العنوان الحركة الإسلامية والدور الجديد (٥ من ٦) المهمة الحضارية
الكاتب خالد الطراولي
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003
مشاهدات 71
نشر في العدد 1569
نشر في الصفحة 66
السبت 20-سبتمبر-2003
لقد كانت الردود والتفاعل الذي أظهرته الحركة الإسلامية في كثير من التحديات التي واجهتها، سواء الناشئة من المجتمع المدني أو من السلطة، تعبر في الكثير منها عن خلل في الوعي بمستجدات الواقع وقصور في الإدراك والمعرفة بثناياه، حتى إن تساؤلًا منهجيًّا محيرًا ليفرض نفسه هل اعتلاء الحركة الإسلامية منصة التمكين اليوم سينهي مشكلات التخلف والتبعية والفقر لمجتمعاتها ويحول دون تعميق انتكاستها وتمديد نكبتها وإطالة غفوتها؟
يقول عبد الله النفيسي: «ليس من مصلحة الإسلام في هذه المرحلة أن تقوم دولة للحركة الإسلامية، لأن الأخيرة تعاني من قصور سياسي واضح عليها أن تتجاوزه قبل التجسد السياسي في شكل دولة»([1]).
إن الدور المرتقب للحركة الإسلامية في هذه المرحلة ليس بالهين فهو يتمثل في تجاوز هذا القصور([2]) عبر تكوين أفرادها ونخبها وفي دراسة الواقع وفهم أدواته ودراية الحكم ومتطلباته، وتعضيد المنحى النظري وإعطائه زخمًا فكريًّا متقدمًا، حتى لا تنهزم الفكرة وتتعثر في الإجابة عن تدافعات الواقع وتدفقاته وتفقد حيويتها، ولعلها تتجمد محلقة في سماء المثالية ولن يشفع لها إطارها الأخلاقي أو لبوسها العبادي في غفلتها وحتى يطبخ المشروع على «نار هادئة»، بعيدًا عن التسرع والقفز على الواقع، ليس فيه تجنٍّ على المراحل بغية التمكين السريع والوصول المتوتر، فيكون السقوط سريعًا ومربكا فالزمن والمرجعية والموروث يمثلون عناصر تعمل لصالح المشروع وليس ضده وتزيد من كمال نجاحه والخط العام لسيرورة المجتمع وحركة التاريخ تتجهان بحتمية ظاهرة رغم بعض الدخن، نحو التمكين للمشروع الحضاري العادل.
لعله يتبادر إلى الذهن بأننا حصرنا عمل الحركة الإسلامية في مرحلة الانتظار على الجانب الفكري وإن دورها تحول إلى مركز للدراسات يدعم المشروع بأفكاره وكتاباته، وهو أمر يقوم عليه الآن العديد من الوجوه والرواد خارج التنظيمات وفي أروقة المؤسسات العلمية والدينية المستقلة أو التابعة إن بناء مشروع متكامل للتمكين تحمله مجموعة في صورة برنامج عملي قابل للتنزيل، يختلف جذريًّا عما يطرح من رؤى وتصورات متناثرة، فرغم جدية هذه المؤلفات وصلابة عودها وأدوارها التوعوية غير أنها تبقى فاقدة لذلك البعد المنهجي والهدف السياسي والهم التمكيني الذي ينحصر في مشروع الحركة الإسلامية فمنهجية الجواب العابر والرد السريع لتعقيدات الواقع ومستجداته سواء حملتها فتوى أو خطبة أو نصيحة، لم تعد كافية ولا تمثل أداة رصينة وواعية لبناء مشروع متكامل ومنسجم، رغم جدواها الظرفية في بعض الأحيان.
إن اللحظات الحاسمة التي تمر بها الأمة حاليا تتطلب أجوبة حاسمة لكن غير مستعجلة ولا يغلب عليها البعد السياسي الضيق والمحدد زمانًا ومكانًا، ولكن أجوبة حضارية عميقة توجب بلورة رؤى متكاملة وتصورات واضحة وقراءة جديدة ومتجددة لتراثنا وتاريخنا ترفع القدسية المزيفة عن كثير من أعمال الفكر وأقوال الرجال وتحدد بكل جرأة وإخلاص مكامن الخطأ والتجاوزات ومنابع القوة والمنشطات حتى يتغلب فقه التحضر والصعود، وما أكثره رغم تعليمه وتهميشه على فقه الانتكاس والتقوقع والانهزام وما أقله رغم هيمنته في بعض محطات حاضرنا. والحركة الإسلامية دور ريادي في هذا الباب إذا فقهت مهمتها الحضارية التي تتجاوز المحطة السياسية واللحظة الخاطفة، واقتنعت بجدوى تفاعلها مع الواقع حركة أو انتظارًا.
ما أردناه هو تحويل واقع الحركة الإسلامية من انتظار سلبي بين مناوشات ومواجهات، وسجون ومعتقلات، ومطالب متجددة للعمل العلني أو رفع سقوفه، في مقابل رفض متكرر ومذل. من واقع متحرك في مكانه إلى انتظار إيجابي يتمثل في تحضير البناء الفعلي للمشروع الحضاري العادل، في ظل مشاركة أدنى في الحياة السياسية العامة دون استفزاز أو إثارة. وهذا الحضور يمثل حالة وسطًا بين الظهور والوجود بين البروز الدائم والمبالغ فيه، والذي يصل إلى حد الاستعراض والتباهي والوجود المكتفي بذاته المنغلق على نفسه والمفعول به دون إرادة أو حراك وفي هذا الإطار لا يخلو الواقع المحيط من إمكانية أفعال وأقوال لا تغضب ولا تؤرق، ولكنها تبني المشوار بهدوء وسلام، وهي موجودة ويسهل حصرها حسب ظروف كل حركة زمانًا ومكانًا ومستجدات الواقع في الداخل والخارج.
وقد تعرضنا سابقًا إلى بعض الأمثلة الحيَّة عند ذكرنا للمبادئ والفرضيات التي تستند إليها مرحلة الانتظار فحديثنا يتنافى مع الدعوة إلى تغييب السياسي أو فصله عن الدين كما يراه بعضهم ولو في المرحلة الأولى، بل هو حضور للسياسي الذي لا مناص منه فكرًا وممارسة في التحضير للتنظير وكنه منازل التمكين، وهو حضور للتحزب أيضًا في الإطار المسموح به. جمعية أو مركزًا أو حركة أو نقابة أو منظمة، لما يحمله هذا الجانب من أهمية مستقبلية للمشروع كما ألمحنا إليه سالفًا.
الهوامش
(۱) عبد الله النفيسي في مؤلف جماعي العلمانية والممانعة الإسلامية، محاورات في النهضة والحداثة، علي العميم، دار الساقي طا، ۱۹۹۹، ص ۳۱
[2]) ) يروي الشيخ القرضاوي أن أحد أصدقائه كان يقول: إذا طالبنا بالدراسة والبحث على غرار ما يفعله الاقتصاديون فيما يسمونه دراسة الجدوى، قال الدراسة تأتي بعد. المهم أن نبدأ بالعمل ونمضي ولا نقف ساكنين أنا أؤمن بالأعمال الناقصة؟ لنبدأ العمل ناقصًا أو خاطئًا، ثم يأتي غيرنا فيكمل النقص، ويصحح الخطأ، د يوسف القرضاوي أين الخلل، مكتبة وهبة القاهرة الطبعة السادسة ١٩٩٧ ص:48.