; نحو ترشيد فقه العمل الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان نحو ترشيد فقه العمل الإسلامي

الكاتب عمر إدريس الرماش

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 80

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

ثلاثة أقسام لفقه الموازنات: بين المصالح بعضها البعض، وبين المفاسد بعضها البعض.. وبين المصالح والمفاسد.

الفقه هو العلم المعروف عند المسلمين والذي يعني معرفة الأحكام الجزئية من أدلتها التفصيلية من مثل أحكام الزواج والطلاق والرضاع، أو أحكام الطهارة والعبادات والمعاملات وغيرها، إلا أن هناك فقهًا آخر جديدًا هو الوعي بدين الله، والذي يتعمق في معرفة أسرار ومقاصد النصوص الشرعية من الآيات والأحاديث الواردة في الكتاب والسنة. إن هذا الفقه من شأنه أن يسهم في ترشيد العمل الإسلامي على مختلف مكوناته وفروعه، ويمكن لدين الله في الأرض من أجل إقامة حياة إسلامية في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية.

هناك أنواع كثيرة من الفقه التي يجب على العاملين للإسلام أفرادًا وجماعات أن يعرفوها ويدركوا معانيها ويعوها وعيًا عميقًا من أجل إنجاح العمل الإسلامي وترشيد الصحوة الإسلامية واتجاهاتها المختلفة، ومن ذلك:

فقه مقاصد الشريعة الإسلامية: هذا النوع من الفقه المنشود هو الذي لا يقف عند جزئيات الشريعة ومفرداتها، بل ينفذ إلى كلياتها وأهدافها في كل جوانب الحياة. إن النصوص الجزئية والفروع المتفرقة للشريعة الإسلامية سواء أكانت آيات قرانية أم أحاديث نبوية لا بد من إرجاعها إلى الأصول والكليات العامة من أجل استنباط الأحكام ومعرفة المقاصد العامة لها، وقد أدرك الإمام الشاطبي رحمه الله هذه الحقيقة وتطرق لها في كتبه ومؤلفاته من خلال اجتهاداته.[1]

فقه الأولويات أو مراتب الأعمال: وهو يعني وضع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقه التقديم أو يقدم ما حقه التأخير، ولا يصغر الأمر الكبير، ولا يكبر الأمر الصغير، وهذا ما تؤكده أحكام الشريعة وقوانين وسنن الله في الكون. إن الأعمال تتفاضل عند الله سبحانه وتعالى وليست في درجة واحدة، فالنافلة لا يجوز تقديمها على الفريضة، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية والمصالح الشرعية الضرورية مقدمة على الحاجات والتحسينات. كما أن العقيدة والسنة مقدمتان على العمل والفعل قال تعالى ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (التوبة: 19).

إن الكثير من أبناء الصحوة الإسلامية أفرادًا وجماعات يغيب عنهم فقه الأولويات أو مراتب الأعمال، بحيث يهتمون بالفروع قبل الأصول، أو بالجزئيات قبل الكليات أو بالمختلف فيه قبل المتفق عليه، فيدخلون في خلافات وصراعات هامشية لا يقرها الشرع والعقل، فيفسحون المجال أمام الأعداء من أجل بث التفرقة والتشتت في صفوف العاملين للإسلام. 

إن من فقه الأولويات معرفة القضايا ذات الأهمية الكبرى من أجل إعطاء الجهد والوقت لها أكثر من المسائل الثانوية، إن من فقه الأولويات معرفة واجب الوقت وإعطاء حقه وتقديمه على غيره وعدم تأخيره، ويذكر ابن القيم الجوزية في حديثه في فقه الأولويات عندما سئل أي العبادات أفضل؟ هل الأفضل منها الأشق أو الأفضل المتعدية النفع؟ فذكر أنه لا يوجد أفضل بإطلاق وإنما لكل وقت عبادة تكون هي الأفضل بالنسبة له.[2]

فقه آيات وسنن الله في الكون: هذا النوع من الفقه يهتم بالقوانين والسنن الإلهية في الكون، والمجتمع والأنفس، والآفاق وهي سنن لا تتغير أو تتبدل، وهي كثيرة ومتعددة ومن أهمها سنة التدرج، وسنة الأجل، وسنة التداول، وسنة التدافع، وسنة التسخير، وسنة التغيير. والاستبدال، وغيرها من السنن الفطرية الإلهية التي يجب على أفراد وجماعات الإسلام وعيها والعمل بها من أجل إنجاح العمل الإسلامي والتمكين لدين الله، وتحقيق النصر.

سنة التدرج في كل شيء: تتعلق هذه السنة الفطرية بالأمور الدينية والدنيوية التي لا تعد ولا تحصى، ومن أهمها: أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، تدرج تحريم الخمر، تحريم الربا جاء في حجة الوداع، التدرج في التعلم «بعث معاذ بن جبل وتدرجه في تعليمه للناس» الحديث.

سنة الأجل أو الزمن: قال الله تعالى في محکم كتابه في بعض الآيات القرآنية، في هذا الصدد ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ (يونس: 49) ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (الرعد: 38)، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (الحجر: 21) إن سنة الأجل أو الزمن تشمل كل شؤون الحياة الدينية والدنيوية، ولهذا فإن عامل الزمن يعتبر شيئًا مهمًا وضروريًا من أجل التغيير أو الإصلاح أو العلاج.

فقه الموازنات: ينقسم فقه الموازنات إلى ثلاثة أقسام: الموازنة بين المصالح بعضها إلى بعض والموازنة بين المفاسد بعضها إلى بعض ثم الموازنة بين المصالح والمفاسد ولمعرفة فقه الموازنات فيما بينها لا بد من الدراية بشيئين مهمين وهما:

معرفة الشيء ومقاصده: لأن الشيء جاء لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد برتبها المعروفة الضرورية والحاجية والتحسينية فمقاصد الشريعة الإسلامية تسعى لحفظ وصيانة خمسة أمور هي: الدين والنفس والعرض والمال والعقل.

معرفة الواقع: ويقصد به دراسة ومعرفة الواقع المعيش دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولتحقيق الموازنة العلمية الصحيحة بين المصالح بعضها إلى بعض أو المفاسد بعضها إلى بعض أو المفاسد والمصالح لا بد من الدراية بفقه الشرع وفقه الواقع لاستنباط الأحكام والتشريعات.

وقد تطرقت كتب أصول الفقه إلى مثل هذه الموازنات بتفصيل وما علينا إلا أن نرجع إليها ونبحث فيها من أجل معرفة كيفية استنباط الأحكام، وغالبًا ما تقع الخلافات بين العاملين في الحقل الإسلامي بسبب قضية الموازنات بحيث إن كل فرد مجتهد أو جماعة مجتهدة تعتمد اجتهادات خاصة في هذا الشأن لاستنباط الأحكام. وهكذا فإن فقه الموازنات يفتح أبواب السعة والرحمة والاختلاف المحمود بين أفراد وجماعات الإسلام.

فقه الاختلاف: إن الحركات الإسلامية والدعاة والعلماء والعاملين للإسلام المختلفين اليوم في اجتهاداتهم في عديد من القضايا الفقهية والفكرية والسياسية.. لفي أشد الحاجة إلى الأخذ بآداب الاختلاف في نظر الشرع والسنة النبوية، وعلماء وأئمة الدين الكبار فالاختلاف سنة إلهية في الكون لا محيد عنها.

 قال تعالى ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (الأحزاب: 62) وقال أيضًا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (الروم: 22) وقال كذلك ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ (هود: 118، 119) ولهذا فالاختلاف من وجهة نظر الشرع هو اختلاف تنوع وتعدد ومصدر إثراء وخصوبة، أما السنة النبوية فقد أكدت مشروعيته ولا أدل على ذلك من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم في قضية صلاة العصر في بني قريظة، حيث أقر جواز تعدد الصواب أما الخلاف الفقهي بين العلماء والفقهاء والأئمة، فقد وجد في كل العصور في فروع الدين متمثلًا في ظهور المذاهب الفقهية واستمرارها إلى اليوم ليعبر عن عظمة الإسلام وإقراره بمشروعية الاختلاف في جزئيات الدين دون المس بالأصول لأن الاختلاف في الأحكام الفرعية الظنية لا ضرر فيه إذا كان مبنيًا على اجتهاد شرعي صحيح وهو رحمة بالأمة ومرونة في الشريعة وسعة في الفقه، وهناك دعائم فكرية وأخلاقية في فقه الاختلاف نوردها فيما يلي:

دعائم فكرية: وأهمها الاختلاف في الفروع ضرورة ورحمة وسعة... اتباع المنهج الوسط وترك التنطع في الدين.. التركيز على المحكمات لا المتشابهات.. ضرورة الاطلاع على اختلاف العلماء.. التعاون في المتفق عليه والتسامح في المختلف فيه.. مد جسور الحوار والتفاهم بين العلماء المجتهدين.. الاجتهاد في القضايا الكبرى.

دعائم أخلاقية: وأهمها الإخلاص والتجرد من الأهواء.. التحرر من التعصب المذموم للأشخاص والمذاهب والنحل.. إحسان الظن بالآخرين أو المخالفين جواز تعدد الصواب.. البعد عن المراء واللد في الخصومة، وللدكتور يوسف القرضاوي كتاب مهم في فقه الاختلاف يمكن الرجوع إليه للاستفادة والإفادة.[3]

الهوامش
[1]  الموافقات للإمام الشاطبي الاعتصام للشاطبي تعلیق رشید رضا.

[2] فقه الأولويات يوسف القرضاوي- مكتبة وهبة. 

[3] الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم للدكتور يوسف القرضاوي.

 

الرابط المختصر :