العنوان شؤون عالمية (395)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1978
مشاهدات 60
نشر في العدد 395
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 18-أبريل-1978
أميركا
كارتر يؤجل إنتاج القنبلة النيوترنية ولكن إلى متى؟
في الأسبوع الماضي اتخذ الرئيس الأميركي قرارًا بتأجيل إنتاج الأسلحة النيوترونية. وجاء في بيان أصدره كارتر بهذا الخصوص: لقد قررت تأجيل إنتاج الأسلحة ذات الآثار الإشعاعية الفتاكة، وسيتم اتخاذ القرار النهائي المتعلق بإدخال الأسلحة الشعاعية إلى السلاح الأميركي المطور في وقت لاحق. وقد أعلن كارتر في بيانه أن ذلك يعتمد على سياسة الحد من الأسلحة - الذرية والتقليدية - التي سيتبعها الاتحاد السوفيتي. وواضح من هذا الشرط أن كارتر جعل من القنبلة النيوترونية ورقة ضغط في آية مفاوضات قادمة مع السوفييت بهذا الخصوص.
ولا يتوقع المراقبون أن الجدل المحتدم منذ حوالي السنة حول هذه القنبلة سيأتي إلى نهايته بهذا القرار. فبالإضافة إلى أن كارتر لم يتخذ قرارًا نهائيًّا بشأن إنتاج القنبلة النيوترونية، فإن ثمة من يعارض سياسته المعلنة بخصوصها بهذه الدرجة أو تلك.
*مواقف متباينة*
أولًا، هناك مجلس الشيوخ الذي لم يستشره كارتر، كما يبدو، في اتخاذ هذا القرار، والمعروف أن روبرت بیرد، زعيم الديمقراطيين في المجلس، كان قد حث الرئيس الأميركي على المضي قدمًا في إنتاج قنبلة النيوترون كان ذلك قبل قرار التأجيل، ومن المؤكد أن الديمقراطيين سوف لن يريحهم وضع ملف إنتاج القنبلة النيوترونية على الرف مدة طويلة..
أما الأوروبيون فهم يفضلون إنتاج القنبلة النيوترونية؛ لأنهم يرون أنها السلاح الوحيد الفعال لحماية أوروبا الغربية. وقد حاول وزير الخارجية الألماني الغربي إقناع الرئيس كارتر بإنتاج القنبلة. وكان الوزير الألماني قد صرح في وقت سابق أن أي قرار حول وضع القنبلة في أوروبا الغربية يجب أن يصدر عن حلف الأطلسي.
الاتحاد السوفيتي، من جهته، استغل مسألة القنبلة النيوترونية للهجوم على سياسة الرئيس كارتر، وقد اعتبر السوفييت القنبلة أخطر ظاهرة في ميدان سباق التسلح منذ إنتاج القنبلة الهيدروجينية. ولم يرحبوا بقرار التأجيل فقد وصفوه بأنه تكتيك ليس له مغزى.
وقد أوضحت وكالة - تأس - أن خطوة الرئيس كارتر لا تمثل تخليًا ذا مغزى عن سلاح النيوترون. وهذا ما قالته صحيفة البرافدا الرسمية أيضًا..
*ماذا تعرف عن القنبلة النيوترونية*
وكانت أنباء هذه القنبلة قد احتلت واجهات الصحف، منذ كشف فالتر بنيكوس، الصحافي في الواشنطن بوست، عن وضع الحكومة الأميركية مخصصات لإنتاج القنبلة في حينه أن القنبلة ستركب على صواريخ لانس المثبتة في قواعدها الموجودة حاليًا في ألمانيا الغربية.
وأجمعت الصحافة العالمية على أن اختراع القنبلة النيوترونية وإنتاجها يعتبر أكبر مغامرة يمكن للعالم أن يتوصل إليها. ويقول فاينشتاين، الخبير العسكري المعروف، أن الأشعة القاتلة التي تصدرها هذه القنبلة تؤثر جذريًّا في الجسم، ويظهر مفعولها خلال وقت قصير، حيث تعمل النيترونات السريعة وهي دقائق صغيرة جدًّا غير مشحونة بالكهرباء على نزع النيتروجين الموجود في الخلايا فتفقد الأعضاء وظائفها ويفقد الجسم الحياة، ويكمن الفرق بين القنبلة الجديدة والقنبلة الذرية التقليدية في أن الأخيرة تسبب مقتل نصف عدد السكان الذين يقعون ضمن دائرة الانفجار وخلال عدد ضئيل من الثواني بينما يبقى مفعول القنبلة النيوترونية عدة ساعات ويستمر أيامًا وغالبًا أشهر حتى ينتهي. علمًا بأن مفعول هذه القنبلة يوازي عشرة أضعاف مفعول أية قنبلة نووية تم التوصل إليها.
وكانت القنبلة النيوترونية قد اكتشفت لأول مرة في بداية عام 1960. وفي ذلك الحين اعتبر هذا الاكتشاف من أكثر الأمور سرية بين كافة الأسلحة السرية في أمريكا إلا أن السيناتور الأميركي توماس دود كشف النقاب عن أعظم الأسرار في بداية شهر تموز - يوليو عام 1961. وقد أجرى أول تفجير نيوتروني في ربيع عام 1963 في صحراء نيفادا، وعلى عمق مئات الأقدام. وبعد ذلك بدأت أبحاث هذه القنبلة تتطور بمساعدة العالم الفيزيائي هارولد براون وزير الدفاع الأميركي الحالي، والعالم الفيزيائي النووي هيربرت بورك الذي أصبح اليوم مستشار البنتاغون.
وفي نهاية الستينات أوقف الجيش الأميركي تجاربه على هذه القنبلة نظرًا لوجود - مشاكل تقنية - إلا أن التجارب استؤنفت في رئاسة نيكسون الثانية.
... الذي بقي أن يعرفه القارئ عن هذه القنبلة هو أنها لا تصيب البنايات والمنشآت والجسور بالسوء والتدمير، فهي مخصصة لقتل الإنسان والإنسان فقط
بريطانيا
العنصريون يحققون انتصارًا جديدًا في قضية الملونين..
• لجنة برلمانية توصي بوضع قيود متشددة على الهجرة إلى بريطانيا.
دخل التيار العنصري المعادي للملونين في بريطانيا مرحلة جديدة.
فقد أقرت لجنة متفرعة من مجلس العموم البريطاني جملة توصيات في هذا الخصوص تدعو الحكومة إلى إيقاف الهجرة إلى بريطانيا بشكل حازم وواضح خلال المستقبل القريب. وطالبت اللجنة بألا يسمح لأحد بالقدوم إلى بريطانيا إلا في ظروف استثنائية وشخصية.
ولربما ظنت اللجنة أنها وضعت حدًّا للجدل المحتدم منذ ثلاثة عقود حول السياسة الواجب اتباعها إزاء قضية الهجرة. إلا أن المراقبين يرون أن توصياتها هذه أشعلت مناقشات منذ أن افتتحت زعيمة حزب المحافظين الجدل حول الهجرة والملونين قبل أكثر من عشرة أسابيع - المجتمع عدد 391.
* توصيات اللجنة البرلمانية *
ويعارض تقرير اللجنة البرلمانية أية موجات جديدة من المهاجرين وأغلبهم من الملونين من المستعمرات البريطانية السابقة، ويدعو إلى وضع تقييدات شديدة على الهجرة، ومن ذلك وضع حد لحق حاملي الجوازات البريطانية من سكان دول الكومنولث بالإقامة في بريطانيا لفترة طويلة.
وبالإضافة إلى ذلك فقد لاحظت اللجنة ما يلي:
أولًا: أن بريطانيا قد وفّت بالتزاماتها إزاء المهاجرين الآسيويين الذين طردهم الرئيس الأوغندي عيدي أمين، وهم مسلمون.
ثانيًا: دعت اللجنة الحكومة بالسماح لزوجات وأطفال الهنود المقيمين في بريطانيا بالالتحاق بأبنائهم بشرط ألا يتعدى الطفل السادسة عشرة من عمره.
ثالثًا: وانتقدت اللجنة الحكومة لعدم كفاية الإحصاءات الرسمية عن الهجرة. وقالت اللجنة إن الوزراء والمسؤولين تنقصهم المعلومات الكافية التي تمكنهم من إصدار أحكام معقولة.
رابعًا: أوصت اللجنة بتشديد الرقابة على المهاجرين للحد من وجود المقيمين بصورة غير شرعية، ومن أولئك الذين يبقون في بريطانيا بعد انتهاء المدة المسموح لهم بها في تأشيرات الدخول..
ودعت اللجنة أخيرًا إلى فرض عقوبات على الشركات التي توظف مقيمين غير شرعيين.
• مخاوف الملونين •
وقد شعر زعماء الهيئات الآسيوية والهندية بالسخط إزاء توصيات اللجنة، خصوصا أنهم يرون أن تقريرها يمنح صفة الشرعية على مواقف الجماعات المتطرفة.
وقد وصف المجلس المشترك لمصالح المهاجرين تقرير اللجنة بأنه هدية للعنصريين واتهم أحد الزعماء اللجنة بوقوعها تحت تأثير التعصب العنصري، وقد تعاطف عدد من المعتدلين معهم. وكما صرح المتحدث الرسمي باسم حزب الأحرار لشؤون الهجرة، فإن التقرير -وثيقة سلبية بصورة كاملة- وقال إن توصيات اللجنة من شأنها أن تصعد الهستيريا العنصرية ضد الملونين في بريطانيا.
* راضون.. غير راضين *
من الناحية السياسية يعتبر التقرير نصرًا كاسحًا لزعيمة المحافظين. وقد امتدح أحد مسؤولي حزب المحافظين الوثيقة باعتبارها - مساهمة بناءة ومسؤولة - في مسألة الهجرة. ولم يكن باستطاعة المقربين من السيدة تاتشر إخفاء فرحتهم، وقال أحدهم.. - نحن مسرورون، مع أن التقرير لم يذهب إلى المدى الذي ينسجم مع نظرتنا. أما الجبهة الوطنية، وهي منظمة عنصرية متطرفة، فقد أبدت هذه الملاحظة، وذهبت إلى مدى أبعد في انتقادها للتقرير. فقد صرح سكرتير الجبهة قائلا:
- إن الوثيقة مخيبة للآمال.
وأضاف يقول إن العمال والمحافظين أقاموا مجتمعًا متعدد الجنسيات في بريطانيا بدون أخذ موافقة البريطانيين أنفسهم، وأخذ الزعيم المتطرف على التقرير أنه لم يُشر إلى إعادة هؤلاء الناس إلى البلدان التي جاءوا منها.
* موقف الحكومة البريطانية *
وعلى الرغم من أن توصيات اللجنة غير ملزمة؛ فالمتوقع أن تتبنى الحكومة أغلبها. وأعلن وزير الداخلية أن الحكومة ستصدر كتابًا أبيض حول المسألة، وفي هذه الأثناء فإنها سوف تتبع سياسة حازمة وعادلة إزاء الهجرة.
ويتخوف بعض العمال من أن تندفع الحكومة إلى التشدد في شروط الهجرة بدرجة لا ضرورة لها، وذلك بتأثير الانتخابات القادمة، التي ستجرى بعد عدة أشهر. وهذا مما يجعل الموضوع برمته غير ممكن السيطرة عليه..
** وعلى أية حال، فهذا مثل بسيط على حقيقة – إنسانية - الجاهلية، وانفتاح نظامها الرأسمالي على الشعوب الأخرى، نسوقه ليكون الجميع على وعي تام بحقائق الأشياء من حولنا في هذا العالم الزاخر بالمتناقضات.
هل يكمل سوهارتو سنوات رئاسته الثالثة؟
اعتقال عدد من القادة الإسلاميين في جاكارتا..
لا يعدم المراقب المتتبع أن يجد على الدوام مادة للحديث عن الارتباك والاضطراب وعدم الاستقرار والفساد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في هذا البلد الإسلامي أو ذاك، على طول العالم الإسلامي الكبير وعرضه ولا ريب أن لهذا الهرج والمرج في أحوال المسلمين العامة أسبابًا موضوعية يمكن تشخيصها والحديث عن طرق علاجها بوضوح وسهولة.
ولا ريب أيضًا أن للتسلط الأجنبي، الذي تحكم في عالمنا الإسلامي ردحًا طويلًا من الزمن، الدور الكبير فيما آلت إليه أحوالنا الحاضرة.
... ولكن العامل الأساس، في رأينا، لكل هذا هو قيام نظام حياتنا الحاضرة على أساس ما جاءنا من المتسلطين من قوانين وتشريعات، وعلى أساس ما بقي إلى اليوم من بعض عادات وتقاليد لا يقرها الإسلام، فكان حصيلة ذلك أن أقصي النظام الإسلامي عن واقع الحياة فبرزت إلى السطح ظواهر الفساد والانحراف والفوضى.
وهذه أنباء إيران وباكستان والمغرب وأخيرًا أندونيسيا، تنبئك بصدق ما قدمناه لك آنفًا...
* إندونيسيا *
ولنحاول في هذا المقال أن نلقي ضوء على الأوضاع في إندونيسيا، إضافة إلى ما حدثناك عنه في الأعداد السابقة.
تقع إندونيسيا في أقصى الشرق شرق العالم الإسلامي، في جنوب شرقي آسيا، وهي عبارة عن مجموعة هائلة من الجزر يبلغ عددها 13677 منها 6044 جزيرة مأهولة بالسكان والباقي غير مأهولة. بعض هذه الجزر كبير معروف، مثل جاوة، وسومطره، وبورنيو، وسيلبيس، وجزر المولوك. وغينيا الجديدة وأريان وغيرها. وتنتشر هذه الجزر على مساحة واسعة تزيد عن 12 مليون كيلومتر مربع، وتمتد على طول 6000 كم بين الغرب والشرق، بين خطي طول 95 و150 شرقًا، وعلى طول أكثر من 2100 كم بين الشمال والجنوب بين خطي عرض 7 شمالًا و11 جنوبًا. وتبلغ مساحة اليابس منها 3.371.419 کیلومترًا، يبلغ عدد سكان إندونيسيا حوالي 135 مليون نسمة أغلبهم مسلمون.
وتتمتع إندونيسيا بثروة طبيعية ضخمة، فهي تقدم 40 بالمائة من المطاط في العالم و20 بالمائة من القصدير، و90 بالمائة من الكينا، و85 بالمائة من الفلفل، و75 بالمائة من الكابوك، و25 بالمائة من زيت النخيل، و20 بالمائة من الشاي، و17 بالمائة من السكر، و5 بالمائة من البن، و3 بالمائة من البترول.
وبذا فهي تحتل المرتبة الثانية في العالم بإنتاج المطاط، والمرتبة الرابعة بإنتاج فول الصويا، والخامسة بإنتاج الخشب، والشاي والرز، والقصدير.
*وصول الإسلام إلى إندونيسيا*
بدأ الإسلام بدخول الجزر الإندونيسية خلال القرن الثالث عشر، حمله إليها التجار والدعاة المسلمون أمثال الشيخ عبد الله العارف في أوائل القرن الثاني عشر، وتلميذه الشيخ برهان الدين الواعظ، والتاجر العالم الشيخ إبراهيم، المتوفى عام 1419.
أغلب السكان قد اعتنقوا الدين الإسلامي. ولم يبق بعيدًا عن الإسلام إلا تلك القبائل المعزولة في الغابة التي لم تختلط بغيرها. وقد وصف الرحالة الإسلامي الشهير ابن بطوطة سكان جزيرة سومطرة عندما زارها عام 1345 بأنهم شافعية محبون للجهاد يخرجون مع ملكهم تطوعًا وهم غالبون على من يليهم من الكفار، والكفار يعطونهم الجزية على الصلح.
وعندما وقعت إندونيسيا تحت الاحتلال البرتغالي، والهولندي، والبريطاني، والياباني، لعب الإسلام والحركات الإسلامية دورًا كبيرًا في حركة التحرر الأندونيسي. وقد سعت الأحزاب الإسلامية، خصوصًا حزب ماشومي، إلى إقامة الدولة الإسلامية في إندونيسيا، وعلى الرغم من كل المضايقات والأحوال الصعبة ووجود النشاط المعادي للإسلام، فإن النواب المسلمين يحتلون الآن 131 مقعدًا في البرلمان، من مجموع 920 مقعدًا. وهذا يكشف لك عن جانب من الخلل الكبير في النظام السياسي القائم في هذا البلد الإسلامي، فالنواب المسلمون يفترض أنهم يمثلون الأغلبية المطلقة للمسلمين في إندونيسيا، ومع ذلك فهم أقلية في البرلمان.
*متاعب سوهارتو*
أقام سوهارتو نظام حكمه قبل أحد عشر عامًا بعد فترة من الاضطراب السياسي شهدتها إندونيسيا إثر التمرد الشيوعي في أيلول عام 1965 عندما كان أحمد سوكارنو رئيسًا للجمهورية مدى الحياة.
صحيح أن أعضاء البرلمان أعادوا انتخابه لمرة الثالثة. ولكن دلالة ذلك على الثقة والاستقرار تتلاشى إذا عرفنا أن أغلب أعضاء البرلمان -باستثناء ممثلي القوى الإسلامية- هم صنائع الرئيس نفسه، فأكثر من ربع أعضاء المؤتمر رجال عسكريون و400 عضو من جولكار، وهو حزب السلطة، وأغلبهم مدينون بوظائفهم، للجنرال سوهارتو.
وعلى الرغم من مرور هذه الفترة وعلى الرغم من أن سوهارتو حقق بعض – الإنجازات – الاقتصادية خلالها، مثل انخفاض معدل التضخم إلى نسبة 10 بالمائة. بعد أن بلغ 47 بالمائة عام 1973، وارتفاع معدل النمو الاقتصادي إلى 7 بالمائة، وازدياد الدخل الفردي من 150 دولارًا إلى 240 دولارًا بالسنة، رغم ذلك، فإن سوهارتو لم يحقق أمرين: الاستقرار السياسي وثقة الشعب به.
أضف إلى ذلك أن الاحتياطات الأمنية البالغة الشدة، والتي اتخذتها السلطة عندما كان البرلمان مجتمعًا للتصويت على تجديد الرئاسة، تعتبر ذات دلالة قوية على ضآلة ما يتمتع به النظام الحاكم من استقرار وما يحسه من اطمئنان.
هذا بالإضافة إلى أن عددًا من -أهل النظام- لم يعودوا أنفسهم راضين بالأوضاع الحالية، وبالذات نائب الرئيس الذي استقال من منصبه على الرغم من محاولات سوهارتو الثلاث إقناعه بالعدول عن الاستقالة، ولم يعد سرًّا السبب الذي حمل السيد سلطان همنجو بوونو على الابتعاد عن رئيسه فقد صرح قائلًا:
- لقد استمعت دائما لصوت الشعب وسمعتهم يطالبون بمزيد من العدالة الاجتماعية، وهذا ما يدفعني إلى القيام بأعمال ذات أثر على البلاد.
وليس بمقدوري القيام بذلك ما لم أتحرر من القيود الرسمية التي يفرضها منصب نائب الرئيس.
ويعبر الطلاب الثائرون بصدق عن صوت الشعب على الرغم من سياسة الشدة التي يتبعها سوهارتو في إسكاتهم، وخصوصًا في قمع انتفاضهم عام 1974. لقد عادوا إلى التظاهر مرة أخرى منذ مطلع العام الحالي، وارتدوا الملابس الصفراء، رمز الثورة، الذي رفعوه بوجه سوكارنو عام 1966، لعل سوهارتو يدرك دلالة ذلك.
ويحتج الطلبة على فساد الإدارة وخصوصًا على مستوى كبار الموظفين وينتقدون الأوضاع الاقتصادية التي أدت إلى اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء.. وهم يرفضون النظام الرأسمالي القائم ومنفذيه التكنوقراطية المتأثرين بالثقافة الغربية. ويأخذون على سوهارتو اندفاعه في الاعتماد على تصدير النفط والخامات الأخرى مما زاد في احتياج إندونيسيا للغرب المتخم صناعيًّا.
وإذا كان الطلاب يرفضون النظام القائم، فإن الإسلاميين تجاوزوا مرحلة الرفض إلى تقديم البديل، والمعروف أنه يوجد في إندونيسيا عدد من الأحزاب والقوى الإسلامية المؤثرة في الشارع الإندونيسي وقد وصفهم قائد حامية جاكارتا بالإرهابيين إلا أنه لم يستطع أن يخفي حقيقة أنهم حركة إسلامية تريد تحويل إندونيسيا إلى دولة إسلامية بتطبيق النظام الإسلامي الذي يحقق للبلاد رخاءها وتقدمها وخلاصها، وقد رفض ممثلو الحركة الإسلامية التصويت على إعادة انتخاب سوهارتو. ودلالة هذا الرفض كبيرة بلا شك في بلاد أغلب سكانها مسلمون، ولا بد أن قادة الحركة الإسلامية يتوقعون الآن فصلًا جديدًا من الإرهاب والمواجهة الساخنة مع أجهزة النظام الحاكم، وقد بدأت فعلًا طلائع ذلك باعتقال السيد محبوب جنيدي نائب السكرتير العام للحزب الإسلامي المتحد، وكذلك السيد عبد الله جيلاني زعيم حركة الشبيبة الإسلامية.
والواقع، فإن سوهارتو بدأ الآن في اجتياز الوقت العصيب لنظامه بعد انتخابه، كما تقول صحيفة الغارديان ومتاعبه قد لا تتيح له المجال لإكمال فترة رئاسته الثالثة. فبالإضافة إلى ما تقدمن فإن عددًا من سكان المقاطعات الأندونيسية يشعرون بالغبن. فالملقيون يطالبون بأن يسمع صوتهم، وفي تيمور ما زال النزاع قائمًا، وهناك امتعاض في أريان الغريبة التي تشكو عدم الوفاء بوعود تنمية المنطقة.
والشائعات المنتشرة الآن في إندونيسيا تقول إن سوهارتو سوف لن يستمر في الحكم طويلًا. وقد ذكرت صحيفة نيوزويك مؤخرًا أن الجيش هو القوة الوحيدة التي أيدت إعادة انتخاب سوهارتو، بشرط أن يستقيل خلال سنة، وهذا يعني أن الجيش وافق على إعطاء الرئيس مهلة للخروج بسلام. ولكن ماذا يحدث لو أنه لم ينفذ بنود الاتفاق مع قادة الجيش؟
أحد المراقبين لخص الموقف بقوله:
- إنها أزمة ثقة، وإذا لم تستطع الحكومة السيطرة على الأوضاع فسيفكر الناس بضرورة استبدال سوهارتو.
أما السؤال الأهم الذي يدور بخلد رجل الشارع الأندونيسي فهو:
- هل إن القضية هي قضية سوهارتو، أم النظام العام الذي يمثله؟.