العنوان هل تقوم دولة الإسلام في السودان؟
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1990
مشاهدات 70
نشر في العدد 951
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 23-يناير-1990
منظمة الدعوة الإسلامية: السودان بوابة العروبة والإسلام
الإسلام في حركة التاريخ السوداني كان باستمرار مركز الانطلاق لتحقيق الإنجازات التاريخية الكبرى.
الدولة التي تعتمد على اقتصاديات الآخرين تبقى دولة تابعة ومرهونة القرار السياسي وعاجزة عن تحقيق أهدافها في التنمية.
في ربيع عام 1968 تواضعت الجمعية التأسيسية (البرلمان) في الخرطوم على إجازة مسودة الدستور الدائم للسودان، والذي صُنف بأنه دستور إسلامي. وقد توصلت الجمعية حينذاك لهذه النتيجة بعد ضغوط شعبية واسعة ومجادلة ونقاش طويل استمر قرابة 4 سنوات (هي عمر الديمقراطية الثانية) غير أن غائلة العلماني الشيوعي هبت على تلك الوثيقة الشعبية في انقلاب ليل 25 مايو 1969 والذي جاء بالنميري ورفاقه إلى الحكم في الخرطوم.
وقد لقيت تلك المحاولة الجادة لأسلمة الحياة والقانون حظًّا وافرًا من السخرية والهجوم من قبل سلطة 25 مايو غير أن ليالي الزمان السوداني حبالى؛ حيث لجأ جعفر نميري نفسه بعد مرور 10 سنوات على وثيقة الدستور الإسلامي إلى إصدار مؤلف حمل عنوان (النهج الإسلامي... لماذا؟) حكى قدرًا وافرًا من التبرير لمسلكه في التراجع عن (تخبطات) ثورة 25 مايو خاصة تلك المتصلة بالعلاقة العضوية بين الشيوعيين والسلطة، ويشير الكتاب في جملته إلى حتمية الحل الإسلامي لمشكلة الحكم في السودان، وعلى الرغم من أن الكتاب كحدث لم يشد اهتمام أحد إلا أنه عبر عن ظاهرة التطلع الجماهيري للتحاكم إلى العقيدة الإسلامية، سبقت هذه الواقعة بما اشتملت عليه من إجماع شعبي تجاه الأسلمة، مثلته (الجمعية التأسيسية 1968) ومن عودة للأسلمة بعد رفض قاس من قبل سلطة عسكرية (نميري) تدليلًا على عمق الوعي السوداني تجاه العقيدة التي تشكل مرتكز الهوية الأشمل لوجوده، فالإسلام في حركة التاريخ السوداني كان باستمرار مركز الانطلاق نحو تحقيق المهام العظمى، فهو نقطة التلاقي التي شيدت دولة المنار الإسلامية، حينما تم التحالف العربي الإسلامي بين عبد الله جماع (العنصر العربي) وعمارة دنقس (العنصر المستعرب) في عام 1504م، والإسلام هو دافع الثورة المهدية التي رفضت التحاكم لطاغوت الأحكام الوضعية واعتصمت بنور الشريعة، وهو هدف لثورة اللواء الأبيض الاتحادية في عام 1924م، كما أنه - أي الإسلام - كان ولا يزال المبرر التاريخي لهذه الظاهرة التي جمعت قوميات أفريقيا جميعها في بوتقة واحدة، متضامنة في حركتها ومتسقة في أهدافها، ومع كل هذه المقدمات الموضوعية استعصى قيام دولة إسلامية في السودان... مما يسترعي الانتباه تجاه المسببات التي حالت حتى الآن دون تحقيق الذاتية الوطنية في هذا النطاق! كما يسترعي أيضًا استعصاء دواعي قيام الدولة الإسلامية في السودان.
مفاصلة
ما إن بدأت بشائر الإجراءات لاستقلال السودان؛ حتى قفزت إلى مقدمة القضايا المثارة هناك قضية هوية الدولة والتزامها تجاه العقيدة الإسلامية، وعلى الرغم من أن القيادة الإسلامية التقليدية قد تركت راية الجهاد من أهل الاستقلال لقوى الطلائع المتخرجة على نظام التعليم العلماني إلا أنها ما زالت تحس بأن مآل الأمور لا يبرح إشارتها، غير أن الأحداث أثبتت خلاف ذلك المعتقد، فالشبيبة التي أخذت راية الكفاح الوطني بعد عام 1945 وغيرت مفردات اللغة في تعاملها مع المستعمر لم تكن تنطلق من فراغ، وإنما كانت على رسوخ ثابت في النهج العلماني، وكان الواقع السياسي باستمرار يؤكد بأن دولة السودان القادمة هي دولة تصنعها مفردات القومية السودانية في مقابل الإسلام والكفاح الوطني في مقابل الجهاد لرفع راية الدين والقانون (الوضعي) في مقابل الشريعة الإسلامية... وأن القيادة الدينية التقليدية قد فقدت قدسية الطاعة، وعليها أن تختار إما مسايرة الأوضاع القادمة أو تفضيل الانعزال عن العمل السياسي، وبذلك برزت طائفتان (الأنصار والختمية) فضلتا العمل السياسي في ظل تلك المتغيرات، في حين آثرت عدة طوائف دينية الابتعاد عن العمل السياسي كما هو حال (القادرية، الشريف الهندي، السمانية وغيرهم)، وبالرغم من أن الوضع الشاذ الذي مثلته قيادة العمل السياسي الجديدة في استيعاب التجمعات الدينية الكبرى وتسخيرها من ثم لسلوك سياسي يتنافى؛ بل يتضارب مع مبادئها الفكرية والثقافية إلا أن تلك القيادة استطاعت فعل ذلك؛ بل وأكثر من هذا عندما احتوت القيادات الدينية التقليدية الكبرى إلى جانبها، وبذلك شكلت نقاط المفاصلة في الحياة السياسية السودانية لصالح المد العلماني، والذي أفرزته الحقبة الاستعمارية و(المُبرمج) أساسًا - علم أم لم يعلم - لخدمة دولة علمانية منبتة الجذور عن سابقتها التاريخية - من هنا تبدو المفارقة في القيادة العلمانية لأمة تشربت العقيدة الإسلامية، واستحضرت مستقبلها لصالح تلك العقيدة.
معوقات
ربما ترجع العوائق في قيام دولة إسلامية بالسودان إلى ذلك النسيج المتلازم بين عجز القيادة التقليدية وحيوية القيادات الحديثة.. وكان الإفراز يتتابع بمر السنين، وتتسع الفجوة لصالح التيار العلماني، غير أن المشكل لا ينحصر فقط في تلك الصورة القائمة وإنما يلحق بها عدة عناصر شكلت في معظمها عوامل إحباط نظري لقيام الدولة الإسلامية وكانت حججًا تبريرية للقيادة العلمانية من أجل إرجاء العمل لأسلمة الدولة، وتتلخص تلك العوائق في الآتي:
1. مشكلة الجنوب: ترى التجمعات العلمانية بأن مشكلة جنوب السودان تتأثر بصورة مباشرة بالتحاكم إلى العقيدة الإسلامية؛ حيث إن جنوب السودان لا يشكل المسلمون فيه أكثر من 20% وهي وإن كانت نسبة أكبر من نسبة المسيحيين 12% إلا أن المسيحيين يضمون إليهم الأكثرية المتمثلة في العقائد الأفريقية الوثنية (68%) كما أن مسلمي الجنوب أقل ثقافة من رصفائهم المسيحيين. ومن جانب آخر فإن التخوف يزداد لدى الدول المجاورة لجنوب السودان من توسع التيار الإسلامي مما يمهد ذلك لإشعال الجبهة الجنوبية ضد الدولة وزعزعة الأمن القومي من ثم. وبذلك كانت مسألة جنوب السودان إحدى الحجج الذرائعية لاستمرار تيار علمانية الدولة وما زال.
2. الوضع الأمني الاقتصادي: يعتبر السودان اقتصاديًّا دولة فقيرة تحتاج باستمرار إلى دعم الآخرين؛ مما يجعل القرار السياسي فيها يرتبط أمنيًّا بالدول المانحة والدائنة، وهو ما يسد الطريق أمام إنشاء دولة إسلامية، لا سيما وأن أكثر الدول التي تدعم الاقتصاد السوداني هي دول تبدي اهتمامًا واسعًا بمسألة العلمانية، كما أنها ترفض التوجهات الإسلامية بصورة قاطعة، وبذلك كانت الأحزاب والجماعات العلمانية ترى أن الخير يكمن في عدم إثارة مسألة الدولة الإسلامية؛ حتى لا يفقد السودان رافدًا رئيسيًّا في تنميته.
3. الثقافة العلمانية: اهتم المستعمر الإنجليزي طيلة نصف قرن بتغيير أدوات الثقافة في السودان وأوعيتها وكانت حصيلة ذلك الجهد هو نمو تيارات علمانية متواضعة في الثقافة الإسلامية بجانب أنها رفيعة في مجال الثقافات الأوروبية الحديثة فكانت بذلك تنمي الوضعية غير المتوازنة وقد ساعد على ذلك الانحسار العملي لروافد الثقافة الإسلامية وقويت بذلك تيارات ماركسية وقومية وعلمانية تصدرت باستمرار للعمل السياسي والإداري والثقافي وشكلت عائقًا حيًّا ومتفاعلًا أمام التوجه لقيام دولة إسلامية.
الإمكانية:
على الرغم من وجود عدة إشكالات قد تبدو من أول وهلة أنها تحجب إمكانية قيام دولة إسلامية في السودان إلا أن الواقع يرجح الجانب الآخر ويبين هلامية المبررات المساقة من أجل تقاعس الهمة السودانية عن تحقيق ذاتيتها في التحاكم للعقيدة الإسلامية، وفي هذا الإطار تبدو صورة الاستشراف الفاعلة في الوعي السوداني وكأنها تستبطئ كل دعوة لصياغة المستقبل إن لم تستهدف الولاء لعقيدة الأمة والوقائع التاريخية والمعاصرة تبين ذلك المنحى، فالأحزاب السياسية في فترات الديمقراطية المختلفة التي أظلت السودان كانت تجعل على رأس مشاريعها "تحقيق الدستور الإسلامي" ويتضح ذلك في توجه الطبقة الحديثة من المثقفين الذين لم تتمكن منهم ثقافة المستعمر، فالطلاب والعمال وخريجو الجامعات طيلة العقد السابق يشكلون تيارًا إسلاميًا منيرًا وأما بالنسبة للإشكالات التي قد تقف حجر عثرة أمام قيام الدولة الإسلامية فهي ليست طبيعية عند تقويم حجمها كما أنها تخضع لنفسية انهزامية بالإضافة لعدم موضوعيتها، فبالنسبة لمشكلة جنوب السودان فإن الدولة الإسلامية لم تعرف ذلك التباعد بين شعبها بالإضافة إلى أن الإسلام يمكن أن يحل مشكلة الجنوب إداريًا باتخاذ نظام الحكم الاتحادي وثقافيًا وفكريًا بتأمين حرية العقيدة مما يوفر تضامنًا حقيقيًا للدولة وحيث النصرة للإسلام في ميدان التنافس الدعوي الشريف.
أما فيما يتعلق بالمشاكل الأمنية والاقتصادية فإن الدولة التي تعتمد على اقتصاديات الآخرين في الدعم سوف تبقى دولة تابعة ومرهونة للآخرين ولن تحقق تنمية ولا تقدمًا طالما أنها تسير في ذلك النهج، فالدولة في الإسلام تعتمد على ذاتها كما أن السودان دولة ذات إمكانيات اقتصادية جبارة يمكن أن تقيم وضعًا اقتصاديًا متقدمًا إذا ما أوجدت إدارة مقتدرة فجرت روح الإبداع والإتقان في حياة الناس، زد على ذلك أن الدعم الغربي الصليبي الذي تتلقاه السودان من الدول الغربية هو ضئيل جدًا في حجمه كما أنه ثقيل في تبعاته وأما فيما يتعلق بالتيار العلماني والثقافة العلمانية فإن الوضع في السودان منذ مطلع السبعينيات قد تغير لصالح الاتجاه الإسلامي ولم يعد التيار القومي والشيوعي صاحب القدح المعلى في الشارع السياسي والثقافي.
وتبقى المسألة النفسية في مواجهة التحديات وهو ما لم تجابهه حكومة سودانية وإن كان نظام جعفر نميري حاول أن يقدم نموذجًا قانونيًا في الأسلمة إلا أنه كان محدودًا، وبالرغم من ذلك أحدث هزة واسعة في الحياة السودانية غير أن عدم جدية نميري شوهت تلك التجربة، والتحدي ما زال قائمًا وهو مهما تضخم في نفوس القيادات السياسية إلا أنه يبقى ضئيلًا في تصورات الجماهير. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ (الأعراف:96).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل