العنوان رسالة للتفكير: فن اكتساب الأعداء!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
مشاهدات 100
نشر في العدد 1018
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
رسالة للتفكير: فن اكتساب الأعداء!
سؤال أولي حول جمهور الأدب الإسلامي
هو سؤال أولي:
لمن يكتب الأدب الذي ينتمي للإسلام مضمونًا وفكرًا؟ فمن يستطيع الإجابة عنه يمكنه
أن يصوب نحو هدفه تصويبًا محكمًا.. والسؤال بدهي عند أي كاتب أو صحفي، وما لم
يستطع أي منهما أن يحدد ماهية قارئه؛ فإنه سوف يفتقد دومًا القدرة على الخطاب
الفعال.
الإجابة البدهية
هي أن هذا الأدب يكتب للأمة الإسلامية، ومن ثم فالخطاب موجه لها.. لكن الواقع غير
ذلك، فالمهتم بالأدب الإسلامي حتى الآن بصورة أساسية هو فئة من الملتزمين بالإسلام
عقيدة وخلقًا ومنهاجًا... أما المسلم اسمًا أو جمهور المسلمين فما زال منشغلًا بغير
الأدب الإسلامي وأعماله.. أي لم يصبح الأدب الإسلامي- إبداعًا ونقدًا- تيارًا
أساسيًا ساريًا في حياة الأمة، إنه دون سوية الخطاب الشامل للأمة.
ترى هل يعود ذلك
إلى الموقف الحضاري الإسلامي المتردي؟ أم أنه يعود إلى ضعف البنيتين التنظيرية
والإبداعية للأدب الإسلامي نفسه؟
هذا ما تحاول
تلك الرسالة أن تجيب عليه، أو تفتح- على الأقل- مجال التفكير حوله.
الموقف الحضاري والبنية التنظيرية
الافتراض الأول
وهو المتصل بالموقف الحضاري الإسلامي يحتاج إلى فقه بالواقع، فالأمة مغلوبة،
والجرح غائر في الجسد الممتد على ساحة الأرض، فهي تكل أمر طعامها وشرابها وكسائها
وركوبها ودفاعها وعلمها إلى الآخرين، بل إن من بين أفرادها من ينسلخ عن ذاتها،
ويعمل ضد ضميرها التاريخي، ويحمل معول هدم قوي ضدها، وصدق قول الشاعر:
وأتعس خلق الله
في الذل أمة *** لأعدائها من بين أبنائها جند
ومع أني أنبذ
التفكير التآمري الذي وقع فيه بعض رواد الفكر الإسلامي في العصر الحديث.. فإن
أحداثًا عدة تفرغت لرصدها- ومرت بالعالم الإسلامي مؤخرًا- كشفت عن عدائية مخيفة
مطلقة بهذه الأمة التي صار عداء الآخرين لها صارخًا في غير خفاء إلا على البسطاء،
ترى هل يمكن لأمة مهيضة الجناح كهذه أن يرتبط أدب لها بدينها، وتجد فرصة لانتشاره
بين أبنائها وحالهم كذلك؟
أما البنيتان،
فالتنظيرية قد حفلت بنتاج مفعم بالحب والعاطفة، وهذا خير، لكنها تعيش في مناخ
المحاكمات التي تنجح نجاحًا كبيرًا في زيادة مساحة العداء مع الآخرين- إلا من رحم
ربي- إن منصة الحكم وامتلاك المنظر، أو الدارس لمطرقة القاضي لا يعود بخير كثير
على بنية الأدب الإسلامي ونظريته الأساسية؛ فلا يجدي إخراج كثير من الأدب العربي-
عبر مراحله التاريخية- من الأدب الإسلامي، ولا ينفع أحدًا أن يعَادِي المتحدثون عن
الأدب الإسلامي عددًا كبيرًا من الأدباء المعاصرين.
كيف ينبغي أن يكون خطابنا مع الأدباء المعاصرين؟
إن دراسة الفقه
الإسلامي تعلم الدارس وجوب التفرقة بين منكر الصلاة وتاركها كسلًا، أو بعذر، وسوف
يساعدنا ذلك على محاولة التفكير إسلاميًا في شأن أسلوب الخطاب المطلوب مع الأدباء
المعاصرين فهم بين رجلين:
إما مخطئ في
تصوراته ومضامين أدبه عن جهل أو اجتهاد، أو تأثير فكري سائد، أو عن طفولة وعبث
فلسفي.
وإما مخطئ
إنكارًا منه للحق عن عمد، وإعداد مسبق للعداء، سواء أكان ذلك ذاتيًا أو مدفوعًا
إليه من آخرين.
سوف أندفع إلى
الواقع لأرى رجلًا مثل سلامة موسى من النوع الثاني، بينما أرى توفيق الحكيم من
النوع الأول، وأتوقف معه لحظة لأقول:
جال الحكيم وصال
في فلسفات شتى- بحكم حبه للفكر، وبحكم رحلته الأوروبية أيضًا– وديانات عدة، لكن
الإسلام لم يكن عنده هو الأول أو المسيطر على الفكر.. لكنه في الوقت نفسه لم يكن
غائبًا، على العكس من أدباء آخرين وقعوا في وهدات فكرية متخلفة في فترات من
عمرهم.. ثم إن الحكيم نفسه لم يقف طوال عمره معاديًا للإسلام على مستوى الإبداع أو
مستوى الفكر الذي كتب فيه كثيرًا، ثم أخيرًا لم يكن الحكيم في نهاية عمره هو
الحكيم قبل عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة.
يميل الحكيم إلى
الفكر حتى أطلق على مسرحه حينًا «المسرح الذهني»، كما يميل إلى الحرية: يخوض في
أعمق القضايا تاركًا لعقله حرية التجوال؛ فيأتي من الشرق أو من الغرب بأفكار تجعل
تصوراته الدينية أو تصوراته الفكرية لقضايا دينية خليطًا مركبًا من التصورات
الدينية والفلسفية التي مرت بها البشرية جميعًا.. ومن خلال تلك التركيبة الصعبة
التي يصعب على الناقد تتبع مصادرها إلا بعد لأْي، نجد التصور الإسلامي في إبداعاته
الفنية وقد أتى مشوشًا غير نقي، لكنه ليس مختفيًا أو غائبًا.
في «محمد» سيرة
حوارية حاول الالتزام بالمصادر التاريخية الثابتة، وأعلن أنه لا يكتب خيالًا
مُبْدِعًا، بل يقدم السيرة في قالب حواري، وطبقًا لاستيعابه التاريخي ومصادره، جاء
تصوره إسلاميًا، فإن أخطأ- كما أخذ عليه بعض الدارسين- فهو الخطأ البشري الذي يشوب
أي عمل، أما في «أهل الكهف» فقد جاءت تصوراته للملائكة نصرانية، واحتوت المسرحية
على التصور الديني اليهودي أيضًا، مع أن القصة أصلًا إسلامية، ومع ذلك لم تخل
المسرحية من التصور الإسلامي..
وهذا أيضًا ما
جاء في «سليمان الحكيم».. إن مسرحية واحدة عند الحكيم لتمتلئ بزخم من التصورات
الفكرية الدينية، بدءًا من الوثنية إلى الأفلاطونية إلى المسيحية إلى اليهودية إلى
التصورات الإسلامية الواضحة في أعماله الإبداعية خاصة المسرح.
ترى– في البنية
التنظيرية– ماذا يفيد الأدب الإسلامي استعداء كامل تراث الحكيم المسرحي «أنموذجًا»
بل وضع الحكيم نفسه عدوًّا مناقضًا للأدب الإسلامي في زاوية واحدة مع سلامة موسى
وغيره؟
هل يمكن- مرة
أخرى– أن نسوي بين الحكيم في التعادلية، والحكيم في التعادلية والإسلام، أم هل
تستوي مقالاته في الأهرام «مايو 1983م» «مع» أو «إلى الله»، مع كتابة الأحاديث
الأربعة بعد ذلك، أم تراجعه وندمه في يوليو 1985م.
ضعف البنية الإبداعية والتوصيات
أخيرًا في
افتراض ضعف البنية الإبداعية للأدب الإسلامي– الشق الآخر من الافتراض الثاني- فإن
انحصار إبداعات الشعراء والأدباء الإسلاميين في المنشورات الإسلامية- دون غيرها-
يظل يحصرها داخل دائرة من القراء الذين اتخذوا الإسلام منهاجًا في حياتهم دون
غيرهم من جمهور الأمة الإسلامية والعربية.. رأى أحد النقاد الكبار كتاب «شعراء
الدعوة الإسلامية» الرائد؛ فقال: لم أعلم به من قبل، هل هناك شيء يسمى شعر الدعوة
الإسلامية؟! كان ذلك في نهاية العقد الماضي بعد عقد كامل من طباعة الكتاب!! إن
التحدي الحقيقي للإبداع الأدبي للأدب الإسلامي أن يتمكن باقتدار من انفتاحه على
الصحيفة غير الإسلامية والمجلة الأدبية العامة.. إلى أن يصل إلى القارئ العادي.
(رابطة الأدب الإسلامي العالمية)
بعد مناقشة فرضي
تأخر وجود الأدب الإسلامي تيارًا أساسيًّا ساريًا في حياة الأمة، هل يمكن أن نخلص
إلى أن سبب ذلك هو ضعف الموقف الحضاري الإسلامي، أم أنه ضعف البنية التنظيرية لهذا
الأدب في استعدائها للآخرين؟ أم ضعف البنية الإبداعية في انحصارها وعدم انتشارها..
أم أن ذلك كله هو السبب الذي يؤخر انتشار الأدب الإسلامي، ومن ثم يمكن التفكير في
التغلب على سائر تلك الأسباب إذا أراد نقاد ودارسو الأدب أن يقدموا فعلًا
إيجابيًّا في محيط الأدب الإسلامي؟!!