; الهدف الأسمى | مجلة المجتمع

العنوان الهدف الأسمى

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2007

مشاهدات 56

نشر في العدد 1768

نشر في الصفحة 50

السبت 08-سبتمبر-2007

 لحظات فاصلة في حياة الإنسان تظهره على حقيقته دون «رتوش».

 الأهداف عظيمة والأعمار قصيرة.... فيجب أن نجعل أوقاتنا في خدمة أهدافنا.

تظلل الجميع بمظلة حب الإله، فكان لقاؤهم مجموعة تضم فتيات ونساء قد وصلن في سلم التعليم إلى قمته، وهناك أخذن يبحثن عن راحة النفس وسلامة القلب، فانسابت الكلمات منهن سلسة وبلا تكلف فلنصحب بعضهم فيما عبرن عنه من خواطر وأحاسيس.

الهدف الأسمى

قالت إحداهن: «إني أبحث عن نفسي التي كانت تمتعني صحبتها بالسعادة ولا أجدها، فعندما كنت طالبة بالجامعة كانت علاقتي بالله حميمة، عباداتي كثيرة، وكان استسلامي الله كبيرًا، وتوكلي على الله عظيمًا، حتى حدث شرخ عميق أحالني إلى حيث افتقدت هذه النفس الصافية، فقد تأخر زواجي بلا سبب أستطيع إدراكه، أو تبينه، فالحمد لله أتمتع بالجمال والعائلة، وكنت من أوائل دفعتي، وأنهل من العلم ما يزيد مركزي الأدبي مع العلمي، ولكن السنوات تمر، وكاد كل أترابي يتزوجن، فانشغلت بهذا الأمر انشغالًا أخذ جل تفكيري، وكنت أكرر لنفسي دومًا نفس السؤال: لماذا تأخر زواجي؟، فانشغلت عن هدفي الأسمى، وقلت إيمانياتي بالتدريج، واستسلمت لذلك، واصطدمت بأول ابتلاء فأوقعني أرضًا، وكان ينتابني شعور بالضيق الشديد، وأشعر بأني لم ألحق الركب، ولا حيلة لي في تغيير هذا الواقع، وأنا المعتادة دومًا في كل حياتي أن أكون في أول الركب، وشعرت بكل كياني بعبارة كنت أرددها: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». كيف يكون الإنسان بالفعل هكذا بلا حول ولا قوة ولا حيلة! فالأسباب المطلوبة لزواج سعيد كلها متوافرة لدي، ويتقدم لي الكثيرون، ولكن لا جدوى، ولا فائدة، ففي كل مرة لا يحدث توافق والأسباب مختلفة ومتعددة، والنتيجة النهائية واحدة: لا زواج.

شعرت حينها أن إذن الله وأمره وإرادته من الأسباب الأساسية لإتمام أي أمر من الأمور وصدق ﷺ: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن». فإن حالتي تجسد بشكل عملي واقعي هذه الكلمات الرائعة، وقد اجتمع كل من حولي لمساعدتي بلا طائل ولا فائدة بدون مشيئة الله وتوفيقه.

«ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك».

يا إلهي أكاد أشعر أن هذه العبارات قد بعثت فيها الروح في تجربتي وابتلائي الذي أمر به، وأخذت أتلمس أسباب الخلاص.

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنعام: 17).

وبالفعل عندما ضاقت بي الأرض بما رحبت، وشعرت بصدق ويقين أن لا ملجأ لي من الله إلا إليه، توقفت تمامًا عن سؤالي لماذا لم أتزوج بعد؟ لماذا تأخر زواجي؟، وبدأت أهتم بالهدف الأسمى الذي تهت عنه، وأخذتني دوامة الحياة، وأخذت أذكر نفسي: ماذا كان هدفك؟ هل هو مرضاة الله؟ هل هو رفع راية الإسلام؟ هل هو الجنة؟ هل هو محاولة قربي من الله؟ هل هو الراحة؟ هل هو الارتقاء؟ هل هو بذر بذرة نور في قلبي لتضيء لمن حولي؟

بلا مقدمات

فعلمت أنه كل هذا ويزيد، فكم هو هدفي عظيم وعمري قصير، فجعلت وقتي من أجل هدفي، وسلمت أمري في زواجي لربي، وأنهيت الماجستير بشكل مشرف، وأهديته لخالقي، وفجأة وبلا مقدمات، عندما أذن الرحمن فعلًا، تم زواجي بسهولة ويسر، حتى الآن أتعجب له، وارتبطت بالشاب الذي لم أكن أتصور أن أرتبط بغيره، وتعلمت أن عقيدتي ليست عبارات تقرأ، أو تكتب، لكنها تتفاعل مع كل الأحداث المحيطة بالإنسان حتى تدخل إلى نسيجه، فتصنع منه إنسانًا كما يريد الله، وليس كما يريد هو».

فتور وكسل

كان الجميع يستمعن بشغف وإنصات، وقد تسمرت أعينهن عليها وكأنها لم تنه حديثها، ثم تنهدت أكبرهن عمرًا وهي تقول: الهدف الأسمى! ما أروع ما رويت، فقد وضعت يديك على موطن الداء عندي، وكانت طبيبة في الخمسين من عمرها، يكن لها الجلوس كل تقدير واحترام، وقد حصلت على أعلى الشهادات في مهنتها، كانت تتدفق منها روحانيات إيمانية عالية، مما منحها أسلوبًا رائعًا للدعوة في سبيل الله، وقد وضع الله لها المحبة في قلوب مستمعيها، فسافرت إلى عدة بلدان، وكانت لها دروس ببعض الفضائيات، وكانت لها بعض مقالات في بعض المجلات والصحف فتعجب الحضور من قولها، وأنصتوا لها، حيث قالت: بالطبع كما تعلمون أن جل وقتي في الدعوة إلى الله، ولا أبتغي من ذلك أجرًا ولا شكورًا إلا من العلي العظيم، وكانت عباداتي لله هي مددي الحقيقي للاستمرار - حتى كان ذلك اليوم، فقد كنت في بلد بعيد، وكان برنامجهم معي في دروس الدعوة مكثفًا إلى أبعد الحدود، فقد كنت ألقي حوالي أربعة دروس في خلال اليوم غير موائد الغداء والعشاء والزيارات الواجبة في خلال اليوم، وفي يوم من تلك الأيام، كان هناك تصوير تليفزيوني لعدة دروس قمت بإعدادها مما زاد من عبء اليوم، فانشغلت عن هدفي الأسمى في أن تكون كلمة الله هي العليا، ودعائي المستمر لله أن يجعلني من أسباب ذلك، وأن يستخدمني ولا يعطلني وأصبح شغلي الشاغل صحتي ووقتي.

- وبدلًا من أن أطلب من الله المعونة وأسأله أن يديم على هذا الخير الذي ألححت على الله في الدعاء كثيرًا أن يهبني بعضًا مما أكرمني به، قررت أن أقلل دروسي وأعتذر عن الكثير من ارتباطاتي، وسبحان الله! بدأ الفتور يكسوني، وبدأت عباداتي التطوعية في التناقص، وبدأ تدبري للقرآن يصل إلى أدنى مستوى له، وبدأت مشكلات الدنيا التي ما كنت أشعر بها - لتوكلي المتين على الله واستسلامي له في كل أموري- بدأت هذه المشكلات تكثر لي عن أنيابها، بل وبدأت الأنياب تنهش من وقتي وصحتي الكثير، وهذه الدروس التي كنت أفكر وأخطط للاعتذار عنها لم أعد أظفر بأي منها، وكأني تجمدت في دنياي أين من كانوا يطلبون دروسي؟ أين المحيطون بي؟ أين الفضائيات؟ وكأن الزمن قد توقف بالنسبة لي، ولم أكن أدرك حقيقة ما حدث حتى تحدثت ابنتي، وتعلمت منها درسًا أسأل الله تعالى أن ينفعني به فيما تبقى لي من عمر، نعم فكل ما كنت أراه وأسمعه كان من فضل الله، ومعونة منه سبحانه لتحقيق هدفي الأسمى، وعندما انصرفت عنه حدث لي ما حدث، اللهم غفرانك، وأعوذ بك من شرورها، وأسألك اللهم أن تهب لي من لدنك رحمة وتهيئ لي من أمري رشدًا إنك سميع مجيب.

ظروف عسيرة

فانطلقت الأصوات بالتأمين، وقد بدأ بعضهن يجففن دموعهن تأثرًا مما سمعن. وساد المكان صمت رهيب، وقد توحدت قلوبهن على قلب واحد خاشع وجل لله، وكانت من بينهن أخت تحتضن صغيرها، فقالت موجهة الحديث إلى الأخت التي تروي تجربتها: لا تيأسي وحاولي مرة ومرات فإني ممن استمع إليك وتأثر بحديثك، وتغيرت حياتي بسبب توجيهاتك ولا تنسي كلماتك: «إن أراد العبد أراد الله». فتمسكي بهدفك الذي هو بحق من أسمى الأهداف، وحتى وأنت تتحدثين الآن تعلمت منك ألا نسأل الله أن يخفف عنا الحمل، ولكن نسأله سبحانه أن يقوي ظهورنا، وقد مررت بظروف محفورة في ذاكرتي لعل فيها العبرة لإحداكن، أعطت طفلها ما يلهو به وبدأت في سرد حكايتها، نظرت للجميع نظرة متفحصة وكأنها تريد أن تتأكد أنهن يرهفن لها السمع، ثم قالت:

لقد تزوجت وأنا ما زلت في السنة الخامسة بكلية الطب، وكنت متفوقة في دراستي، وأحرص دومًا على التقديرات المرتفعة، وقد كان هذا الحرص يكلفني الكثير من الوقت والجهد، وكان زوجي طبيبًا من كادر الجامعة، فكان يشعر بأهمية ما أصبو إليه، وكان هدفي ودعائي أن يجعلني سبحانه طبيبة ماهرة حتى أعين كل من يطلب مني المعونة، ومرت الأشهر بعد الزواج على خير حتى جاءت لحظات الاختبار، وهي بحق لحظات فاصلة في حياة الإنسان، تظهره على حقيقته بدون رتوش..

ولكن الدوار كان يزداد مع بعض الغثيان، وكنت مقبلة على امتحاناتي، وليس لدي لحظة من الوقت أضيعها في عمل تحاليل أو ما إلى ذلك، مما طلبه زوجي فهون على الأمر، وأخذ مني عينة من الدم، ونسيت الأمر برمته، وفي اليوم التالي وجدته ينصحني بالاهتمام بصحتي وطعامي ونوعيته، وهو يقدم لي بعض الطعام بنفسه، فتعجبت وتذكرت التحليل ولم يمهلني حتى أسال، بل قال لي: أنت حامل، فقد وقع على الخبر كالصاعقة، وانتحيت في بكاء هستيري، وأخذت أتفوه بعبارات أسأله سبحانه أن يغفرها لي.

وفي النهاية جاءت ابنتي، جميلة المحيا، رائعة الملامح، ولكني لم أكن أشعر بكل عطاء الله هذا.. فقد كنت في دوامة الخوف والقلق، وفي لحظات وجدت أن هناك اضطرابًا وحركة دائبة من الطبيبة والممرضات، وحملت الطبيبة الطفلة وهي تهرول، ولم أر ابنتي بعد ذلك حتى هذه اللحظة، فقد أخبروني بوفاتها! شعرت بغصة في صدري، وشعر زوجي بمرارة كنت أتذوقها بمجرد مرآه، لم أشعر بالارتياح إلا عندما قالت له الطبيبة: «لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما أوتيتم»، وانقضى الأمر.

لقد عانيت نعم، ولكن كانت فائدتي أكبر من معاناتي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 18

111

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الفكر في الصليبخات

نشر في العدد 25

104

الثلاثاء 01-سبتمبر-1970

هذا الأسبوع (25)