العنوان حياة القلوب
الكاتب جعفر يوسف الحداد
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 82
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
إن حياة القلب هي حياة الإنسان، وموت القلب هو موت الإنسان، وحياة قلب المؤمن وكمال يقظته لا تكون إلا بترويض النفس الجموحة على الطاعات، والتزام أمر المولى عز وجل واجتناب المعاصي والذنوب والآثام التي تميت هذه القلوب، وقد قال عبد الله بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب |
| وقد يورث الذل إدمانها |
وترك الذنوب حياة القلوب |
| وخير لنفسك عصيانها |
يقول الإمام ابن القيم في عواقب الذنوب وآثارها: «قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم ولباس الذل، وضيق الصدر، وطول الهم تتولد من المعصية»([1]) فما أقبحها من عواقب تنهال على المرء إذا ما تمادى في ذنوبه وغيه.
قال تعالى: (أَلَم يَأنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلكِتَٰبَ مِن قَبلُ فَطَالَ عَلَيهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَت قُلُوبُهُم وَكَثير مِّنهُم فَٰسِقُونَ) (الحديد آية: 16).
إنه عتاب مؤثر من المولى الكريم الرحيم، وإستبطاء للإستجابة الكاملة من تلك القلوب التي أفاض عليها من فضله، فبعث فيها الرسول يدعوها إلى الإيمان بربها، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، عتاب فيه الود وفيه الحض، وفيه الإستجاشة إلى الشعور بجلال الله، والخشوع لذكره، وبيان لما يغشى القلوب من الصدأ يمتد به الزمن دون جلاء وما تنتهي به من القسوة بعد اللين تغفل عن ذكر الله([2])، وهل حياة القلوب إلا بخشوعها وخضوعها وإنكسارها بين يدي الله عز وجل، وهل حياة القلوب إلا بإجتناب ما يسبب قسوتها وجفوتها من ذنوب وأثام، وفي هذه الآية إيقاظ للغافل وتنبيه للجاهل وشحذ الهمم، لعل القلوب أن تلين والعيون أن تدمع، وتدفع النفس إلى الطاعة.
الحذر من الاستدراج:
ومن الناس من يظن بأن نعم الله السابعة عليه وهو مقيم على معصيته ومقصر في حق الله هو دلیل محبة الله له، أو أن ما يقترفه من أثام لا عاقبة له، وهذا هو الإستدراج المهلك والقاطع الخط الرجعة عند الإنسان إلى مولاه، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن رسول الله r أنه قال: «وإذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك له منه استدراج» واستشهد بهذه الآية (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحنَا عَلَيهِم أَبوَٰبَ كُلِّ شىءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذنَٰهُم بَغتَة فَإِذَا هُم مُّبلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلقَومِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ) (الأنعام آية: ٤٤- ٤٥) ([3])، فما أعظم اعتذار المتمادين في الذنوب وهم يرجون النجاة من الله.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها |
| إن السفينة لا تمشي على اليبس |
فمن شاء لنفسه قلباً طيباً ونفساً زكية فليحذر المعاصي وليلزم الطاعة فإنها حياة لقلبه وسداد لدربه.
إن الجبال من الحصى:
قال أحد الصالحين:
خل الذنوب صغيرها |
| وكبيرها فهو التقي |
وأصنع كماشي فوق |
| أرض الشوك يحذر ما يرى |
لا تحقرن صغيرة |
| إن الجبال من الحصى([4]) |
وعن أنس رضي الله عنه قال: « وإنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات »([5])
فهي الصغائر التي تفعل الأفاعيل وصاحبها في غفلته سادر، يرى شفافيته قد تعتمت وإشراقته قد أظلمت، ثم يبحث عن السبب فلا يجد له سبيلاً، وهي تلك المعاصي الخفيفة التي هي أدق في أعيننا من الشعر لقلة ورعنا وتقوانا، وهي المهلكة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: « إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه»، فذلكم الران الذي ذكر الله عز وجل في كتابه: (كـَلا بَل رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكسِبُونَ) (المطففين آية: ١٤) ([6])
فواعجباً للمغالط نفسه، يرضي نفسه بشهوة، ثم يرضي ربه بطاعة، ويقول حسنة وسيئة، ويحك!! رب جراحة قتلت، ورب عشرة أهلكت، ورب فارط لا يستدرك.
الحياة كم هي جميلة حين تتجمل القلوب بذكر الله وتصفو من الأدران والآثام وتنطلق مسرعة إلى ربها مرددة بشوق: عجلت إليك رب لترضى دون تسويف ولا تردد فقطار التوبة ربما مضى إلى غير عودة والقلوب شديدة التقلب، فالحذر من « سوف » كل الحذر فإنها المهلكة، « وما مثال المسوف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة قرأها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة، فقال أوخرها سنة ثم أعود إليها، وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها، وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه »([7])
إشراقة الحياة وحياة القلوب:
إن هذا القلب البشري سريع التقلب وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور، فإذا كثرت عليه الذنوب تبلد وقسا وإنطمست إشراقته، فلابد له حينئذ من تذكير حتى تدب فيه الحياة من جديد، ولابد من الطرق عليه حتى يرق ويشف، ولابد من يقظته كي لا يصاب بالقساوة، ولكن لا يأس من قلب تبلد وقسا، فإن الحياة له سائحة، ولا يأس من إشراقة النور فيه من جديد، فالله الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء هذه القلوب التي جفت وقست في غفلة عن ذكر الله، قال تعالى: (وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرضَ خَٰشِعَة فَإِذَآ أَنزَلنَا عَلَيهَا ٱلمَآءَ ٱهتَزَّت وَرَبَت إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحيَاهَا لَمُحيِ ٱلمَوتَى إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شىءٖ قَدِيرٌ) ( فصلت آية: 39).
إن حياة القلوب بطاعة الله، والطاعة لها لذة لا يدركها إلا من اتصل قلبه بمولاه وزاد حبه لخالقه سبحانه، والطاعة بركة وخير في الدنيا والآخرة. وهذا هو الإمام ابن القيم يذكر لنا طرفًا من فضائل الطاعة والتوبة إلى الله فيقول: محبة الخلق. وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس، » وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل وصون نور القلب أن تطفته ظلمة المعاصي، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتسهيل الطاعات عليه، والثناء الحسن في الناس، والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى في قلوب الناس، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وتسارع الناس إلى خدمته وقضاء حوائجه([8])
فيا له من خير عميم وتجارة رابحة وحياة هانئة ونفس مشرقة وفوز وفلاح وبر وصلاح لمن شاء أن ينال جمال الحياة ويحيي قلب بطاعة مولاه
([1])الفوائد، ص47.
([2]) في ظلال القرآن، ج6، ص3489.
([3]) أخرجه أحمد وصححه الألباني في الصحيحة 1/700.
([4]) جامع العلوم والحكم حديث "اتق الله حيثما كنت".
([5]) رواه البخاري.
([6]) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد.
([7]) الفرار إلى الله – محمد الرملي.
([8]) الفوائد، ص198.