العنوان الشيخ ياسين رمز الجهاد والكرامة
الكاتب د. جمال نصار
تاريخ النشر السبت 25-مارس-2006
مشاهدات 60
نشر في العدد 1694
نشر في الصفحة 22
السبت 25-مارس-2006
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب ٢٣).
د. جمال نصار: في مثل هذه الأيام رحل عنا شيخ المجاهدين المربي الشيخ أحمد ياسين في الثاني والعشرين من شهر مارس عام 2004م، هذا الرجل الذي أيقظ الأمة بعد سبات، ودفع في أوصالها روح الجهاد والاستبسال، وربى جيلًا فذًا من المجاهدين المخلصين. عاش الشيخ أحمد ياسين عيشة السعداء، كان سعيدًا بإيمانه، سعيدًا برسالته ودعوته وأبنائه الذين رباهم على الجهاد، ورآهم أمامه يقدمون أرواحهم، ويضعون رؤوسهم على أكفهم ويفجرون أنفسهم في عدو الله وعدوهم.
عاش الشيخ ياسين معلمًا مجاهدًا عابدًا لله تعالى، محبًا لدعوة الإخوان ورجالاتها منذ زيارة الإمام البنا لغزة، وامتلأت طفولته بالعديد من الأحداث والمشاهد. واستطاع بصبره وإيمانه أن يتجاوز التحديات التي واجهته وأن يثبت ذاته، حتى أصبح شيخًا للمجاهدين، وحقق الله أمنيته بأن سقط شهيدًا على يد بني صهيون الغادرين.
مشروع التغيير:
لقد كان الشيخ أحمد ياسين طرازًا فريدًا بين قادة الثورات الوطنية، فقد قاسم شعبه النكبات، وعاش معه في المنافي والمخيمات التي فرضها الكيان الصهيوني. وكان إيمانه عاصمًا له من اليأس أو الركض وراء السراب أو الأوهام، وقد أدرك قبل غيره حقيقة النيات الصهيونية، وأن السلام الذي يتحدثون عنه ليس سوى استسلام رخيص، ففضل تسمية الأشياء بأسمائها وعدم إضاعة الوقت، وقد جاءت نهايته مصداقًا لما آمن به ودعا قومه لإدراكه. لقد أراد أن يقدم النصح لأمته والعالم في حياته، لكن مناخ الخديعة والاستسلام كان أقوى من محاولاته، وكان لابد أن يقدم النصح مشفوعًا بدمه ودم إخوانه.
لقد بدأ الشيخ مشروعه التغييري منذ بداية الخمسينيات، وأخذ هذا المشروع بعدًا تربويًا وتنظيميًا في الستينيات والسبعينيات أفضى بعد ذلك إلى تأسيس حركة حماس لتقوم بدورها في الجهاد وضرب الاحتلال بكل ما يمكن من قوة، وعدم الخروج بهذه العمليات عن دائرة فلسطين كلها، وتحريم توجيه السلاح إلى صدر فلسطيني.
وظهور هذا المشروع وتطوره برغم الضغوط الاستعمارية الهائلة على المنطقة العربية والإسلامية - وفي القلب منها فلسطين - يشير إلى ثقة أكيدة في تحقيق وعد الله بتحرير فلسطين مهما طال الزمن. يتم الإعداد له باستراتيجية جهادية متكاملة تبدأ من تربية الأجيال تربية إسلامية تعتمد على أداء الفرائض الدينية، ودراسة كتاب الله دراسة واعية، ودراسة السنة النبوية والاطلاع على التاريخ، مع دراسة العدو وإمكانياته ومواطن ضعفه والقوى التي تناصره حتى يتحقق للمسلم وعي صحيح بالواقع وتصور سليم في الفكر والاعتقاد.
تأسيس حماس:
نتيجة للجهود المباركة التي قام بها الشهيد وإخوانه، شهدت فلسطين تطورًا واضحًا وملحوظًا في نمو وانتشار الصحوة الإسلامية. ففي عام 1987م، اتفق الشيخ مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي الذين يعتنقون أفكار الإخوان المسلمين في قطاع غزة على تأسيس تنظيم إسلامي لمقاومة الاحتلال الصهيوني بغية تحرير فلسطين، أطلقوا عليه اسم حركة المقاومة الإسلامية، المعروفة اختصارًا باسم «حماس».
وتعد حركة حماس امتدادا لحركة الإخوان المسلمين. وقبل الإعلان عن اسم الحركة علنياً، تم استخدام أسماء أخرى للتعبير عن مواقفهم السياسية تجاه القضية الفلسطينية، منها «المرابطون على أرض الإسراء» و«حركة الكفاح الإسلامي» وغيرهما. وتشير المادة (33) من ميثاق حماس إلى أنها تجاهد اليهود المغتصبين دفاعًا عن الإنسان المسلم والحضارة الإسلامية والمقدسات الإسلامية، وتعتمد الحركة على الجهاد وتعتبره استراتيجية وليس تكتيكًا. وتنص المادة (15) على أن الجهاد فرض عين على كل مسلم.
ولم ينته الجانب التربوي والدعوي بتأسيس حركة المقاومة الإسلامية. فإلى جانب تولي قيادة الحركة، استمر الشهيد في ... بهذا الدور انطلاقًا من المساجد ومن خلال استخدام الوسائل الإعلامية الحديثة. مع تصاعد أعمال الانتفاضة، بدأت السلطات الصهيونية التفكير في وسيلة لإيقاف نشاط الشهيد. فقامت في أغسطس ... بمداهمة منزله وتفتيشه وهددته بالنفي إلى لبنان.
نهاية مشرفة:
لم يكن يليق بالشيخ المجاهد - بعد سيرة طويلة من الجهاد - أن يموت على فراشه، كما قال مجاهد الرعيل الأول، خالد بن الوليد. ولما استطاع لسان حاله أن يقول سيف الله: لا أقر الله أعين الجبناء. رجل كسيح منذ صباه، ركبته الأمراض في السنين الأخيرة، حتى أصبح يعانق الموت ساعة، ولم يعد لديه ما يقدمه لقضية فلسطين، فقدم الثمن الغالي الذي لا يستطيع أحد أن يقدمه. سواء كان من الممكن أن يموت في ... لحظة كما يموت الألوف من الناس ... النسيان، ولكن القدر أراد أن يعطيه الجائزة الكبرى، وأن يصنع منه سيرة بطولية، ويحيله إلى طاقة هائلة تتدفق في شرايين الشعب المجاهد وشرايين العرب والمسلمين.
لقد أراد له القدر أن يكون أنشودة تُغنى بها المجاهدون في جبال فلسطين على امتداد الرقعة العربية والإسلامية ... كثيرة. لقد أثبت الشيخ ياسين في حياته ومماته أن القوة المسلحة لا تستطيع أن ترهب شعبًا متمسكًا بحقوقه المشروعة. وإذا كان الكيان الصهيوني يعتقد أن بوسعه أن يجعل المستعمرين أغلبية في فلسطين عن طريق الهجرة والاستيطان، فإنهم ستظل أقلية منبوذة تافهة في المحيط العربي والإسلامي. لا شك أن استشهاد الشيخ أحمد ياسين يغني عن كل منطق في دفع العرب نحو تضامن لحماية ديارهم أمام هذا الوحش الدموي.
رحم الله الشيخ المجاهد أحمد ياسين وجميع شهدائنا، وأسكنهم فسيح جناته، ورزقنا أبطالًا أمثاله من المجاهدين الصابرين المحتسبين، وألحقنا بهم غير مبدلين ولا مغيرين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل