العنوان في دائرة الأدب الإسلامي: الأديب والشريحة!
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1988
مشاهدات 66
نشر في العدد 854
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 02-فبراير-1988
كنت أقرأ في
مجلة «الآداب» عدد مايو سنة 1980 حوارًا عن الرواية العربية الجديدة، فلفتت
انتباهي إشارة إلى مسألة التصنيف الاجتماعي وعلاقته المحتومة بعملية الإبداع الفني
والأدبي وتساءلت: هل إن تصنيفنا للكتاب والأدباء والفنانين حسب انتماءاتهم الطبقية
يستتبع - بالتالي - تصنيفًا فنيًّا لهم؟
بعض النقاد
المعاصرين يجيبون بالإيجاب، وهم لا يقفون عند حدود علاقة مرنة بين الانتماء الطبقي
والإبداع قد يحدث من خلالها تأثير ما، ولكنهم يتجاوزون ذلك إلى وضع قانون أصم لا
يقبل جدلًا ولا نقاشًا: إن الفنان أو الأديب أو المفكر يقدم أعماله انعكاسًا صرفًا
ومحتومًا للشريحة الاجتماعية التي وجد نفسه ينتمي إليها.
وهم من أجل
تنفيذ قوالبهم الصارمة هذه يبذلون جهدًا إضافيًّا لكي يتسع كل منها للأديب، أو
الفنان الذي شاء الحظ أن يقع بين أيدي دارسين متشنجين كهؤلاء.
نعم.. إنهم
يبذلون جهدًا إضافيًّا ولكنه يؤول في كثير من الأحيان إلى تزييف الحقائق ولوي
عنقها من أجل أن تستجيب لمطالب القالب المرسوم سلفًا: الطول والعرض والعمق
والارتفاع.. فتكون بمقاسه تمامًا، حذو النعل بالنعل!
وهم من أجل
تطبيق نظريتهم المقتبسة بالحرف عن ماركس وإنجلز ولينين وستالين وماو ممن كتبوا في
الفن وفلسفة الجمال.. هم من أجل ذلك يبلغون حد السخف والفجاجة أحيانًا، الأمر الذي
يدفع القارئ إلى القرف والاشمئزاز.
فما دام
الموسيقار محمد عبد الوهاب قد نشأ في بيئة بورجوازية، يقول أحدهم - دونما مبرر
لذكر اسمه - فإن أغانيه يتحتم أن تعكس اهتمامات ومطامع الطبقة الوسطى: المزيد من
الربح والرفاهية وتحقيق الذات.. وما دام سيد درويش قد نشأ في بيئة فقيرة فلا بد أن
تكون أغانيه شعبية تغني للجماهير والعمال بدلًا من الاستغراق الرومانسي المريض في
الذات.. والعشق.. والمحبة!
ويحس القارئ
بالدوار وهو يحاول أن يتثبت من هذا الذي يقوله الرجل: أن يصدق استنتاجاته التي
يكتبها بحرارة وإلحاح.. فلا يصل إلى ما يرجوه... ويجد محمد عبد الوهاب رغم
بورجوازيته يغني للعامل والفلاح، وينشد للوطن والجماهير.. كما يجد سيد درويش رغم
«بروليتاريته» يتغنى بالعشق والهيام ويستغرق في الذات حتى ليكاد يذوب رومانسية وهو
يردد «أنا هويت وانتهيت»!
ومن عجب أن
الواحد من هؤلاء يرى حالات اعتراضية كهذه تقف قبالة استنتاجه الجامد المُلح،
وتتحداه، فيتغاضى عنها حينًا، ويلف حولها حينًا آخر، ويهملها بالكلية حينًا ثالثًا
كأن ليس لها وجود!
إنها النظرية
التي حملوها إلى حد التعبد، والقوالب الجامدة التي «تُفبركها» هذه النظرية،
والإلحاح الذي يمارسه الأتباع بأكثر مما يمارسه أصحاب النظرية وسادتها.. ملكيون
أكثر من الملك.. كما يقول المثل..
وماذا تكون
النتيجة؟ تزييفًا للحقائق، وطمسًا لمعالمها، وعرضًا للإبداع والمبدعين كما لو
كانوا إفرازًا طبيعيًّا لحالة اجتماعية.. تعبيرًا ميكانيكيًّا عن الطبقة أو
الشريحة التي ينتمون إليها.
ومن عجب أن
الواحد منهم يسير على خطى الآخر لا يشذ يمينًا ولا شمالًا فيستخدم القوالب نفسها،
ويحاول بالصيغ الخاطئة ذاتها أن يُحجم الأدباء والفنانين لكي يكونوا على المقاس
المطلوب.. فإذا ما سعى أحدهم إلى أن يبتكر جديدًا أو يضيف إلى ما سبق وأن طرحه
زميل له من قبل، فإنه لا يفعله بأكثر من أن يزيد عليه حيلًا في التحجيم، ويصر على
مزيد تقسيم للطبقة إلى شرائح والشريحة إلى عينات.. ويتجاوز أستاذه، وهو يتلفت بين
لحظة وأخرى إلى الوراء لكي يتلقى نظرات الإعجاب على هذه القدرة الفذة في الإيغال
في شعاب النظرية وتنفيذها حرفيًّا في ميادين الإبداع.
ولقد أتى حين من
الدهر على أمتنا العربية المنكودة كاد هؤلاء أن يسيطروا فيها على الساحة الثقافية
عمومًا والنقدية على وجه الخصوص، فما كان بمقدور المرء أن يقع على صحيفة أو مجلة
أو كتاب إلا ويلتقي بالنبرة نفسها.. بالصبغة الآلية التي لا تتغير اجتماعيًّا أو
طبيعيًّا!
ولشدة تكرارهم
هذا... وبسبب من انتشارهم وتفردهم بالعقل والذوق العربيين، فإنهم قادوا كثيرًا من
المثقفين يومها إلى ما يشبه عملية غسيل المخ التي تتأتى عن الطرق المستمر لإفراغ
المحتوى القديم وصب الصيغ والمفردات الجديدة صبًّا في العقول التي تجد نفسها، فيما
يشبه عملية الاستلاب التي يمارسها التنويم المغناطيسي، مسوغة للتصديق والتأييد، بل
مسوقة لأن تقدم هي الأخرى معطياتها الإبداعية أو النقدية على الطريق نفسه وإلا
اتهمت بالتحريف أو التخريف!
كما أنهم
لتكرارهم الممل، وتفردهم بالعقل والذوق العربي، قادوا جموعًا أخرى من المثقفين
العرب إلى وقف متابعاتهم الثقافية، والكف عن المطالعة والاكتفاء بما كانوا قد
تعلموه أيام التحرر العقلي والاختيار، قبل أن يسيطر على الساحة دعاة الجبرية
والحتميات الاجتماعية.
تساؤلات حول
النقد الأدبي والطبقية
ويتساءل المرء:
لِمَ هذا التشبث الأعمى بمسألة الطبقة والشريحة والعينة رغم انقضاء قرن كامل
عليها، ورغم أن أساتذتهم في أوروبا شبّوا عن الطوق وتحرروا بعض الشيء من الأصفاد
التي قيدتهم بها قوالب ماركس وإنجلز ولينين وستالين وماو؟!
ألا يحاولون -
بإخلاص وتجرد للعلم والفن والحقيقة - أن ينزعوا نظاراتهم العتيقة وأن ينظروا
بأعينهم مباشرة إلى الظواهر والأشياء لكي تجيء استنتاجاتهم أكثر صوابًا وأقرب إلى
الإقناع؟
ألم يدركوا -
بعد - أن كثيرًا من المجتمعات في الغرب والشرق على السواء تهاوت فيها وذابت
الفواصل الطبقية وأصبح عسيرًا التمييز بين الشرائح كما يسمونها؟ ألم يروا بأعينهم
كيف قفزت بعض الطبقات الفقيرة، بممارسة هذه المهنة أو تلك إلى سدة الثراء الفاحش
وانخفضت طبقات بورجوازية - كما يسمونها - إلى حالة الفقر شبه المدقع؟ ألا يحسبون
حساب هذه المتغيرات التي ستزداد سرعة وعنفًا بمرور الزمن؟
أو لم يروا بأم
أعينهم كذلك كيف غدت قطاعات كبيرة من العمال، بسبب من التقدم التقني المذهل، أقرب
إلى «التبرجز» وأنها لم تعد تحمل من ملامح الطبقة القديمة سوى الاسم؟
مهما يكن من أمر
فإنهم إن لم يختاروا أن يتعلموا بأنفسهم من الوقائع والأحداث والمتغيرات فستتولى
هذه إرغامهم على التعلم ما داموا لا يؤمنون بالاختيار الثقافي ويصرون على منطق
الحتميات!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل