; قرابين الغزو الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان قرابين الغزو الصهيوني

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1982

مشاهدات 59

نشر في العدد 577

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 29-يونيو-1982

  • تاريخ العرب الحديث مليء بالشواهد التي تدين الأنظمة قبل كل اعتداء يهودي على الأمة.

  • عبد الناصر أعدم الكوكبة الأولى قبل العدوان الثلاثي ثم أعدم سيد قطب وإخوانه قبل عدوان 1967م.

  • الملك فاروق قتل البنا وأخرج كتائب الإخوان من فلسطين لتتوطد الدولة اليهودية.

  • النظام السوري اعتقل الإسلاميين قبل تسليم الجولان 1967م وافتعل مجزرة حماة الرهيبة لإسكات الشعب السوري تمهيدًا للغزو الإسرائيلي للبنان.

  • سيد قطب... أعدم تمهيدًا للنكسة.

  • البنا... اغتالوه لمصلحة إسرائيل.

  • بيغن... المستفيد الأول من ضرب الحركة الإسلامية.

  • الأسد... لا يوجد دبابه نحو الجولان... وإنما إلى حماة.

  • السادات... ملأ السجون.

في أتون ظروف هذا الزمن وصروفه، أثبتت الحركة الإسلامية في العالمين «العربي- والإسلامي» أنها تفوق كل التجمعات التنظيمية والحركات السياسية قوة ودينامية وحياة، وما ذلك إلا لأن الإسلام روحها وإعلاء كلمة الله هدفها، ولم يعجب هذا الواقع للحركة الإسلامية القوى الدولية الطامعة بهذه الأمة، الأمر الذي جعل المخططين الدوليين للمنطقة الإسلامية يضعون الخطة تلو الأخرى لإنهاء الوجود الإسلامي السياسي المتمثل بحركات الدعوة وتنظيماتها ،وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين.

  • لقد حاول أولئك المخططون ضرب التيار الإسلامي المتعاظم بإيجاد الدفع القومي وتسويده في المنطقة.. بل في مراكز القوة للحركة الإسلامية «مصر وسورية» ففشلت الخطة، وأثبت الدفع القومي صلاحيته وفقره حتى العجز. 

  • وحاولوا دفع الأيديولوجيات المضادة للعقيدة الإسلامية وتمريرها بوساطة بعض المثقفين في صفوف الشعب المسلم في «مصر وسورية» بالذات، فكانت الردة عليهم لا لهم، وكان الدفع أقوى للحركة الإسلامية التي وقفت بصلابة ضد تلك الأيديولوجيات وعلى رأسها الماركسية ووليدتها الاشتراكية.

  • هنا لم يبق أمام المخطط الخارجي للعدو إلا أن يعلن حرب التصفية على الحركة الإسلامية. لأنه أيقن أن عقيدة الإسلام لا تزوغ، وأن الشباب المسلم لا تقهره الحيلة ولا تعجزه المكيدة.

الأسباب الرئيسية: 

لعل الأسباب التي تدفع القوى الخارجية لهذه الفعلية ضد الحركة الإسلامية في عالمنا العربي بالذات كثيرة، لكن أهمها سببان:

الأول:

معرفة تلك القوى بأن جميع التنظيمات السياسية والتكتلات الحزبية في المنطقة ما هي إلا أشياء هلامية جوفاء لا حول لها ولا قوة، وأن الساحة مكشوفة كلها للفكر الإسلامي وتنظيماته وتجمعاته وأحزابه، وهذا يعني أن الإسلاميين هم العائق الوحيد أمام تمرير الرغبات الخارجية الاستعمارية في المنطقة.

الثاني:

عجز الحكام بشتى أشكالهم وأثوابهم وديباجاتهم الثورية والتحريرية عن تسويس الحركة الإسلامية لصالحهم، ولصالح أسيادهم بالأساليب السياسية والتخريبية المعروفة.

لهذين السببين كان لا بد من تدخل القوى الشريرة، والتخطيط لمعالجة الإسلام وحركاته في المنطقة بحيث يمرر المستعمر ما يريد في غياب أية حركة فعلية للمعارضة في المنطقة. 

هدفان أساسيان:

على أن القوى الخارجية التي تريد إزاحة الحركة الإسلامية وزعاماتها من طريقها تستهدف أمرين هما:

1- تعزيز الدولة اليهودية وتحقيق طموحاتها في قلب العالم الإسلامي وتعبيد الطرق أمامها بحيث تعيش آمنة مطمئنة معترفًا بها من العالم ومن الشعوب والحكومات الإسلامية أيضًا، وقد ثبت للمستعمر أن الشعب العربي بحاضره والذي ما زال حتى اليوم يرفض الوجود اليهودي على أية أرض عربية، أو إسلامية مليء بدوافع الانتقام ضد حكامه الخانعين الذين هم ليسوا سوى أدوات تتحرك بأصابع القوى الخارجية.. والذين كانوا السبب المباشر في التمكين لليهود أن ينشؤوا دولتهم وأن يوطدوها في قلب العالم الإسلامي.

