; الإمام البنا .. وعلم السنن الربانية | مجلة المجتمع

العنوان الإمام البنا .. وعلم السنن الربانية

الكاتب رمضان خميس الغريب

تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1968

نشر في الصفحة 66

السبت 10-سبتمبر-2011

حفل تاريخنا الإسلامي والإصلاحي عبر مئات السنين بنخب فكرية وعلمية واعية استطاعت أن تحمل آمال أمتها وآلامها وأفراحها وأتراحها، ومن هؤلاء الذين وَعَوْا علم السنن درسا وتطبيقًا، وفهما وتوظيفًا: الإمام حسن البنا - يرحمه الله - الذي بدا من خلال مشروعه الفكري والإصلاحي وعيه بالسنن الربانية وعيا حمله على الإفادة منها وإخبار تلامذته بها ، وتربيتهم عليها، وحديثه الصريح الفصيح عن ملامحها وسماتها التي ندر من تحدث عنها بطريقة عملية، فربى جماعته عليها ونصحهم على ضوء من سناها، والمتتبع لكتاباته وأحاديثه يجد ذلك بين لا لبس فيه ولا غموض.

إن فهم السنن الربانية خطوة من خطوات الانتفاع بها والإفادة منها، وإذا كنا نقول في مجال الحكم على الأشياء: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فيمكننا أن نقول كذلك في ميدان السنن: إن فهمها طريق إلى تسخيرها، وإدراكها سبب إلى توظيفها.

إن العلم بالسنن والتعرف عليها أول درجة من درجات حسن التعامل معها، وهذا ما يسميه فقهاء الدعوة وروادها «فقه السنن الإلهية»، فأول شرط من شروط التعامل المنهجي السليم مع السنن الإلهية والقوانين الكونية في الأفراد والمجتمعات والأمم «أن نفقه فقها شاملًا رشيدًا هذه السنن، وكيف تعمل ضمن الناموس الإلهي، أو ما نعبر عنه بـ « فقه السنن»، ونستنبط منها على ضوء فقهنا لها القوانين الاجتماعية والمعادلات الحضارية »(١).

ومن هنا يقول الإمام البنا - يرحمه الله - فيما يشبه الاختزالات العميقة للتجارب البشرية: « لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على ،بعض وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد ». (٢) 

ولقد رصد الأستاذ البنا في هذه السطور القليلة حشدًا هائلًا من القيم العالية والتوجيهات الرائعة التي هي بحق معالم وملامح لفقه السنن الربانية، ويمكن أن نستخرج من كلامه في فقه التعامل مع السنن الربانية هذه الخطوات:

أولًا : عدم المصادمة.

ثانيًا : المغالبة.

ثالثًا: الاستخدام.

رابعًا: التحويل.

خامسًا: الاستعانة ببعض السنن على بعض.

سادسًا: ترقب ساعة النصر.

وهذه الخلاصات وغيرها أعقبها الشيخ - يرحمه الله - بقوله: فعلى هذه الدعائم القوية أسسوا نهضتكم، وأصلحوا نفوسكم، وركزوا دعوتكم، وقودوا الأمة إلى الخير والله معكم ولن يتركم أعمالكم .(۳)

وإذا أردنا أن نفصل هذه الخطوات وجدناها على النحو التالي: 

١-عدم المصادمة ذلك أن الإدراك الحقيقي للسنن الربانية يجعل الإنسان بعيدًا عن مصادمتها، وكيف يصادمها وهو يدرك طبيعتها ويعلم سيرها وعدم تخلفها أو تبدلها وتحولها، من هنا فهو يتعامل معها على هذا الأساس تعامل الكيميائي مع المواد التي يعرف خصائصها ويدرك كنهها، والطبيب الذي يعرف خصائص المرض وأنواعه فيشخص الداء ويصف الدواء بكل مهارة واقتدار.

٢- المغالبة والمغالبة تعني المفاعلة، ويراد بها هنا أن المسلم إذا كان لا ينبغي له أن يصادم السنن والنواميس ولا يقف أمامها فإنه مأمور بأن يغالبها ويوظفها لصالحه، ويجعل تيارها معه لا عليه.

٣- الاستخدام: وهو المقصود بالتوظيف بعد الإدراك والتسخير بعد الفهم، وهذا هو بيت القصيد ؛ من فهم السنن الربانية أن يصل بها في النهاية إلى درجة توظيفها له وانتفاعه بها؛ بل حسن التوظيف وحسن الانتفاع.

٤- تحويل تيارها والمقصود من تحويل تيار السنن والنواميس الربانية أن يجعلها الإنسان تخدمه لا تستخدمه، وأن يغتنم قوتها وشدتها ، وأن يجعل تيارها يجري في المسار الذي يخدمه ويعود عليه بالنفع والغنم.

٥- واستعينوا ببعضها على بعض وهذا دور الإنسان المدرك لطبيعة السنن والمدرك لأنه أهل لاستخلاف الله تعالى له، وجعله سيدًا في هذا الكون؛ فهو بهذا الاستخلاف وتلك السيادة يملك بعقله الذي وهبه الله تعالى له توظيف بعض السنن ببعض، والاستعانة بها عليها حتى يكون مسخرًا لها ولا تكون هي مسخرة له وساعتها سيكون من أهل النصر القريب والفتح المبين.

والأمة اليوم في أمس الحاجة إلى هذا الفكر الواعي الذي يقوم على التدبر في سنن الله تعالى وفقه التعامل معها، فإن كثيرًا من أمراض أمتنا نشأت وترعرعت في ظل غياب الفهم الكامل لمضامين القرآن الكريم، والغيبوبة التي طالت عن مراد الله تعالى ونحن بتقصيرنا في هذا الجانب جانب السنن الربانية وفقهها - نشارك في رسم صورة سيئة عن الإسلام عند أعدائنا ، فإنهم يربطون بين تخلفنا العلمي والحضاري والثقافي والمعيشي وبين ديننا، فيظلم هذا الدين الجريح، ولنا في صنع هذا الظلم له نصيب أي نصيب. 

إن مَنْ فهموا قوانين الله تعالى وسننه في خلقه استطاعوا أن يحققوا سبقا ويحرزوا نصرا، ويصلوا إلى أهدافهم؛ مثلما فعل مؤمن آل فرعون، وجنود طالوت.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 128

90

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

تركيز.. لا تكاثر!!

نشر في العدد 409

87

الثلاثاء 22-أغسطس-1978

لقاء مع سيد قطب داخل السجن!!