العنوان المجتمع التربوي- العدد (1292)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1998
مشاهدات 97
نشر في العدد 1292
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 17-مارس-1998
• العبادة في الإسلام: مفهومها.. وأثرها في الحياة
بقلم: عثمان محمد عثمان
مفهوم العبادة: ينصرف الذهن أول ما ينصرف –عند ذكر العبادات– إلى الصلاة والزكاة والحج والصوم، وهو وهم شائع في أذهان المعاصرين حين نظروا إلى العبادات فحصروها في هذه الأركان، وهذا الحصر إنما جاء من اثار التبويب في الفقه الإسلامي والذي جاء متأخرًا عن عصر نزول القرآن حين قسمه الفقهاء إلى فقه العبادات وفقه المعاملات.
والناظر المتفحص في آيات القرآن الكريم وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يرى أن معنى العبادة معنى واسع شامل يندرج تحته كل ألوان النشاط الإنساني ما اتجه المسلم بهذا النشاط لله رب العالمين والمسلم يتلو قول الله مخاطًبا نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) ﴾ (الأنعام: ١٦١-١٦٢-١٦٣).
إن الهداية إلى الصراط المستقيم أو إلى الدين القيم هي أن تتحول حياة المسلم بكل ألوان نشاطاتها إلى الله رب العالمين الصلاة والنسك والمحيا بكل جوانب المحيا وكل مظاهر الحياة حياة الشعور وحياة الفكر وحياة السلوك.
عن سعد بن فضالة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» رواه ابن ماجه.
إن كل عمل يبتغى به وجه الله يدخل في إطار العبادة، وكلما فقد النية الخالصة لله فقد خرج من دائرة العبادة إلى عمل مأزور غير مأجور يستوي في ذلك كل عمل.. فالصلاة والزكاة كالقتال.. والتجارة كلها سواء بسواء.. واستمع معي إلى قول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)﴾ (التربة: ١٢٠-١٢١).
بل إن النية الصادقة وحدها - إذا حالت الظروف دون تحقيقها تضمن لصاحبها الجزاء والأجر، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكنا في غزوة تبوك- «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم سيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض، وفي رواية «إلا شاركوكم الأجر». رواه أبو داود والترمذي.
بل إن قومًا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون من أذى جارتهم ويقولون إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل ولكنها تؤذي جيرانها فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «هي في النار».
إن هذه النصوص كلها، في القرآن والسنة المطهرة– إنما تؤكد شمول الإسلام لكل وجوه النشاطات الإنسانية.
مصطلح العبادات والمعاملات
إن إطلاق مصطلح العبادات على الشعائر وعلى ما يكون بين الرب والعبد من تعامل في مقابل إطلاق مصطلح المعاملات على ما يكون بين الناس بعضهم ببعض جاء متأخرًا عن عصر نزول القرآن، وهذا التقسيم لا نجده في كتب الفقه القديمة، والمتصفح لهذه المصادر الفقهية سيجد «كتاب الصلاة» «كتاب التجارات» «كتاد الجهاد» «كتاب النكاح»... إلخ، فقد كانت هذه الكتب أو الفصول أو الموضوعات لا يندرج أحدها تحت عنوان العبادات ويندرج بعضها الآخر تحت عنوان المعاملات، لقد كانت كلها أمورًا يضمها إطار الطاعة لله والعبودية له سبحانه، فمعنى العبادة مرسوم في ذهن المسلم وفي قلبه حين يتصرف بالعدل بين زوجاته وبنيه، وحين يزن بالقسط في محل تجارته، وحين يقيم الحق والعدل وهو حاكم يسوس رعيته ومحكوميه تمامًا كما يتحرك تجاه المسجد ليصلي طلبًا لمرضاة الله وتنفيذًا لأمره.
إن المسلم يعبد الله في حياته كلها.. يضع طاعته نصب عينيه منذ أن يفتحهما أول النهار «اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور» فإذا تهيأ– للنوم بالليل لم ينس أن يستغفر وأن ينيب ولم ينس أن يتذكر الآخرة وأنه قد ينام النومة الأخيرة» باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».
فإذا خرج من بيته سأل الله أن يعينه على الطاعة وأن يجنبه الوقوع فيما يغضبه فيقول: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي... وهكذا يتقلب المؤمن في معاشه ويتحرك في حياته عابدًا لربه.. ذاكرًا لخالقه... منفذًا لمنهجه في كل حين وفي كل مكان في المسجد.. في البيت.. في المتجر في المكتب.. سواء بسواء.. وبهذا المفهوم الشامل للعبادة تتحقق عبودية الإنسان لربه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) وبذلك أيضًا تتحطم كل عبودية لغيره سبحانه، فترتفع الحياة عزيزة بالله شامخة، وبهذه العبودية الخالصة لله يتحقق منهج الله في الأرض، ويتحقق للبشرية أكبر قدر ممكن من الخير ومن السلام والعدل.. ويتحقق أكبر قدر ممكن من الرخاء والتراحم والحب.. في المجتمع الإنساني.. مجتمع الإيمان.. أو مجتمع العابدين.
حقوق الجار
قام المربي الأول محمد صلى الله عليه وسلم بوضع الأسس القوية لبناء المجتمع بتوجيه من رب العالمين بقوله: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» أخرجه السمعاني في ((أدب الإملاء)) (ص5) باختلاف يسير مطولاً «إنما بعثت معلمًا» (رواه: عبد الله بن عمرو، المحدث الألباني، المصدر: السلسلة الضعيفة) فبدأ بتربية الفرد المسلم ثم انطلق إلى الخلية الأولى في المجتمع متمثلة في الأسرة، ودعا إلى صلة الرحم ثم انتقل إلى الجيران فأبان حقوقهم وواجبات الفرد تجاههم.
وبذلك برزت الشخصية المنسجمة والمتكاملة التي صورها بقوله صلى الله عليه وسلم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى». خرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586).
ولقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الإيمان وهذا الإحساس الاجتماعي فإذا لم تصل درجة المشاركة الوجدانية إلى هذا المستوى كان ذلك أمارة على ضعف الإيمان فيقول صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن» قيل من يا رسول الله قال: «من بات شبعان وجاره جوعان وهو يعلم به». (صحيح البخاري)
بهذه المناهج تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني مجتمعًا على دعائم المحبة والتعاطف والتواد والكفاية حتى أصبح في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لا يوجد إنسان بحاجة إلى زكاة.
والمسلم الحق هو الذي يتسم بالمشاركة الاجتماعية، قال r: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». (أخرجه مسلم (2699))
فالإنسان المتزن في شخصيته هو الذي يرعى حقوق جاره وتتجلى هذه الحقوق في أن يكف أذاه عنه فلا يسيء إليه في نفسه أو ماله أو عرضه أو في كرامته رغبة في تألف القلوب وتعاطفها وتراحمها يقول صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره». أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47)
ولقد أكد الرسول المربي هذا المفهوم انطلاقًا من قوله «ظل جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، فإبان لأصحابه والتابعين أن المسلم الحريص على إيمانه فليأمن جاره بوائقه.
فهو يقول: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل لقد خاب وخسر... من هذا يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه» قالوا وما بوائقه؟ قال: «شره». أخرجه مسلم (2357) باختلاف يسير
وتأكيدًا لهذه المعاني النبيلة فالجار يطلع على سلوك جاره أكثر من غيره وعندما جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يود معرفة مكانته عند الله متسائلًا يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسات فقال : صلى الله عليه وسلم «إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت». أخرجه ابن ماجه (4223)، وأحمد (3808) واللفظ له
فصدق الإيمان يتجلى في بعض جوانبه في حسن معاملة الجار والإحسان إليه وضحالة الإيمان تتمثل في الإساءة إلى الجار وإيذائه.
ولم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يكف المرء سوؤه عن جاره فقط بل أوجب على أصحابه أن يتحملوا الإساءة انطلاقًا من قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ( فصلت: ٣٤).. وأن يصبروا على الإساءة لأنه لا بد من صحوة الضمير لأن مقابلة الإساءة بالإساءة تزيد النار اشتعالًا والأمور تعقيدًا والتقوى كراهية.
ولذلك حرص المربي الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمد كل فرد إلى أن تكون علاقته بجيرانه علاقة طيبة وأن يؤدي ما عليه من واجبات يقول رسول الله r: «من سعادة المرء الجار الصالح» (أخرجه أحمد (15372) واللفظ له، وعبد بن حميد في ((المسند)) (385)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (457() فمن نعم الله على الإنسان الجيران الذين يتسمون بالخلق الكريم والاستقامة، وقديمًا قالوا فتش عن الجار قبل الدار وصدق الله العظيم: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النساء: ٣٦).
محمد أبو سيدو
• حداء المسير
لا بد لكل عاقل، وصاحب مبدأ وفكر إسلامي صحيح ألا يكون على هامش الحياة، وفي ذيل القافلة، ومن البطالين على طريق الدعوة– وكيف لا يكون على هامش الحياة؟. أن يكون له فضل ووزن ورأي، وبعد ذلك له تأثير وتغيير في واقع حياته، وأن يكون ذا عمل دائم «فخير الأعمال أدومها وإن قل» لا يعيقه طول الحواجز، وعظمة العقبات، ولا يبطئه طول الطريق، ولا يثنيه المرجفون، فهو يستمد من قوله تعالى: {يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} (مريم: ١٢) رصيدًا في تاريخ الهمم والعزائم الإيجابية، وكيف لا يكون في ذيل القافلة؟ ألا يكون عبئًا على دعوته بالتشكيك فيها والتجريح، دون أن يكون للتناصح مكان، والتثبت عنوان، وقد كان أولى به أن يكون وزيراً لأخيه كهارون الموسى عليهما السلام: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)} (طه: ٢٩- ٣٥) نعم هؤلاء هم الدعاة حقًا، الذين يتخذون من كتاب الله وذكره والتسبيح بحمده والاقتداء بسنة رسوله زادًا لهم في طريق الحياة والإخاء، يشد بعضهم بعضًا، ويؤازر بعضهم بعضًا، ويشترك بعضهم مع بعض {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} (الأنفال: ٤٦)، وقال تعالى أيضًا: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر: ٣) وإن الذي يعيش في ذيل القافلة أمدًا طويلًا، ستسبقه الرواحل في القافلة، وينفرط من عقدها دون أن يتقبل نصح ناصح وإنذار منذر. ولقد تساءلنا عن سبب وجود الأذيال في القوافل، لا أظن سببه إلا أنه مما أثقلهم من متاع الدنيا، وأبطأتهم جراحاتهم من جراء ذئاب الهوى ونفث الشياطين بالظنون، فكلما أرادوا المبادرة للحاق، لم يجدوا من همتهم وعزيمتهم زادًا وطاقة والسبب هو عدم الصدق في المبادرة، فمن صدق مع الله صدقه الله.. وكيف لا يكون من البطالين على طريق الدعوة فالبطالون جمع بطال وهو السبهللا، لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة، وحتى لا تكون من البطالين لا تعش معهم، وبادر إلى إخوانك في الله، واجتمع معهم بالزيارة والسؤال، وإن وجدت منهم بعض الأخطاء لا جميعها، فكما قال الفضيل بن عياض –رحمه الله– حاثًا على لزوم الجماعة: «كدر الجماعة ولا صفو الفرد» «ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة»، ولماذا كل هذا الحرص على لزوم الجماعة؟ لأن الذئب لا يأكل إلا من الغنم القاصية، فسامر إخوانك وتبادل معهم الزيارة والمذاكرة، واطلب نصيحتهم فيها تنير لك طريق الدعوة والمسير، لتكن فيه من القاصدين السابقين في منازل إياك نعبد وإياك تستعين من اليقظة والفكرة والبصيرة والعزم، وبدءًا بالتوبة ومرورًا بالاستقامة، وثباتًا على الإخلاص، والتحلي بالصبر والصدق والشكر والرضا، ولا أنسى منزلة الإحسان واليقين فيهما تصل إلى منزلة السكينة.
ماهر عبد العزيز التمار
من فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية ( ٢ من ٣)
كبت الفكر وفكر الكبت في المجال الدعوي
بقلم: د. حمدي شعيب
في العدد الماضي تحدثنا عن بعض السمات التي من شانها توفير المناخ الاجتماعي الصحي، والذي يحقق حرية الفكر والتفكير، ونواصل في هذا العدد طرح السمة الرابعة وهي التمحور حول الفكرة، وهي سمة راقية، عندما تشيع داخل المؤسسة، لأنها تمثل قمة النضج في حياة الإنسان أفرادًا وجماعات، حيث يصل كل فرد إلى مرحلة الترتيب الصحيح لأولوياته، فتصبح الفكرة مقدمة على أي أمور أو مصالح أو ارتباطات أخرى في حياته.
فإذا كان الطفل يمر بمراحل اجتماعية نفسية ثلاث هي مرحلة التمحور حول الأشياء، ثم مرحلة التمحور حول الأشخاص، ثم مرحلة التمحور حول الأفكار، وكذلك المجتمعات تمر بنفس المراحل في تطورها الحضاري([1])، فإننا نؤكد أن ذلك واقع أيضًا في حياة الداعية، وأن تطوره التربوي والدعوي، يمر بنفس المراحل، حيث يبلغ قمة النضج، عندما يصبح تمحوره حول الفكرة التي يؤمن بها، والمبدأ الذي يحمله، ويتعدى مرحلة التأثر والتمحور حول الوسائل والأشياء والماديات، ومرحلة التمحور حول الأشخاص.
وتدبر مغزى هذا التوجيه الرباني، لخير الأجيال، حينما أصابهم الخور عندما سرت إشاعة مقتله صلى الله عليه وسلم أثناء محنة أحد، وذلك حتى يرتبطوا بالفكرة لا الشخص ولو كان خير من وطئ الحصى صلى الله عليه وسلم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: ١٤٤).
وتدبر موقف أنس بن النضر رضي الله عنه أثناء تلك المحنة، خاصة بعد إشاعة مقتله صلى الله عليه وسلم ، وكيف حمل اللواء وحرك الصحابة، ليقوموا ويقاتلوا ويموتوا على ما مات عليه، وقاتل حتى استشهد فكانت مبادرة وحركة ذاتية فريدة، تبين مدى نضجه وفقهه لضرورة الجهاد والموت في سبيل الفكرة لا الأشخاص.
وهو المعلم التربوي العظيم، الذي يذكر المربين بأهمية الوصول بالفرد إلى هذه الدرجة من النضج البشري، عندما يعاد صياغة عقليته، لتتحرر من أسر وقيود الوسائل والأشياء والماديات، ومن التأثر بالشخصيات إلى التمحور حول الفكرة التي يؤمن بها، والمبدأ الذي يحمله، وإذا نضج الفرد، نضج المناخ الاجتماعي السائد، وبالتالي يرتقي السلوك الاجتماعي للأفراد.
٥- بث روح التجديد، وتشجيع الناحية الإبداعية: وهذه سمة مهمة جدًا، إذا سادت المناخ الاجتماعي، حيث تمثل معلمًا مهمًا ودلالة واضحة على نضج الأفراد سلوكيًا، فإذا كان الطالب في العملية التعليمية، «يمر بثلاث مراحل رئيسة هي:
مرحلة التكديس: وهي مرحلة التلقي للمعلومات، تتراكم لديه يومًا بعد يوم، بصورة غير مرتبة، أو منتظمة، ومتعددة المجالات تليها:
مرحلة الاستيعاب: تتضح فيها الصورة في ذهن الطالب، ويتم ترتيب المعلومات بشكل أفضل حيث يبدأ في تكوين علاقات بينها، تساعده على الهضم والاستيعاب، تليها:
مرحلة الإبداع: حيث يستطيع الطالب أن يعطي فكرًا جديدًا يختلف عما تلقاه، ولكنه ينبع من جوهره، ويرتكز عليه»([2]) وكذلك الداعية، فإنه يمر بنفس المراحل فكريًا وثقافيًا ودعويًا وحركيًا وتنظيميًا وتربويًا، ويكون في قمة نضجه، عندما تصل به إلى مرحلة الإبداع المنضبط بفكر المؤسسة، ونظمها، والخلل يحدث عندما يقف عند مرحلة معينة من هذه المراحل.
وهذا التطور والنماء، لا يتم إلا في المناخات الاجتماعية الصحية، التي يسودها أجواء الحرية والشورى، وهي عملية تربوية تحتاج إلى المربي الواعي الذي يرى في كل فرد ما يميزه عن غيره فيوظف الطاقات في مواضعها، ثم ينميها، لتبلغ مرحلة الإبداع، وهي عملية ترتبط أيضًا بوجود الأفراد ذوي النفوس التواقة الطموحة إلى المعالي.
ولأهمية المناخ الاجتماعي تكرر التنبيه لمراجعة تلك الدراسة التي أوردناها، حول أثر المناخ على السلوك، والبذل، ولأهمية دور المربي، فإليك كيف أن الفاروق رضي الله عنه قد وظف الطاقات فأبدعت وبرزت وتميزت في جانب الإبداع الفكري حتى قال: «من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله قد جعلني خازنًا وقاسمًا»([3]).
وفي جانب الإبداع الدعوي، وكيف يكون التحرك بالفكرة، فإن خير مثال لذلك هو ما كان في سيرة مصعب بن عمير t وكيف أنه وهو فرد واحد، وفي خلال عام واحد، أثر في المحيط حوله، وجعل الإسلام يدخل كل بيت في المدينة.
أما في جانب الإبداع الحركي المنضبط تنظيميًا، فتدبر تلك القمة التي ارتقاها ثابت ابن أقرم رضي الله عنه عندما تحرك أثناء محنة مؤتة وبعد استشهاد القادة الثلاثة المعينين من قبله صلى الله عليه وسلم ، وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله ابن رواحة رضي الله عنهم وكيف أخذ اللواء وأعطاه لسيف الله خالد رضوان الله عليه.
ولقد كان الفاروق رضوان الله عليه يعرف الفضل لأهل الفضل فيشجعهم، فكان مما قاله: «عمير بن سعد نسيج وحده»([4]) وتدبر كيف أن عدم تطور ورقي الاتباع، قد يعود إلى عدم صبر المربي وسرعة يأسه: «فهذا أبو جعفر الطحاوي يقص علينا أنه كان يقرأ على المزني فقال له يومًا والله لا أفلحت فغضب وأنقل من عنده، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة وصار إمامًا، فكان إذا درس وأجاب في المشكلات، يقول: رحم الله أبا إبراهيم لو كان حيًا وراني كفر عن يمينه»([5]).
وبعد.. فهذه بعض السمات التي من شأنها أن تكون مناخًا اجتماعيًا صحيًا، لا نرى فيه مجالًا لكبت الأفكار، ويتطور داخله الفرد والمربي أو القائد معًا، فينتج عن ذلك سلوك اجتماعي سوي لا نرى فيه بعون الله وتوفيقه بروزًا لأي فكر معوج أو غير سوي أو ما نعرفه بفكر الكبت.
-----------------------------------------
الهامش
([1]) مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي: مالك بن نبي طبعة دار الفكر ٢٦ - ٤٠ بتصرف.
([2]) دراسة في البناء الحضاري –محنة المسلم مع حضارة عصره در محمود محمد سفر– كتاب الأمة ٩٥ .
([3]) تاريخ عمر بن الخطاب: أبو الفرج بن الجوزي.
([4]) صور من حياة الصحابة د. رأفت الباشا ٤/٧ .
([5]) معجم السفر: الأصفهاني ۱۱۸ نقلًا عن القيادة جاسم المهلهل ۲۷.
--------------------------------------
• كن ولا تكن
كن شجاعًا
ما أحلى أن تقول أخطأت، فإن عاقبتها حسنة، وحاضرها شجاعة، وإن التمادي في الخطأ ندم وقلق في الليل وحزن وهم في النهار.
فكن شجاعًا كريمًا لا يهاب الصعاب، تتحمل مسؤولية «خطتك» وأحذر الاسترسال في تبرير الخطأ، وهنا وصايا:
- أكثر من الاستغفار، وادع الله أن يتقبل توبتك
- قل الحق، وانطق بالصدق، وإياك والكذب وتبرير الخطأ.
- اختر الوقت المناسب للاعتذار والاعتراف بالخطأ.
- اعتذر عن الخطأ بأدب، واختر الأسلوب المناسب، لا سيما الأسلوب العاطفي.
- كن واسع الصدر، فلربما تسمع كلمة ممن أخطأت في حقه وجنته معتذرًا، فهذه جارحة ضريبة الزلة والخطأ.
- حاول أن تكفر عن الخطأ بالإحسان إلى من أخطأت في حقه، وبالدعاء له([1]).
لا تكن منانًا
ما أنكل وأشد على النفس أن تعلم أن أحدًا عمل لك عملًا فوضعه عليك «منة».
بل الأعمال لا تقبل عند الله إذا كانت المنة قد حلت فيها، وسكنت إليها، بل هي خسارة على صاحبها وذنب يتحمله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٦٤) وقال الرسول r في حديث أبي ذر t: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا منة.. الحديث» (أخرجه البخاري (7446)، ومسلم (108))([2])
فانظر إلى شناعتها وقبحها فهي مذمومة، ممقوتة.
قال رجل لبنيه: «إذا اتخذتم عند رجل يدًا فأنسوها» وقال ابن عباس y «لا يتم المعروف إلا بثلاث بتعجيله، وتصغيره، وستره، فإذا عجله هنأه، وإذا صغره عظمه، وإذا ستره تممه»([3]).
وقد كان كثير من السلف يتحاشون هذه الصفة بحذافيرها، كما جاء عن الربيع بن سليمان قال: أخذ رجل بركاب الشافعي - رحمه الله- فقال: يا ربيع أعطه أربعة دنانير وأعتذر إليه عني([4])، هكذا تكون صفاوة القلب، وسماحة النفس، فهو يتكرم عليه ويعتذر منه، مع أنه بأمس الحاجة إلى مثل ما ينفق.
وقد أجاد الشافعي – رحمه الله– حينما([5]) قال:
لا تَحمِلَّنَّ لِمَن يَمَنُّ مِنَ الأَنامِ عَلَيكَ مِنَّه
وَاِختَر لِنَفسِكَ حَظَّها وَاِصبِر فَإِنَّ الصَبرَ جُنَّه
مِنَنُ الرِجالِ عَلى القُلو ب أَشَدُّ مِن وَقعِ الأَسِنَّه
ويقول الدكتور علي الحمادي: «كن متفضلًا من غير منة»([6]).
كن رجلًا
إنه ما أجمل أن تستقل بنفسك ولا تكون إمعة أينما اتجه الغثاء تبعته فاعتز بشخصيتك فلا تصرف، بل صرف نفسك بما تراه مناسبًا وذلك بمراعاة الظروف والأحوال والأشخاص والأمكنة والأزمنة وغيرها مما يناسب المقام.
وأعلم أن الناس([7]) لا تحترم من لا تكون له شخصية مستقلة بل تستهجنه وتحتقر الإمعة الذي لاهم له إلا تقليد الآخرين إن أحسنوا أحسن، وإن أساموا أساء.
ولا أعني بذلك عدم الاستفادة من تجارب الآخرين ولكن بمراعاة ما سبق واحذر التقليد الأعمى.
ولا تخالف طبيعتك التي ركبها الله فيك فلا تأخذ طبيعة المرأة وأنت رجلًا، والعكس أو تخالف طبيعتك «الفطرة» وهي الدين الصحيح دين البشرية جمعاء «الإسلام» فكن رجلًا معتزًا بدينك، ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (المنافقون:۸)
فحاول أخي أن تجعل من نفسك ومن الآخرين أصحاب التجارب قوة وعزيمة.
فهد عبد العزيز الجوعي
----------------------------
الهامش
([1]) نقلت من سلسلة قواعد وفنون التعامل مع الآخرين رقم (۲) للدكتور علي الحمادي صفحة ٩٥ ط الأولى ١٤١٨هـ دار ابن حزم.
([2]) رواه مسلم «كتاب الإيمان» باب ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة (١٠٦).
([3]) أنظر الهمة العالية للحمد ص ٣٥ الثانية دار القاسم
([4]) أنظر سلسلة قواعد وفنون التعامل مع الآخرين الجزء الثاني، للحمادي ص ٢٣، ط/ الأولى دار ابن حزم.
([5]) راجع ديوان الشافعي ت/د/ إحسان عباس من ٦٥ ط۱۹۹٦م دار صادر.
([6]) راجع سلسلة الحمادي الجزء الثاني– ص ٣٧.
([7]) اقتبس من سلسلة قواعد وفنون التعامل مع الآخرين رقم (۲) للدكتور علي الحمادي صفحة ٩٧ ط/ الأولى ١٤١٨هـ دار ابن حزم؟
_____________________
• ثلاثة في سهم واحد
عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله rيقول: «إن الله عز وجل ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة:
۱ – صانعه يحتسب في عمله الخير. ٢ – والرامي به.
٣– ومنبله، الممد به فارموا واركبوا، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا».
هذا جزء من حديث صحيح أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والحاكم، شد انتباهي ما فيه من توجيهات نبوية للمسلمين ودعوته لهم بأن يهتموا بالصناعات الحربية والتفوق في المجال العسكري صناعة وتدريبًا وإن كان نص الحديث يتعلق بالسهام باعتبارها الأداة الحربية الفاعلة وقتئذ فإنه في عصرنا هذا يعتبر دعوة للمسلمين إلى التفوق العسكري في كل مجالاته باعتباره توجيهًا نبويًا ووسيلة إلى الجنة هو والعبادة وسائر أنواع القربات إلى الله سواء بسواء.
فهم المسلمون الأوائل ذلك فكانوا من أسبق الناس إلى اللحوق بركب التطور في المجال العسكري في عصرهم، فبعد أن كانوا لا يحسنون سوى بعض الصناعات البسيطة التي تخدم حياتهم في البادية يصنعون السفن الحربية، وتجوب الأساطيل الإسلامية البحار من أجل تبليغ دعوة الله للناس أجمعين.
ولكن بفعل عوامل التخلف التي كان سببها انصراف المسلمين وبعدهم عن الإسلام تخلف المسلمون في ميدان التقدم العسكري، فهل المسلمون الذين لا يحسنون فن الصناعات العسكرية المتطورة يعملون بدعوة نبيهم الكريم الذي يحث أتباعه على إجادة فن التسليح ويجعل ذلك طاعة وقربي إلى الله تدخل صاحبها الجنة؟
المستشار مصطفى الشقيري