العنوان أهمية التخطيط لحياتنا: ضع خريطة طريق لحياتك والا كنت فريسة سهلة للآخرين
الكاتب تيسير الزايد
تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-2009
مشاهدات 38
نشر في العدد 1872
نشر في الصفحة 58
السبت 10-أكتوبر-2009
- لا توجد حياة بلا منغصات ولكن التخطيط الصحيح يوفر لك الطريقة المثلى لتستفيد من الأخطاء.
- القرآن الكريم والسنة النبوية يرفضان الارتجال والعشوائية والتوكل على الله لا يعني ترك الأسباب.
تخيل أنك في مدينة جديدة، أول مرة تطأ قدماك أرضها وتسير فيها محاولًا الوصول إلى نقطة في نهايتها، قد تصل لهذه النقطة بعد ساعة أو ساعتين أو قد يكلفك الأمر طوال اليوم، فيما أنك لو استخدمت خريطة المدينة منذ البداية وأحسنت قراءتها لوفرت عليك الجهد والوقت وتوتر الأعصاب، قد تشبه الحياة التي نعيشها تلك المدينة، فهي بها الكثير من المطبات وإشارات المرور والحوادث والفشل والنجاح والمنحنيات والمرتفعات والتحديات، ولكن قد تختلف الحياة عن المدينة في أنك لن تجد من يعطيك خارطة جاهزة ويقول لك: اتبع تلك الخريطة لتصل للنهاية.
وأسباب ذلك كثيرة، فالنقطة التي تريد أن تصل لها تختلف من شخص إلى آخر، والطرق المهيأة لك قد تختلف، والآخرون وما يحيط بك من أحداث يختلف عما يحيط بالآخرين، ولهذا يجب أن تضع خارطتك الخاصة، بالطبع هناك الكثير من الأمور الأساسية التي ستساعدك في تضييق حدود الدائرة التي تبحث فيها، فمثلًا هناك شرع يجب أن تتبعه، ومبادئ تحافظ عليها، وقيم تتمسك بها، ولكن في النهاية عليك أن تضع خريطة لحياتك، وإلا كنت فريسة سهلة لآخرين سيقودونك لما يريدون أن يصلوا إليه، وستعيش أحلامهم هم وليس أحلامك، أو قد تضيع في طرقات الحياة وتتساقط أيامك من يدك دون أن تصل حتى إلى منتصف الطريق.
قد تصبح الخريطة للكثيرين معضلة؛ لأنهم لم يتبعوا الشرع أو القيم أو المبادئ أو الرغبة في تحقيق هدف معين في بداية التخطيط لحياتهم؛ فتصبح الدائرة أكبر والطريق أطول، وقد يمضي العمر وهم في دهليز الحياة دون أن يخرجوا لطرقها الواسعة ويصلوا لمحطاتها الرائعة.
لن يستطيع أي متخصص سواء في أمور الدين أو التنمية الشخصية أو مهارات الحياة أن يضمن لك حياة دون منغصات أو تعرجات، ولكن قد يعطيك الطريقة المثلى لتحول فشلك إلى نجاح وتعاود النهوض بعد السقوط وتستفيد من أخطائك وتتوب من ذنوبك وتعرف كيف تتعامل مع آلامك.
الإسلام ونظرية التخطيط للمستقبل: قد يقول البعض إننا كمسلمين يجب أن نتحلى بالتوكل وعدم الأخذ بما يسمى بعلوم المستقبل، بل يرون أن التخطيط ينافي التوكل على الله، ولــ «د. يوسف القرضاوي» كلام جميل في هذا الشأن يرد فيه على من ادّعى ذلك؛ حيث يقول: «والحق أن الذي يتعمق في دراسة كتاب الله وسنة رسوله يتبين له أنهما يرفضان الارتجال والعشوائية، وترك الأمور تجري على أعنتها بغير ضابط، ولا رابط ولا نظام، وبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب أو إغفال السنن، التي أقام الله عليها نظام هذا الوجود، ولا يكاد مسلم يجهل قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وترك ناقته أمام المسجد قائلًا: يا رسول الله، أأعقل ناقتي وأتوكل أم أطلقها وأتوكل؟ فقال له: «اعقلها وتوكل» (رواه الترمذي وابن حبان وابن خزيمة).
ويقول د. القرضاوي أيضًا: «والحقيقة أن فكرة الدين في جوهرها قائمة على أساس التخطيط للمستقبل، ففيه يأخذ المرء المتدين من يومه لغده، وبعبارة أخرى: من حياته لموته، ومن دنياه لآخرته، ولا بد له أن يخطط حياته ويرسم لنفسه منهاجًا وفق عقيدته يوصله إلى الغاية، وهي رضوان الله ومثوبته».
أما من يرى أن التخطيط للمستقبل ينافي الإيمان بالقضاء والقدر، ففي تفسير رائع لـ د. محمد راتب النابلسي يشرح فيه الآية ۷۸ والآية ۷۹ من سورة النساء ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء:78-79).
ردًا على ذلك حيث يقول: «أول حقيقة في القضاء والقدر أن ما من شيء يقع في ملك الله إلا بإرادة الله، وبفعل الله، فالذي وقعَ وقع بإرادة الله، والذي وقعَ وقع بفعل الله والإنسان ضعيف لا يملك حولا ولا طولًا، لكن لماذا وقع الذي وقع؟ الذي وقع له أسباب، فمثلًا حينما يرسب طالب، من الذي وقّع قرار الرسوب؟ المدير، من الذي أمر بالرسوب؟ المدير، من الذي أدخل في السجلات أنه طالب راسب؟ المدير، لماذا رسب هذا الطالب؟ من حيث الفعل هو فعل المدير، ومن حيث السبب هو من الطالب، بسبب تقصيره وكسله رسب فالفعل إذا نظرت إليه من زاوية الخلق فهو من عند الله وإن نظرت إليه من زاوية السبب فهو من عند الإنسان، فإذا قلنا: إن إدارة المدرسة قررت رسوب هذا الطالب من حيث الفعل، ثم إذا قلت: إن هذا الطالب رسب لأنه كسول فهذا صحيح أيضًا، وقد ذكرت مرة الفاعل، ومرة ذكرت السبب، أي شيء يقع في الكون من حيث الفعل فهو من عند الله، أما كل شيء يقع في الكون من حيث السبب فهو من عند الإنسان».
إذن لا مانع أن يخطط الإنسان ويقدّر ما يحتاج إليه في المستقبل، وما يأمل تحقيقه، لكن ينبغي أن يقول مع ذلك: إن شاء الله، قال تعالى: ﴿ولَا تَقُولَنَّ لشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَدًا إلاّ أَن يَشَاء اللهُ﴾
(الكهف:23). وكل ما ينوي الإنسان فعله في المستقبل، ويعزم عليه أو يرجو حصوله فإنه مبني على الأمل والأمل هو الذي يحفز الناس على العمل.
ما هو التخطيط؟
هو وضع خطة لمواجهة احتمالات المستقبل وتحقيق الأهداف المنشودة، أو بتعريف آخر: هو رسم خريطة الطريق الذي تريد أن تسلكه في هذه الدنيا، وما تريد أن تحصل عليه سواء في الدنيا أو في الآخرة.
وحتى يكون هذا التخطيط ناجحًا يجب أن تتأكد أن عقلك وجسدك وروحك يعملون بشكل تعاوني مع بعضهم بعضًا؛ لتحصل على الاتزان المطلوب، وعليك أن تخطط لكل منهم بشكل مناسب، فمثلًا بالنسبة لروحك يجب أن تنمي قدراتها وتسمو بها عن الحرام والشبهات وتضعها في الإطار الذي تستحقه من العناية، وترسم لها أهدافها ضمن تعاليم دينية وقيم راقية، وعندما تعلو بها تدع لها القيادة لتقود الجسد والعقل في أطر مرسومة، أما العقل فتنميه بالمعارف المختلفة والترفيه الراقي وتوسع مداركه بالاطلاع والسفر والتعرف على الحضارات المختلفة والعلوم المتنوعة، والجسد يحتاج منك رعاية خاصة تتكون من نشاط حركي مناسب وطعام صحي، وعندما تنمي تلك الأجزاء الثلاث بشكل جيد وتكمل بعضها بعضا ستكون أنت المستفيد من هذا التكامل.
خطوات سهلة للتخطيط:
1 - قبل البدء في التخطيط يجب أن نفرق بين الأهداف والرغبات الإنسانية فبعض تلك الرغبات يمكن إشباعها وبعضها ينسى مع مرور الوقت، أما الأهداف فيجب أن تكون واضحة وترسم بدقة ونمهد الطريق لتحقيقها.
٢- في بداية التخطيط يفضل أن نحدد المجال الذي نرغب في التخطيط له - دراسة الصغار، الزواج، الفوز بالآخرة عمل خيري عمل تجاري تخفيف وزن عناية بالصحة - ثم نحدد الهدف الذي نريد أن نصل إليه خلال هذا المجال مع شرط أن تكون تلك الأهداف ذات معنى وقيمة وتكون أنت من سيحققها وتشعر بالإثارة بمجرد التفكير في تحقيقها.
٣- تأكد من أن الأهداف التي وضعتها تستطيع أن تقيمها وتقيسها مما يسهل عملية مراقبة تطورها وفاعليتها.
٤- أهدافك يجب أن تكون واقعية ولا تقفز قفزات عالية وأنت تخطط لها، بل يجب مراعاة الوقت والمدة والجهد المتاح لتحقيقها، مع التركيز على عدد محدد من الأهداف في المرة الواحدة وعندما تنجز بعضها تنتقل إلى أهداف أخرى.
5- كتابة الأهداف خطوة مهمة جدًا في طريق إنجازها، وهذا ما نفعله يوميًا مع أهدافنا الصغيرة عندما نكتبها على ورقة صغيرة نعلقها أمامنا أو نحتفظ بها بين أوراق المذكرة فكتابة الأهداف يضعها دائمًا نصب أعيننا ويجعل تحقيقها أسهل.
٦- مراجعة الأهداف بين الحين والآخر والوقوف على درجة إنجازها أمر مهم، فهو يعطي فكرة عن مدى كفاءة الشخص في الإنجاز، وما هي نقاط قوته وضعفه وما هي الخطوات اللازمة لتكملة الطريق.
7- كثيرًا ما ستجد من يثبط من عزيمتك بدافع الغيرة من نجاحك، أو نتيجة تجارب فاشلة مروا بها، أو أحيانا رغبة في حمايتك من الوقوع في الفشل والشعور بالحزن، وهنا يجب الاهتمام باختيار من نتقاسم معهم التفكير بأحلامنا وأهدافنا، ونختار من نرى أنهم سيساندوننا في تحقيق أهدافنا المرسومة بدقة وعناية وكثيرًا ما يكون الاحتفاظ بالأمر لنفسك الاختيار الأفضل، ولكن قد يكون الاستماع الرأي الآخرين أمرا مهما، وخاصة مع الأهداف غير المشروعة أو غير العقلانية.
وفي الختام ليس لنا سوى الأخذ بنصيحة رسولنا القدوة حيث قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل