات، فعاد هؤلاء ليقولوا: إنه ليس صحيحًا أن كل من أيد التعديلات هو من الإخوان أو من مؤيديهم، وأن هناك قطاعات كبيرة أيدت التعديلات بحثًا عن الاستقرار، واقتناعًا بجدوى ذلك الاختيار. 

وأيًا ما كانت الأسباب والمبررات المعلنة؛ فمن المؤكد أن معركة الاستفتاء كانت أول اختبار قوة جماهيري، نجح فيه الإخوان ومعهم مختلف الاتجاهات الإسلامية في مواجهة التوجهات الليبرالية واليسارية وفي مواجهة الكنيسة التي تصر على اتخاذ مواقف متعارضة مع التوجهات الإسلامية.. وسيكون لهذا الاختبار آثاره في المرحلة المقبلة .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية