; المجتمع التربوى (1740) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوى (1740)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 24-فبراير-2007

مشاهدات 56

نشر في العدد 1740

نشر في الصفحة 52

السبت 24-فبراير-2007

الأخوة الربانية لها ثمرتان طيبتان: حلاوة الإيمان والرقي السلوكي.

الحسن البصري: أهلونا يذكروننا بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة. 

آخى النبي r بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مُتَبَدِّلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال له: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا فقال له سلمان، إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي r فذكر ذلك له، فقال النبي r: «صدق سلمان»([1]).

د. حمدي شعيب

فتدبر المعاني الطيبة والدروس التربوية الراقية في هذه القصة، فهي - بالإضافة إلى الدرس الكبير الذي أورده الإمام النووي في «رياض الصالحين» تحت «باب الاقتصاد في الطاعة» - فإنها تفتح آفاقًا تربوية أخرىمثل:

١-رؤية الحبيب r حول أهمية بناء مجتمعه الوليد على الأخوة لتكون مع الإيمان ثنائية التأسيس لبناء أي حركة نهضوية تريد أن تضطلع بالأمانة.

۲-حرص سلمان على زيارة أخيه في الله -رضي الله عنهما.

3-تفقد سلمان لأحوال أخيه امتد إلى ملاحظة حالة زوجة أخيه -رضي الله عنهم.

4-عدم تكلف زوجة أبي الدرداء -رضي الله عنها، أو تحرجها في الرد.

5-بادر سلمان دون تلكؤ في نصح أخيه -رضي الله عنهما -بطريقة تربوية عملية.

٦-الفقه الراقي عند سلمان t  يجمع بين فقه الأولويات والتوازن.

7-قبول أبي الدرداء لنصيحة أخيه -رضي الله عنهما- دون تراخٍ.

8-تقريره r لاجتهادات سلمان tتفتح بابًا تربويًّا وإداريًّا راقيًّا في ترك مساحات من الحرية للإبداع البشري.

ما الذي يجمع بين هاتين العلاقتين؟ 

العلاقة الأولى: التي بين سلمان وأبي الدرداء -رضي الله عنهما- والتي تمثل أدبية خالدة من أدبيات جيل الخيرية الأول الفريد.

والعلاقة الثانية: التي وردت في قصة رائعة من الأدب العالمي وهي تحفة وليام شكسبير «الملك لير» ودور النبيل المخلص «إيرل كنت» عندما رأى الملك يخطئ أخطاء قاتلة، فحاول نصحه، فلم يرجع فاستمر في النصح، فلم يرعَوِ الملك وطرده، ثم تخفي النبيل بزي خادم وبقي بجانبه في محنته يصارعان العواصف وأطماع البشر خاصة مؤامرات وجحود بنتي الملك حتى عرفه الملك فأبقاه بجانبه ثانية إلى أن مات الملك، فمات «إيرل» كمدًا عليه.

وهذه الأدبية «الشكسبيرية» الراقية: التي تدور حول جحود الأبناء، تخلد دور الصديق المخلص على مر العصور الإنسانية.

ومن خلال قراءة لهاتين العلاقتين يتبين الآتي:

1-مدى حاجة الإنسان لرابطة خاصة غير رابطة الرحم.

2-الإنسان اجتماعي بطبعه ولا يستطيع العيش دون علاقات مع الآخرين، على اختلاف غاياتها.

3- كلما سمت نوعية اهتمامات وغايات الإنسان سمت نوعية علاقاته.

وكما يقولون: «الطيور على أشكالها تقع»..

أو «قل من تصاحب أقل لك من أنت».

 أوصى سيد التابعين الحسن البصري -يرحمه الله: «إن لك من خليلك نصيبًا، وإن لك نصيبًا من ذكر من أحببت، فتنقوا الإخوان والأصحاب والمجالس»([2])

4-قد تكون علاقات الإنسان بغير ذوي رحمه أقوى وأسمى من علاقات ذوي القربي، كما يؤكد ذلك الحسن البصري في قوله: «إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا فأهلونا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة»([3]). 

5-الإنسان موقف: وملفات التاريخ لا ترحم أصحاب المواقف العظيمة، وأصحاب المواقف المخزية.

٦- «أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر بهم».

7- العلاقات الإنسانية نوعان:

(أ) علاقات إنسانية أخلاقية: ومنها الأخوة وهي العلاقات الأسمى والأبقى.

(ب) علاقات إنسانية ربحية، سواء كان الربح مادي كالمال والمنصب، أو معنوي: كالشهرة والجاه، وهي علاقات تقوم على قاعدة براجماتية مصلحية زائلة.

المعنى العام للأخوة

هناك معنى عام واسع للأخوة وهو الأخوة الإنسانية والذي يمتد ليشمل البشر كل البشر.

وهو المعنى العام أو القدري أو الإجباري أو الكوني، وله مرادفات أخرى كالصداقة.

وتأمل علاقة صاحب الجنتين وصاحبه الرجل المؤمن وكيف بين العرض القرآني نوعية علاقتهما الفريدة، وهي تعد مثالًا رفيعًا لعلاقة التعايش واحترام رأي الآخر وإن كان الخلاف عقديًّا، كما أن القرآن الكريم يعطيها صفة طيبة وهي صفة المصاحبة، فيتكرر لفظ «صاحبه» مرتين في السياق.

وتأمل مغزى تلك العبارة: ﴿ فَقَالَلِصَاحِبِهِ﴾وذلك بعد أن ندرك أن معنىالصاحب هو الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا. أو مكانًا أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن، وهو الأصل والأكثر أو بالعناية والهمة ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته»([4])

ومن صوره: الاعتراف بحق وجود الآخر، وحقه في التعبير عن رأيه، دون استقصاء.

ومن صوره المعاصرة: الإقرار بمبدأ التعددية السياسية والإقرار بمبدأ تعدد الصواب في المسألة الواحدة.

وتأمل قصة الملك «لير» والنبيل المخلص، يتبين ضرورة وجود علاقة أخرى، تعوض جحود الأبناء.

 المعنى الخاص لها:

وهناك معنى خاص للأخوة وهو الأخوة في الله، ونقصد بها تلك الرابطة الخاصة التي تجمع بين المسلم وأخيه مهما كان جنسه أو لونه أو لغته، تحت لواء الإيمان بالله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠).

وهو المعنى الخاص أو الديني أو الشرعي أو الاختياري.

ثمارها و آثارها، وهذه الأخوة الربانية لها ثمرتان طيبتان:

1-حلاوة الإيمان: فالأخوَّة تثمر نمطًا من الحب عجيبًا في سموه ونقائه وعمقه وديمومته، يسميه الإسلام الحب في الله ويجد المسلم الصادق فيه حلاوة الإيمان: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يُحبَّهُ إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار»([5]). 

فتتحقق تلك المتوالية المباركة: أخوَّة في الله -حب في الله -حلاوة الإيمان.

 ٢-الرقي السلوكي: أي أن الأخوة رباط يقوم على ركائز هي حقوق الأخوة وهي سلوكيات تؤديها الجوارح فتثمر مشاعر نفسية – مثل الحب – فتثمر بدورها عواطف قلبية مثل حلاوة الإيمان.

وقد قال r: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم»([6]).

فالاختلاف الظاهري يؤدي إلى اختلاف باطني نفسي وقلبي.

وهذه العواطف القلبية بدورها تثمر دوافع نفسية وهذه بدورها تثمر سلوكيات ظاهرية أسمى وكأنها دورة متكاملة:

سلوك + عاطفة قلبية + سلوك

قصة ما يسمى بـ «عيد الحب»!

ذكرت الموسوعة الكاثوليكية ثلاث روايات حول «فالنتاين»، لكن أشهرها ما ذكرته بعض الكتب أن القسيس «فالنتاين» كان يعيش في أواخر القرن الثالث الميلادي تحت حكم الإمبراطور الروماني «كلاوديس الثاني»، وفي ١٤ فبراير ۲۷۰م قام الإمبراطور بإعدام هذا القسيس الذي عارض بعض أوامره.

فقد لاحظ الإمبراطور أن هذا القسيس يدعو إلى النصرانية فأمر باعتقاله، وتزيد رواية أخرى أن الإمبراطور لاحظ أن العزاب أشد صبرًا في الحرب من المتزوجين، فأصدر أمرًا بمنع عقد أي قرآن، غير أن القسيس «فالنتاين» عارض هذا الأمر واستمر في عقد الزواج في كنيسته سرًّا حتى اكتشف أمره وأمر به فسجن. 

وفي السجن تعرف إلى ابنة لأحد حراس السجن، وكانت مصابة بمرض، فطلب منه أبوها أن يشفيها فشفيت -حسب ما تقول الرواية -ووقع في غرامها، وقبل أن يعدم أرسل لها بطاقة مكتوبًا عليها: «من المُخْلِص فالنتاين» !!

وتذكر رواية ثالثة أن المسيحية لما انتشرت في أوروبا لفت نظر بعض القساوسة طقس روماني في إحدى القرى الأوروبية يتمثل في أن شباب القرية يجتمعون منتصف فبراير من كل عام ويكتبون أسماء بنات القرية ويجعلونها في صندوق، ثم يسحب كل شاب ورقة من هذا الصندوق، والتي يخرج اسمها تكون عشيقته طوال السَّنَة، حيث يرسل لها على الفور بطاقة مكتوب عليها: «باسم الآلهة الأم أرسل لك هذه البطاقة» !!

ووجد القساوسة أن هذا الأمر يرسخ العقيدة الرومانية، ومن الصعب إلغاء الطقس، فقرروا بدلًا من ذلك أن يغيروا العبارة التي يستخدمها الشباب من «باسم الآلهة الأم» إلى «باسم القسيس فالنتاين».

 أرأيتم كيف ينساق كثير من المسلمين وراء التقليد الأعمى للغرب دون وعي حتى لو كان ذلك احتفالًا بأعيادهم ومناسباتهم التي أجمع العلماء على حرمة الاحتفال بها؟!

عن موقع «الشبكة الإسلامية» بتصرف

التربية الإسلامية والتنمية الثقافية

ما زلنا نفتقد الخطاب التربوي الذي يراعي أعمار الفئات التي يتوجه إليها

عبد الرحمن شيخ حمادي

القرآن والسنة هما القاعدة الراسخة للثقافة الإسلامية

التنمية الثقافية تتطلب ضبط المصطلحات لتجلية المفاهيم وتأصيلها

 السمة الإنسانية الروحانية هي العلامة البارزة في ثقافة المسلم

لعلنا نشفق على أنفسنا من كثرة ما تحدثنا ونتحدث عن القصور الإعلامي والتربوي الذي نمارسه تجاه أطفالنا وما يرافق هذا القصور من ممارسات ضررها أكثر من نفعها. ورغم كل ما تحدثنا به عن قصورنا هذا لا نمل من العودة بين الفينة والأخرى إلى هذا الجانب؛ وهي عودة تستجوبها هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي يعيشها العالمان العربي والإسلامي؛ ولكنها صحوة -رغم اتساعها وإشراقها -مازالت تثير التساؤلات حول وضع الطفل المسلم والشاب المسلم من الناحيتين التربوية والإعلامية؛ الذي صار إشكالية يجب أن نسعى إلى حلها على أسس عقلانية وعلمية ووفق ما نص عليه شرعنا الإسلامي المتكامل.

لعلنا نشفق على أنفسنا من كثرة ما تحدثنا ونتحدث عن القصور الإعلامي والتربوي الذي نمارسه تجاه أطفالنا وما يرافق هذا القصور من ممارسات ضررها اكثر من نفعها. ورغم كل ما تحدثنا به عن قصورنا هذا لا نمل من العودة بين الفينة والأخرى إلى هذا الجانب وهي عودة تستجوبها هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي يعيشها العالمان العربي والإسلامي ولكنها صحوة -رغم اتساعها وإشراقها- مازالت تثير التساؤلات حول وضع الطفل المسلم والشاب المسلم من الناحيتين التربوية والإعلامية الذي صار إشكالية يجب أن نسعى إلى حلها على أسس عقلانية وعلمية ووفق ما نص عليه شرعنا الإسلامي المتكامل.

ولنوضح هذه الإشكالية، ليعد كل منا إلى طفولته، وليحاكم من كانوا يقومون على تربيتنا آنذاك، وسنجدهم كانوا يخطئون تجاهنا تربويًّا. وبالطبع لا تلومهم الآن: فهم تلقوا ما مارسوه علينا عن آبائهم على أساس أنه التربية الصحيحة، وبدورنا صرنا نمارسه على أطفالنا على نفس الأساس. فهل كانت هي التربية الصحيحة حقًا؟ 

لأجيب أذكر من سنوات طفولتي الأولى ذلك المعلم الوقور الفاضل الذي كان يعلمنا في الصف الثاني الابتدائي وخلال شهر رمضان المبارك كان يحدثنا عن فضائل الشهر وفوائد الصوم ومنها كما كان يشرح تربية الإرادة عند الإنسان فيمتنع الصائم عن الطعام والشراب وهما بين يديه و«... يمتنع عن الاقتراب من زوجته طوال النهار وهي معه في بيت واحد»! 

كانت كلماته الأخيرة تشعرنا بالخجل مما كان يفعله آباؤنا مع أمهاتنا في النهار فآباؤنا يقتربون من أمهاتنا أثناء فترة الصوم وأبي كان يربت بيده على كتف أمي مثنيًا على جهودها في أعداد مائدة الإفطار!!

ولهذا لم يعد واحد منَّا يتمالك خجله مما يفعله والداه وهو يسمع نفس درس المعلم عن عدم اقتراب الزوج من زوجته خلال فترة الصوم فوقف باكيًا وأعلن يخجل أن أبيه يجلس بجانب أمه بل يصلي إلى جانبها؛ وعندها تبسم المعلم أدرك أي مفهوم خاطئ لكلمة «الاقتراب» قد زرعه في نفوسنا فقرر أن يصحح هذا الخطأ فقال: أنا يا أبنائي لم اقصد أنه خلال فترة الصوم نهارًا لا يجوز أن يقترب الزوج من زوجته أو يلمسها كما فهمتم بل قصدت أنه لا يجوز أن يعاشر الزوج زوجته نهارًا.... زادتنا كلماته حيرة وبالطبع لم نجرؤ على سؤاله عن معنى أن يعاشر الزوج زوجته ولكني أتساءل الآن إن كان من الضروري أن يحدثنا معلمنا آنذاك عن هذه الناحية ونحن في سن لا تؤهلنا للاستماع إلى مثل هذا الحديث.

وحرم عالمنا الرياضة!!

ومثال آخر عندما وقف أحد علمائنا خطيبًا في يوم الجمعة ولعل هذا العالم قد انتبه إلى أن عددًا كبيرًا من المصلين هم من الشباب واليافعين والذين صارت تمتلئ بهم مساجدنا في كل صلاة ضمن صحوتنا الإسلامية؛ ولذلك ارتجل عالمنا الفاضل هذا خطبة أثنى في مستهلها على الشباب لمواظبتهم على حضور صلوات أيام الجمع ولكنه سرعان ما انهال عليهم بسياطالوعيد والتهديد وأنذرهم بالويل والثبور لأنهم يمضون قسمًا من أوقاتهم في مشاهدة مباريات كرة القدم والذهاب إلى الملاعب مشجعين هذا الفريق أو ذاك بدلًا من أن يستغلوا كل أوقاتهم في قراءة القرآن الكريم والعبادات!

ولكي لا أطيل في الأمثلة غير السارة هذه أذكر مثلًا مضادًا، وذلك عندما عاد ابني المراهق من مدرسته ليخبرني أن فريقه الكروي قد فاز في مباراة كرة القدم على الفريق الخصم من نفس الصف، مع أن مدرس مادة التربية الدينية هو حارس المرمى في الفريق الخصم ذلك فساقني الفضول لزيارة المدرسة في اليوم التالي لألتقي مدرس التربية الإسلامية ذلك، فشرح لي أن الطلاب قد شغلتهم محلات ألعاب الفيديو والكمبيوتر -على ما فيها من ضرر عليهم -فرأى أن يحول طاقتهم إلى الرياضة؛ لذلك وبعد أن شرح لهم أن الإسلام قد أمر بممارسة الرياضة لما فيها من فوائد قسم الصف إلى فريقين متنافسين وصار يجري لهم مباريات كروية تنافسية بالتنسيق مع إدارة المدرسة في الأنشطة ولكي يزيد من حماسهم للرياضة هذه جعل من نفسه حارس مرمى في أحد الفريقين.

 إنه مثال مشرق ولكنه نادر -فرغم صحوتنا الإسلامية المباركة مازلنا نفتقد الخطاب التربوي الذي يراعي أعمار الفئات التي يتجه إليها ولذلك تجدنا في معظم مدارسنا وعلى منابر مساجدنا نخاطب الأطفال على أنهم شباب ونخاطب الشباب على أنهم كهول قد تجاوزوا احتياجات مرحلتهم العمرية. وفي النهاية نخاطب الجميع على أساس أنهم كهول وعلي معظمهم أن ينتظروا مصائرهم القائمة لأنهم يمارسون ما يمارسه الأطفال واليافعين والشباب! وما أكثر الأمثل!

وأراني مرة أخرى أنساق للأمثلة: فأقف عند كتاب في أحد مناهج التربية في دولة عربية مسلمة، وفي هذا الكتاب درس عن يوم القيامة يتضمن صورة لوادٍ مليء بالوحوش والشياطين المرعبة وكلها متوثبة لالتهام الأطفال الذين يتساقطون من أعلى الوادي لأنهم -وكما في الصورة -يمشون على خيط رفيع ممتد على طرفي الوادي ليعبروا فوقه من طرف الآخر وهذا الخيط هو الصراط والأطفال الذين يقعون من فوقه -وهم يعبرون عليه -هم الأطفال الذين ساءت أعمالهم في الدنيا.

وأتساءل: هل هناك رعب وترهيب موجه لأطفال مسلمين أكثر من هذا الرعب؟

قد يقول قائل: أو تريد أن تغيب عن مناهجنا التربوية الموجهة للأطفال: وعن خطبنا الدينية حقائق ثابتة فلا نتحدث عنها؟!

الاحتكام للسيرة النبوية

إن الجواب على مثل هذه التساؤلات تقدمه السيرة النبوية الشريفة، ويجيب عنها المنهج التربوي المتكامل كما مارسه وقدمه لنا الرسول محمد r: فمن الثابت أن الأطفالقد حظوا باهتمام كبير جدًّا منه r؛ فكان يقطع صلاته تأثرًا إذا سمع بكاء طفل، ويلوم أمه لأنها لا تسكته وتمنع عنه أسباب البكاء من جوع أو وجع وكان r كان يطيل السجود في صلاته عندما يصعد حفيداه رضي الله عنهما على ظهره الشريف وهو ساجد كي لا يفسد عليهما متعة ممارستهما لطفولتهما.

هذه الأمثلة -وكثير غيرها مما حفلت به السيرة النبوية الشريفة -برهان ساطع على أن النبي الكريم والمعلم الأول r قد ترك لنا منهجًا تربويًّا متكاملًا: راعى فيه -صلوات الله عليه- دائمًا مراحل العمر وما تحتاجه وكيفية وماهية الخطاب الموجه إليها.

التنمية الثقافية الإسلامية

ومرة أخرى أقول: إننا لا نلوم الآن ذاك المعلم أو هذا الخطيب في الأمثلة التي ذكرتها بل نلوم - أول ما نلوم - قصور المنهج التنموي الثقافي فما زال معظمنا يرى أن التنمية الثقافية هي التربية الدينية فقط وأن تنمية الشعوب الإسلامية لن تكتمل ولن تتم إلا إذا توجهنا كلنا نحو العلوم الشرعية!! إن التنمية الثقافية مفهوم يتسع لكافة مناحي الحياة الإنسانية ومختلف الجهد البشري والتنمية الثقافية -من المنظور الإسلامي -تفرض علينا فيما تفرضه  تحديد منابع الثقافة الإسلامية؛ فالثقافات في المجتمعات الإسلامية هي بالضرورة ثقافة إسلامية والقرآن والسنة الصحيحة هما القاعدة الراسخة التي يجب أن تقوم عليها الثقافة وتنهض على أساسها التنمية الثقافية من منظور إسلامي: وهذان الرافدان هما البحر الزاخر الذي تنبثق عنه كل المنابع التي تمد الثقافة الإسلامية بالحياة وبالقوة وبالانتصار وبالقدرة الدائمة على الإشعاع المستمر كما تشمل منابع التنمية الثقافية الإسلامية مجموع التراث الحي الذي خلفه سلف الأمة الإسلامية لخلفها وهو التراث الزاخر الذي لا ينضب للحضارة الإسلامية في مظاهرها المتعددة.

والتنمية الثقافية أيضًا تتطلب منا القيام بعملية دقيقة لضبط المصطلحات وتقعيدها لتجلية المفاهيم وتأصيلها حتى لا تتداخل المعاني ويقع الخلط في الدلالات. ومنطلقنا في ذلك حقيقة أن السمة الإنسانية العلمية الروحانية هي السمة البارزة في ثقافتنا الإسلامية وهي السمة التي جعلتها ثقافة مؤمنة إنسانية هادفة بناءة تستجيب لحاجات الإنسان الجسدية والروحية وتلبي طموحاته وتنسجم مع فطرته وتقوي في النفس البشرية حوافز الأمل والثقة والرجاء ونوازع الحق والخير والجمال وبهذا المعنى الجميل الراقي فإن القصد من عملية التنمية الثقافية يجب أن يكون خدمة الإنسان أولًا روحيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا ومن الوجوه كافة ومن الجوانب كلها. 

الرابط المختصر :