العنوان فقه الموازنات «تطبيقات دعوية» (3 من 3).. بين التفاؤل والتشاؤم
الكاتب عصام عبدالمحسن الحميدان
تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002
مشاهدات 79
نشر في العدد 1517
نشر في الصفحة 66
السبت 07-سبتمبر-2002
هذه مقالات الهدف منها توجيه المسلم إلى المنهج السني الوسط بين الغلو والتفلت، فإن الدين الحق وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو يستند في هذا التقرير إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)، وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67).
بعد الحديث عن مدارس الكم والكيف والمظهر والجوهر نتحدث عن تياري التشاؤم والتفاؤل.
نلاحظ أن جمهور المسلمين يتجاذبهم تیاران بارزان تجاه نظرتهم للأمور والأحداث تيار التفاؤل وتيار التشاؤم ولكل منهما وجهة:
تيار التشاؤم:
أظهر خصائص هذا التيار أنه يحمل النظرة السوداوية للواقع والمستقبل، وينطلق في هذه النظرة من مثل قوله ﷺ: «لا يأتي عام إلا والذي بعده شر حتى تلقوا ربكم»، وقوله عليه الصلاة والسلام «كل عام ترذلون». وأحاديث الفتن عمومًا توضح أن باب الفتن بدأ بعد موت النبي ﷺ وربما استأنس بقوله تعالى ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41).
ومن منطلقاته في هذه النظرة أنه يرى واقع المسلمين يميل إلى الانحدار في كثير من أموره ولا يرى في الأفق ظاهرة واضحة للنهضة الإسلامية ولا مصلحًا عظيمًا يلتف حوله المسلمون، فيتطرق إلى قلبه اليأس من الإصلاح والإنقاذ، وينتظر فرج الله.
ومن خصائصه أنه يركز على السلبيات ويقلل من قيمة الإيجابيات، فكلما رأى أملًا من أمال المسلمين أخذ في نقده وتجريحه وتشريحه فهذه الجماعة منهجها خطأ، وهذا الفقيه فتواه خطأ، وهذا الداعية أسلوبه خطأ، وهذا الرئيس شكله خطأ!
وينطلق في هذا على مثل قوله ﷺ: «كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد» والآثار التي تبين أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وبالتالي يركز تركيزًا شديدًا على المثالية في كل شيء، فإذا اختلت المثالية، فإنه الخلل، ولا داعي لأنصاف الحلول.
ومن خصائصه أنه يحب العزلة، وينفر من العمل الجماعي؛ لأنه يشك في كل منهج وأسلوب وينتقد كل مظهر وجوهر، وينطلق في هذا من مثل قوله ﷺ: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «تعتزل الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»، وأن الصحابة رضي الله عنهم كان كل منهم يدعو وحده إلى الإسلام، ولم يكونوا يلتزمون جماعة معينة، وأن كثيرًا منهم كان معتزلًا في وقت الفتن منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأبو ذر رضي الله عنه.
تيار التفاؤل:
أظهر خصائص هذا التيار أنه ينظر إلى واقع المسلمين ومستقبلهم نظرة ملؤها الأمل، ويرى أن جمهور المسلمين فيهم الخير، وأن الغد المشرق قريب، وينطلق في هذا من مثل قوله ﷺ: «مثل أمتي مثل الغيث لا يُدرى أوله خير أم آخره» وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن من ورائكم أيام الصبر، القابض فيهن على دينه كالقابض على الجمر، للمتمسك منهم بما أنتم عليه أجر خمسين» قالوا: خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل منكم» وقوله: «وددنا لو أنا رأينا إخواننا» قالوا: أو لسنا إخوانك يارسول الله قال «أنتم أصحابي ولكن إخواني الذين يأتون من بعد».
ويعتمد في هذا أيضًا على المبشرات الكثيرة من واقع المسلمين في انتشار ظاهرة الالتزام الإسلامي من قبل الشباب والفتيات فالحجاب الإسلامي في ازدياد، والمساجد يكثر روادها من الشباب، والاتحادات الطلابية وغير الطلابية الإسلامية هي التي تفوز في الانتخابات، والجهاد في سبيل الله رايته مرفوعة مهابة، والوعي الإسلامي ينمو.
ومن خصائصه أنه ينظر إلى الجانب الإيجابي في كل الأمور والأشخاص، ولا يتوقع المثالية في كل شيء؛ فالعلماء لا يزالون يقومون بواجب كبير في توعية الأمة، والدول التي لا تلتزم الحكم الإسلامي فيها مساحة كبيرة لنشر الخير، والدعاة إلى الله كل منهم على ثغرة وإن اختلفوا في الأسلوب، بل حتى المسلم البعيد عن الله تعالى لا يخلو من ذرة أو ذرات إيمان في قلبه، ويحتاج من يوقظ هذا الإيمان.
وينطلق هذا التيار من مثل قوله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير».
وأن أصحاب النبي ﷺ لم يكن كل واحد منهم مثاليًّا في كل شيء، ومع ذلك قبل منهم النبي ﷺ إسلامهم وأصلح ما يستطيع من أحوالهم.
ومن خصائصه أنه يتعاون مع المسلمين في كل ما فيه مصلحة للدين، ولو لم يكن الإصلاح كاملًا، فما لا يدرك كله لا يترك جله، ويلتزم العمل الجماعي الذي يرى تسديد نقص كل فرد بالآخر؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا والثغرة التي يعجز عنها الأول، يسدها الآخر... وهكذا.
وينطلق في هذا من مثل قوله سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2) وقوله ﷺ: «الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» وقوله «عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» وقوله «المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى»، وقوله: «المؤمن مرآة أخيه المؤمن».
تقييم وموازنة
بالنظر في خصائص التيارين نجد أن تيار التفاؤل هو الأقرب للقرآن والسنة، فإنك لو تأملت الأحاديث النبوية لرأيت منها كمًّا كبيرًا يتحدث عن المبشرات في آخر الزمان، التي تبشر بنصر الإسلام، وظهور المسلمين، وتجد أيضا أن النبي ﷺ يحرص دائمًا على بعث الأمل في نفوس أصحابه، كما قال «إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين»، وقال «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا»، وكان عليه السلام يعجبه الفأل الحسن.
وضرب الله تعالى لنا مثلًا بقصة يونس عليه السلام لما يئس من قومه، فطلب الهداية في غيرهم لم يقره الله على ذلك، فابتلاه، ثم أعاده إلى قومه فآمنوا، وقال سبحانه موجهًا رسوله محمد ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (القلم: 48).
أما ما ذكره أنصار التشاؤم من انتشار الفساد، فإن الفساد يتفاوت نسبيًّا من عصر لآخر، وقد مرت على الأمة الإسلامية أوقات فتن عظيمة في الزمن القديم والحديث، ولكن الله تعالى هيأ لها من الأغيار من أعادها إلى رشدها.. وبعث فيها الهمة، فاستقامت بحمد الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل