العنوان في السياسة الشرعية- حلقة 15.. الولاء في الدولة الإسلامية لله ولرسوله وللمؤمنين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1982
مشاهدات 73
نشر في العدد 555
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 05-يناير-1982
الولاء في الدولة الإسلامية لله ولرسوله والمؤمنين، والولاء لله برهانه الانقيادالتام لشريعته وأحكامها والحرص على الذود عنها والمقاتلة من أجلها ومن أجل إنفاذ أحكامها حكمًا حكمًا، وحرب أبي بكر رضي الله عنه لمناعي الزكاة وقتالهم رغم إقرارهم بالشهادتين وصلاتهم وصيامهم خير دليل على ذلك، والولاء لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكون في متابعته فعلًا وقوًلا وتقريرًا. والولاء للمؤمنين يكون في الحرص على جلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم، والوقوف معهم وفي صفهم حسب الطاقة والقدرة في كل وقت وموضع، والولاء لله وللرسول وللمؤمنين جزء من العقيدة في الله والعبودية له، وكل خروج على هذا الولاء هو خروج عن الملة الإسلامية والعياذ بالله. وإذا تصادم هذا الولاء لله والرسول مع الولاء للآباء والعشيرة والعائلة، فيجب أن ينحاز المؤمن لله ولرسوله وللمؤمنين غير عابئ بما يعقب ذلك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (التوبة: ٢٣).
﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: ۲۸).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ «المائدة ٥١».
كانت هذه الآيات وغيرها لمعالجة قضية الولاء لله في نفوس الجماعة الإسلامية الأولى؛ ذلك لأن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام يحاولون المزاوجة بين ولائهم لله من جهة وولائهم لقومهم الذين ما زالوا على الكفر، روي عن ابن عباس أنه قال: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد من اليهود يباطنون- يلازمون- نفرًا من الأنصار يفتنونهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «آل عمران: 28).. إن الولاء لله جزء من العبودية له. قال ابن تيمية- رحمه الله- في رسالة «العبودية»: إن العبودية لله نوعان:
عبودية قسرية تتمثل في كون الله ربنا ومالكنا وكوننا، خاضعين للقوانين التي جرى عليها الكون والسنن التي نظم بها الخليقة، فنحن عباد الله- بهذا المعنى- شئنا أم أبينا.
وهناك نوع آخر من العبودية لله نستطيع أن نسميه الخضوع الإرادي أو الانقياد الشرعي، وهو الإقرار لله وحده بالعبادة والطاعة فيما شرعه لنا من قوانين، لا تصبح نافذة وجارية في الواقع إلا بتدخل من إرادتنا، وهو ما يعبر عنه ابن تيمية رحمه الله بـ«عبودية الإلهية». وإن الولاء لله هو محض الحب لله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ (آل عمران: ۳۱- ۳۲).
روى الشيخان من حديث أنس مرفوعًا: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». وعنه أيضًا: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
وما رواه البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك. فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر».
لذلك كله نقول إن عملية الانقياد السياسي التي يقع فيها المسلمون في هذاالزمان، يجب أن تكون مشروطة بانقياد الزعامات السياسية لله ولرسوله وللمؤمنين، وألّا يكون هذا الانقياد السياسي بابًا واسعًا يؤدي بنا إلى هاوية الكفر والعياذ بالله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل