العنوان أمل يتمناه كثيرون، ولكن لا يعملون لتحقيقه: كيف نعيد للأمة مجدها؟
الكاتب محمد مكي سالم
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 74
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 54
السبت 12-أكتوبر-2002
بناء الرجال، وحدة الهدف، حسن التخطيط وإخلاص العمل، أهم أسباب العزة والنصر
اهتم كثيرون من أبناء الأمة ودعاتها ومفكريها في الآونة الأخيرة -وعلى مستوى واسع- بالحديث عن تفرق الأمة وضعفها وتمزقها، ونسي بعضهم أو تناسى أننا نملك من القوة المعنوية الكثير، وكفى أننا عبيد لله الواحد، وأننا لا ندين لشركاء متشاكسين وأننا أقوياء بقرآننا وهدي نبينا فهل بعد هذه القوة من قوة.
وبالطبع لا يعني هذا أنني أقلل من شأن إعداد القوة المادية، فهذا أمر بدهي، وقد ورد به الأمر الإلهي في قوله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال: 60).
والسؤال: لماذا تنتشر روح اليأس بين كثير من أبناء الأمة فيقعدوا عن العمل لرفع شأنها، مع أن الجميع يعلمون أنه لا سبيل لذلك إلا العمل الجاد المخلص، مع التوكل الحقيقي على الله تعالى؟
وقد لاحظت بجلاء تفشي روح اليأس في كثير من أدبياتنا المعاصرة من شعر ونثر وخطابة وغيرها، فكل ما نسمعه من مفردات يعبر عن نوع من الضياع والضعف والتمزق وانتهاك حرمات المسلمين، ولا مجيب، فهذه فلسطين ضاعت، وهذه الشيشان تئن، وهذه كشمير تصرخ، حتى أغلفة الأشرطة ورسوم المطويات والنشرات ملئت بالدم الأحمر والجماجم البيضاء، ولكن بعد هذا كله ما العمل؟ أهو شق الجيوب ولطم الخدود، أم أنه الحوقلة وطأطأة الرؤوس ومصمصة الشفاه، أم أنها السلبية، والانطواء والعزلة واللامبالاة؟
إن كثيرًا من أبناء الأمة لم يقدموا شيئًا لنصرة الإسلام، وكأن الأمر لا يعنيهم، أو كأنهم لم يسمعوا بتضحيات آل ياسر، وخالد، وطلحة، وأحمد، ومالك، وابن تيمية، والقسام، والبنا، وسيد، وعودة، أو أنهم تغافلوا وتناسوا أن ما أقض مضجع النبي -عليه السلام- أنه كان يحمل هم أمته، فعاش ومات لإنقاذها وهو يقول: "أمتي أمتي".
فاسأل نفسك وأجب ثم اعمل: كيف نعيد للأمة مجدها؟ متى؟ ومع من؟ أسئلة كثيرة تدور في أذهان الملايين من أبناء الإسلام، وقليل منهم من يجيب وأقل من ذلك من يعمل.
وهذه بعض الإشارات على طريق النابهين المتطلعين إلى مجد أمتهم ونصرها المؤزر، واستعادة مجدها الغابر مرددين قول هاشم الرفاعي:
ملَكْنا هذه الدنيا قرونا وأخضعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان وما نسينا
أولًا- صناعة الرموز والبدء من أسفل:
من المهم لأي حركة إصلاحية دعوية أن تهتم أولًا وقبل كل شيء بإصلاح القاعدة العريضة من المسلمين، فهذا هو الأسلوب الأمثل للتغيير والإصلاح، قد يكون طريقه أطول وجهده أكثر، ولكن ثمرته مضمونة؛ لأنه طريق الأنبياء والمرسلين، وسنة الله رب العالمين القائل في كتابه المبين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (سورة الرعد: 11).
ولقد أعجبني في هذا السياق طرح الدكتور ماجد الكيلاني في كتابه «هكذا ظهر جيل صلاح الدين، وهكذا عادت القدس»، عندما تحدث عن حركات الإصلاح التي أخرجت جيلًا كان كله على خطى صلاح الدين فلم يكن صلاح الدين وحده هو المصلح المجدد الذي نزل بالمعجزات، ولكنه ظهر وبرز وسل سيف الإيمان قبل سيف القتال عندما اكتمل بناء القاعدة العريضة من الناس، وانتشرت فيهم روح البذل من أجل غاية واحدة، يعمل من أجلها الخليفة والجندي والكبير والصغير والرجل والمرأة، فتكون الفرد الصالح المصلح الذي يحرص على عزة الأمة، ومجدها وانتشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المنابر وفي الأسواق والتجمعات، وتزاحم الطلبة على حلقات العلم، وتكونت التربة الصالحة والبيئة المؤهلة والمستحقة لنصر الله تعالى.
فواجبنا أن نبدأ بأنفسنا فنربيها على استسهال الصعاب في سبيل الله والإكثار من الطاعات والقربات، وأن نحمل رسالتنا ونعيش من أجلها، لا أن تحملنا هي فنكون ثقلًا زائدًا عليها، وأن نأخذ الكتاب بقوة، وأن نقول في دجى الليل: انتهى عهد النوم يا خديجة، فهي التربية إذن، وهي صناعة للنفس كي نكون رموز إصلاح في البيت والمسجد والعمل.
ثانيًا- وحدة الهدف وإن اختلف التوجه:
وإن مما يفيدنا في إعادة مجدنا وصناعة مشروعنا بإتقان أن نعمل لأجل غاية واحدة وإن اختلفت وسائلنا، وتعددت توجهاتنا، فكلنا يقف على ثغر، وشر الناس من يؤتى إسلامنا من قبله، وإن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، إن الاختلاف سنة كونية، قال -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (سورة هود: 118-119).
فينبغي توحيد الصفوف ونبذ الخلافات، قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 46).
ثالثًا- التعاون والتخطيط وإتقان العمل:
«الحركة بداية والسكون نهاية» وإن جمال الحياة ورونقها ليتميز ويظهر في حركتها، فلا نرضى بالركود والطأطأة، وما بالك بحركة ممنهجة تقوم على التعاون والتخطيط إنها بشائر النصر تلوح لنا في البدايات، فأين المتفكرون المتبصرون؟ وإنه لإبداع من رائد المسار، محمد أحمد الراشد، حينما يذكرنا أن تمام النصر ونشر تكبيراتنا عالية لن يكون إلا بالتعاون والتخطيط والعمل، ولنا مثل في أهل قرية يمر بهم الداعية الرباني الفقيه، ولا يسمع خلال دورهم آذانًا فيبتأس، ويعظهم ويطلب منهم المعاونة على بناء مسجد، فهو الرائد المؤسس، فيتنادون كل بطاقته، فيقول أحدهم: أهب المسجد ناحية من أرضي، ويقول آخرون ولكم أكتافنا نخلط الطين ونحمل اللبن، ويقول ثالث: وعلي إقامة الجدار، ويتبرع رابع بالأبواب، وخامس بالفرش، وسادس بسرج المسجد وأنواره، وسابع يقول: ما عندي كتف ولا مال، ولكن صوتي جميل، فأنا المؤذن، ويقول المستضعفون وعلينا تكثير السواد والانتظام صفوفًا، لتظهر هيبة الإسلام، ونعمر المسجد بالتسبيح والتكبير، حتى يؤمهم الرائد فتقام الصلاة.
رابعًا- الأوبة وإخلاص النية:
إن الكلمة أقولها لأخي أنصحه فيها، أو أنكر عليه منكرًا تحتاج مني قيام ليل طويل وإخلاص نية، وتجرد وأوبة إلى الله -تعالى-، أدعوه فيها بالإصلاح والقبول، وهي كلمة، فما بالكم بالأهداف الكبرى والغايات العظمى؟ إنها تحتاج إلى همم عالية، وجهود كبيرة وأيد متكاتفة، وسواعد متعاونة.
خامسًا- الإكثار من الطاعات في كل الأوقات:
وهذا أمر في غاية الأهمية، حتى إن الله -تعالى- يأمرنا بذكره -وهو صورة من صور الطاعة- أثناء القتال، فقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة الأنفال: 45).
أفلا نقتحم العقبة، ونوصل الخير إلى الغير، ونتزود بخير الزاد فلا نخرج من دنيانا إلا بأوقاف تشهد لنا بالعمل؟ فهنا ابتسامة، وهناك كلمة صلاح وهنالك تربية جيل؟ فاستدرك الآن:
وخذ لك زادين من سيرة ومن عمل صالح يدخـــر
وكن في الطريق عفيف الخطأ شريف السماع كريم النظر
وكن رجلًا إن أتوا بعده يقولون مر وهذا الأثر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل