العنوان إلى أبنائي وبناتي في الأيام العشرة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010
مشاهدات 62
نشر في العدد 1927
نشر في الصفحة 56
السبت 13-نوفمبر-2010
أبنائي وبناتي الأحبة، أعرف كم تشتاقون إلى زيارة بيت الله الحرام في هذه الأيام المباركة، وأدرك لهفتكم إلى زيارة نبيكم صلوات ربي وسلامه عليه وأرى في أعينكم دموع الحنين إلى الأرض المقدسة التي شهدت تاريخ النبي ﷺ وأصحابه الكرام في صراعهم مع المشركين وأعداء الدين، وأقدر مدى حاجتي وحاجتكم إلى رحمة الله وغفرانه، فمن يسر الله عليه منكم وسافر لأداء الفريضة فهنيئًا له، نعم.. نهنئه رافعين أكف الضراعة أن يتقبل الله منه، ويجعل حجه مبرورًا وذنبه مغفورًا، كما نسأله سبحانه أن يكتب لنا أداء هذه الشعيرة العظيمة.
لقد سافر من سافر ، وكتب الله لهم أداء الفريضة، وبقيت أنا وأنتم -أبنائي وبناتي الأحبة -فماذا عسانا أن نعمل؟
إن بشريات كثيرة عظيمة في انتظارنا، بشريات تبرز كرم الله عز وجل وتفضله على عباده، وأولى هذه البشريات قوله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام» «العشر الأوائل من ذي الحجة». قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» «رواه البخاري».
تخيلوا -أبنائي وبناتي- تلك الأيام التي تكون العبادة فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، إلا ذلك الرجل الذي ضحى بأغلى ما يملك.. بنفسه التي بين جنبيه وبحياته، وكذلك ضحى بماله في سبيل الله، فكم نتخيل لهذا الرجل من أجر.. إنها هبة من الوهاب، وكرم من ربكم الكريم، وهدية من الله لمن لم يستطع الحج، فهل قدرنا هذه الهدية الثمينة، وعظمنا من أهداها لنا فحافظنا عليها، فانتفعنا بها؟!
يا خيل الله سيري
لقد كان سيدنا خالد بن الوليد عندما يخرج للجهاد في سبيل الله يهتف بحماسة وإقدام وعزيمة وإصرار يا خيل الله سيري فهل أعددنا أنفسنا وكنا أقوى فرسان في سباق الخير بالعشر الأوائل من ذي الحجة.. ذلك السباق الذي نخوضه الآن؟!
فليحرص كل منا على الفوز بالمركز الأول في هذا السباق، فلا تعد أعينكم عنه -أبنائي وبناتي- ولا تركنوا إلى الذين ناموا ولعبوا فيفوتكم المقام الكريم في الجنة.
أنت فارس.. فأين فرسك؟
نعم أنت فارس، تقود نفسك التي بين جنبيك، وقد حذرك ربك سبحانه من هذه النفس، وهو خالقها، فقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: 53)
وما دمت أنت الفارس فلا بد أن تقود حصانك، لا أن تتركه يقودك، ونفسك هي حصانك الذي ينبغي أن تمتطيه.
هل رأيت حصانًا يقود صاحبه؟
سؤال قد يبدو غريبًا؟ وقد تجيب بأنك لم تر حصانًا يقود صاحبه، ولكنك إن فكرت مليًا سوف تدرك أن الحصان عندما يجمح ويفلت زمامه يستطيع أن يقود صاحبه لكنه يقوده برعونة وسرعة، يسير به وينحرف خطأ، فيصطدم بالحواجز، ويوقع صاحبه في الحفر، وربما يؤدي ذلك إلى هلاك صاحبه، أو -على الأقل- إصابته.
هل تسمح لنفسك أن تقودك؟
إنك عندما تترك لنفسك أن تسير على هواها، وتغرق في شهواتها.. تكون حينئذ قد سمحت لها أن تقودك، ومن ثم تصير كهذا الفارس الذي يقوده حصانه إلى الهلاك، فما أروع هذا القول: «النفس كالدابة، إن ركبتها حملتك، وإن ركبتك قتلتك».
أجل يا بني.. ربما تقودك نفسك عكس السباق، تقودك في اتجاه الخطأ، فتدخن السجائر، وتنظر إلى ما حرمه الله، أو تلمس الحرام أو تأكله، وتترك الصلاة، وتهجر القرآن، وتخاصم الذكر، وتعق والديك، وتجلس الساعات الطوال في لهو ولعب لا يفيد، وتشاهد الأفلام والمسلسلات الهابطة، وتهمل دراستك، وتسيء استخدام هاتفك.
إنك عندما تصير حالك هكذا.. تأكد من أن نفسك هي التي تقودك، كالدابة الجامحة لا يستطيع صاحبها أن يتحكم فيها، وهي ذاهبة به لا محالة إلى الهلاك.
وأنت يا بنيتي ربما تقودك نفسك في عكس السير -وأنت في هذه الأيام المباركة في سباق الخير- فتسيرين في طريق معوجة، فتبرزين مفاتن جسدك التي وهبك الله إياها، دون حول منك ولا قوة، فتشوهين جمال صنع الله وخلقه، وتعصين بذلك ربك وتكفرين بنعمه وتخلعين الحجاب وثوب الحياء، وتظهرين حاسرة الرأس، وترتدين ملابس تظهر عورتك، وتعرض جسدك لتنهشة الذئاب، متجملة متعطرة بالشارع والطريق، وتعيشين علاقات غير شرعية، تخدعين نفسك، وتخادعين أهلك، وتكذبين عليهم.
إلى السباق إذن
أبنائي وبناتي الأحبة، قبل أن تبدؤوا السباق تهيؤوا له، فاخلوا بأنفسكم وحدثوها، واسألوها: هل هي حقًا تحتاج إلى أجر الأيام العشرة؟ هل تحتاج إلى مغفرة ربها وعفو خالقها؟!
روضوا أنفسكم على الطاعات إن كانت هذه الأنفس عاصية، وضعوا على ظهرها سرج الطاعة حتى يتيسر لكم امتطاؤها، فإن الوقت ليس في صالحكم، فإن أبت أنفسكم فامتطوها عنوة، وألجموها كما يلجم الفرس المتمرد الجامح، وخذوها بكل ما أوتيتم من قوة من طريقها المعوج وتمردها إلى الطريق السوية والطاعة، وأعلموها أن هذه الأيام هي طوق النجاة، فلا يصح أن نضيعها وندعها تمر دون أن نستثمرها.
حجوا بقلوبكم
إنكم تستطيعون -أبنائي وبناتي- الأحبة أن تحجوا بقلوبكم إن لم تكونوا حججتم هذا العام بأبدانكم، وذلك بأن تعيشوا بعواطفكم ومشاعركم تلك الشعيرة المباركة عيشوا بوجدانكم وأخلاقكم كأنكم هناك في رحاب الحج، فلا رفت ولا فسوق ولا جدال ولا خصام، ولا كذب، ولا فحش .. اصطلحوا مع أنفسكم واصطلحوا مع خالقكم، وحجوا إليه بأرواحكم، وكونوا محرمين، وذلك باستشعار معنى الإحرام، فما هو إلا كفن، يذكركم بأن الموت قادم لا محالة، وأن لبس الكفن الذي لا جيوب فيه أمر محتوم، فاعملوا لهذا اليوم وجاهدوا أنفسكم في العمل الصالح، فاسعوا إلى الخير، وخذوا بأسبابه، لتعيشوا معاني السعي بين الصفا والمروة، وارجموا الشيطان بتجنبكم المعاصي والأوزار، فربما تنالون الثواب بالنية الصادقة.
منهج يونس عليه السلام أم منهج فرعون؟
أبنائي وبناتي الأحبة، انظروا أي المنهجين تختارون، منهج نبي الله يونس عليه السلام «وهو: كن مع الله في الرخاء يكن معك في الشدة»، أم منهج فرعون «وهو: عش لهواك وشهواتك فلا عون لك في الشدة».. لقد أخبرنا القرآن الكريم بكلا المنهجين لنتعظ ونعتبر ونتعلم، إذ قال حكاية عن يونس الذي انشغل بطاعة ربه ودعوته وكان له من الذاكرين: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ، فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ، ۞ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ، وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ (الصافات: 139: 146)
يقول الإمام الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (الصافات: 143): إن العمل الصالح يرفع فاعله إذا عثر، ويكون متكأ له.
وفي المقابل -على العكس من نموذج يونس عليه السلام ومنهجه- نجد نموذج فرعون -عليه لعنة الله- ذلك الجبار الذي طغى وادعى الألوهية، وعاث في الأرض ظلمًا وفسادًا.. نجده عندما وقع في الشدة يستغيث بالله، ويطلب منه العون، فكان الرد الإلهي العادل، حيث يقول سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: 90، 91)
من الفائز؟
إذا كنتم -أبنائي وبناتي- ترغبون في الفوز بهذا السباق، فهيئوا أنفسكم، واشحذوا عزائمكم، واركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده، وأقيموا الصلاة في المسجد، حافظوا على الصلوات الخمس في جماعة، ولا تنسوا صلاة الضحى وغيرها من نوافل الصلاة، وصوموا من ذي الحجة واحرصوا على إتقان صيام يوم عرفة، فقد أخبرنا نبينا ﷺ: «صوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر سنتين، ماضية ومستقبلة» «رواه مسلم».
وفي يوم عرفة يعتق ربنا الرحمن الرحيم ما يشاء من الرقاب من نار جهنم يقول ﷺ: «ما من يوم أكثر من أن يعتق فيه عبدًا من النار من يوم عرفة» «رواه مسلم».
حافظوا على تلاوة وردكم من القرآن الكريم، وأقله جزء، وحبذا تكونون قد حرصتم على ختم القرآن الكريم كله في هذه الأيام العشرة، وذلك بتلاوة ثلاثة أجزاء في اليوم والليلة، وهو أمر ميسر لمن يسره الله عليه.. ويمكنكم في سبيل تحقيق ذلك أن تستثمروا أوقات المواصلات والفراغ، وقبل الإفطار، وبين المغرب والعشاء، وفي التهجد وعند انتظار الصلوات بالمسجد، وليكن شعار كل منكم -أبنائي وبناتي- في هذه الأيام العظيمة: «لا يسبقني إلى الله أحد».
عليكم -أبنائي وبناتي الأحبة- بالإكثار من ذكر الله تعالى، والمداومة على أذكار الصباح والمساء، وبروا آباءكم وأمهاتكم وصلوا أرحامكم، وأحسنوا إلى جيرانكم وزملائكم، وأصدقائكم، وأساتذتكم وتصدقوا على المساكين والفقراء واليتامى والأرامل والمحتاجين، ولتكن هذه الصدقة كل يوم، ولا تدخروا جهدًا في تحصيل العلم وتحقيق التميز والتفوق في دراستكم بنية الجهاد ورفعة الإسلام، وواظبوا على الدعاء لأنفسكم وغيركم، وخاصة إخوانكم المضطهدين من المسلمين في بقاع أرض الله واحرصوا على إدخال فرحة العيد عليهم فإخوانكم وأحبابكم وأخواتكم بفلسطين -وخاصة في غزة- محاصرون، فاحرصوا على أن تتبرعوا لهم من مالكم، أو حتى من مصروفكم، فبكل تأكيد سيقع ديناركم في يد أرملة لا تملك طعامًا لأولادها في العيد، أو في يد يتيم يدمع ليلة العيد، لأنه فقد عائله، فتمسحون بتبرعكم دمعته، وربما وقع مالكم في يد تلميذ لا يجد أدواته المدرسية فتقضون حاجته، ما أعظم التعبد بالصدقات، وما ألذها من راحة، وما أطهرها لقلوبكم وأنفسكم، كما أخبرنا رب العزة سبحانه في محكم التنزيل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: 103)