2- تمرير الأطماع الاستعمارية في المنطقة العربية الغنية بالذهب والنفط والمعادن الضرورية لحياة هذا العالم في حضارة القرن العشرين، ولن تمر تلك الأطماع إلا بتحقق أمرين:

  • وجود الحاكم الضعيف الراضخ للرغبات الاستعمارية.

  • غياب الحركة الشعبية المعارضة.

والتي لا تكون إلا بالإسلام.

الخنجر الأول:

عندما أعلنت الأنظمة العربية حربها التمثيلية ضد الدولة اليهودية أرسلت جيوشها وأسلحتها الفاسدة ليموت المقاتل العربي دونما أية تكلفة يقدمها اليهود، وكان أن أرسل الإخوان المسلمون كتائبهم في ذلك العام لحرب اليهود، وبالفعل كانت هذه الجماعة هي القوة المقاتلة الوحيدة؛ الأمر الذي أغاظ المستعمر وأغاظ اليهود وأغاظ بالتالي الحكام العملاء. لذا فقد صدر الأمر في الثامن من كانون الأول «ديسمبر» 1948م لكتائب الإخوان بالتراجع عن المراحل التي تقدموا فيها داخل فلسطين المحتلة والعودة إلى المعسكرات ليجد جنود هذه الكتائب أنفسهم في اليوم الثاني محاصرين بقوات من الجيش المصري، ومن ثم تم إبلاغهم القرار الحكومي الذي صدر في القاهرة معلنًا حل التنظيم، وقد فسر الحاكم المصري آنذاك قراره بأن الإخوان المسلمين يريدون الاستيلاء على السلطة في مصر بعد تحرير فلسطين، وكانت الحكومة المصرية آنذاك أعلنت ضمن مبرراتها أنها اكتشفت وجود 165 قنبلة ومجموعة من الأسلحة عند جبل المقطم في أطراف القاهرة وأنها صودرت، لكن الإخوان بالفعل كانوا قد جهزوا تلك الأعتدة القليلة لإرسالها إلى فلسطين.. وكانت نتيجة ذلك:

1- حل جماعة الإخوان المسلمين، وإغلاق جميع مكاتبها وفروعها في مصر.

2- اعتقال جميع أعضاء الجماعة الذين أحاط بهم البوليس المصري ليلة القرار.

وقد ترك الإمام حسن البنا مرشد الجماعة آنذاك دون اعتقال، فقد عرف المخطط أن اعتقاله وسط تلك الظروف يثير الشعب المصري كله، لكن رصاصات الغدر كانت تنتظر موعدها مع الإمام، فبعد ظهر يوم 12 شباط «فبراير» 1949م أطلق عليه أحد العملاء النار من مسدسه فسقط الإمام شهيدًا ليلقى وجه الله.

كان هذا هو الخنجر الأول الذي وجهته القوى الغادرة بواسطة عملائها الحاكمين ضد الحركة الإسلامية.

حرب السويس 1956م 

تلك الحرب التي ذهب معظم المراقبين في العالم إلى تحليلها بالقول:

1- حدثت لإكمال الهالة الوطنية لحكم جمال عبد الناصر واتجاهه.

2- حدثت لإطعام الاتحاد السوفياتي بعض الفتات على المائدة العربية.

3- حدثت لترسيخ الوجود الصهيوني في قلب العالم الإسلامي، وتأمين الحماية الدولية الكافية له.

4- حدثت لدخول أمريكا نهائيًّا إلى المنطقة.

كل هذا جاء بحرب 1956م التي سميت بمعركة العدوان الثلاثي «الصهيوني - الإنجليزي – الفرنسي» على الأمة وعلى مصر ولئلا تعرف الشعوب حقيقة اللعبة. مهد الحاكم «الأداة» عبد الناصر لها بضرب الحركة الإسلامية بافتعال الأحداث معها. 

ففي التاسع من كانون الأول «ديسمبر» 1954م تم شنق ستة من زعماء الإخوان مع اعتقال الألوف ضمن الظروف نفسها وصدر قرار باعتقال الهضيبي «المرشد العام» يوم «30» من تشرين الأول أكتوبر وألقي القبض على معظم القادة «حميدة.. هنداوي دوير.. إبراهيم الطيب.. يوسف طلعت»، ثم تم إعدام الدفعة الأولى من شهداء الحركة الإسلامية في مصر، ليعلو الحاكم المصري آنذاك منصة الشرف بالتصدي لأقوى دول العالم في المنطقة «فرنسا- وبريطانيا» على دماء «محمود عبد اللطيف وهنداوي دوير وإبراهيم الطيب ويوسف طلعت الشيخ ومحمد فرغلي وعبد القادر عودة». 

ضربة 1966م والتمهيد للنكسة:

على الرغم من تلك الضربة فإن حاكم مصر لم يشأ ليقف مكتوف اليدين أمام تعاظم التيار الإسلامي.. كذلك لم يكن الحاكم السوري بعيدًا عن اللعبة، فالحرب بعد عام ستشن على كل من مصر وسورية والجولان وسيناء هما الهدف هذه المرة، ولن يسكت الشعب، لذا فقد وجب تقليم الاتجاه الإسلامي، لأنه التجمع الوحيد الذي يعي حقائق العمالة ولا يستطيع السكوت عليها.

وماذا حصل بعد:

في مصر:

نفذ حكم الإعدام في دفعة جديدة من زعامة الحركة الإسلامية حيث نفذ الإعدام بالشهيد سيد قطب، وفي عدد من إخوانه ومنهم عبد الفتاح إسماعيل كما حكم على الآلاف بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة.

في سورية: 

تأخر الحسم مع الحركة الإسلامية حتى اقتراب موعد الهجوم الإسرائيلي. فقبل شهور قليلة من حرب 1967م «النكسة» شنت السلطات السورية حملات اعتقال شديدة استهدفت الإسلاميين أثر حادث افتعلته السلطة حيث أمرت أحد عملائها وهو المرشح «إبراهيم خلاص» بنشر مقال مسموم يثير المسلمين في مجلة جيش الشعب الحكومية.. وخرجت في أعقاب نشر هذا المقال المفتعل مظاهرات المسلمين المستنكرة.. فكان الجواب الحكومي مختصرًا حيث اعتقل الزعامات الإسلامية.. بل طالت الاعتقالات آنذاك الشبيبة الإسلامية التي تشكل القاعدة المتينة والقوية للحركة،

وهكذا دخلت «إسرائيل» حربًا مفتعلة جديدة مع النظامين السوري، والمصري واقتطعت سيناء والجولان بينما الإسلاميون في السجون أو المقابر. 

مجزرة حماة وغزو لبنان:

لعل شريط الأحداث منذ عام 1967م حتى الآن مليء بالأحداث الدامية التي أدخلت الإخوان في السجون، أو وضعت رقاب الكثيرين تحت سكين مقصلة الأنظمة.

هذا الواقع كان يتبعه دائمًا غزو أو عمل صهيوني مضاد للأمة.

فالسادات الذي كان ينتظر عقد التسليم بينه وبين إسرائيل في إطار إتمام كامب ديفيد أدخل جميع القيادات والقواعد الإسلامية إلى السجون.. وقتل من قتل في الزنانين المظلمة.. ثم أكمل مبارك مسيرته فقتل الأستاذ السنانيري وأعدم الشهيد خالد الإسلامبولي ورفاقه الأبرار، وتمت الصفقة بينه وبين مناحيم بيغن. 

ولعل أكبر حدث في صفقة العملاء مع الدولة اليهودية- تتمثل في حماة- تلك المدينة الطاهرة التي هدمتها طائرات ومدافع ودبابات النظام السوري على أهليها الآمنين الأبرياء. 

نعم.. لقد كان الشعب السوري يدرك بفطرته أن ضربة حماة ما هي إلا مقدمة لعمل صهيوني يهودي كبير، وقد كتب بعض الإسلاميين منذ أحداث المجزرة الرهيبة أن ضرب المعارضة الإسلامية في سورية، وتهديم حماة بالذات ليس إلا تعبيدًا للطريق أمام حرب جديدة تمليها حكومة مناحيم بيغن على العرب لتقتطع بعد ذلك جزءًا عزيزًا من أرضنا الطاهرة هو الجنوب اللبناني.. بل لبنان كله.

لقد تم ضرب المعارضة السورية والشعب السوري معها بالأسلحة التي كان من المفترض أن توجهها سورية لتحرير الجولان.. ولقد تمت تصفيات النظام السوري لحساب التوجه اليهودي التوسعي الذي لا يريد أن تعود المعارضة الشعبية في كل من سورية ومصر بالذات للبروز وتهديد أنظمتها بالزوال. 

إن زوال الأنظمة المعنية بالموضوع الإسرائيلي في الأرض العربية هو الخسارة الحقيقية «لإسرائيل» وهناك بدهية سجلتها المؤثرات اليهودية مرارًا تفيد أن الخطر الوحيد على الدولة اليهودية لن يأتي إلا بهبوب رياح التيار الإسلامي، وهكذا يقود الدولة اليهودية بالتالي إلى تحصين نفسها من الخطر الإسلامي بتثبيت العملاء في المنطقة ليقوموا بمهام التصفية للإسلاميين كلما لزم الأمر، وسيبقى التاريخ شاهدًا على هذه الحقيقة، وستظل وصمة عار ملتصقة في جبين الأمة إذا استمرت في تجاهل ما تفعله بعض الأنظمة في مواجهة الحركة الإسلامية.

الرابط المختصر :