; ثقافة الإنترنت.. وأزمة المواجهة | مجلة المجتمع

العنوان ثقافة الإنترنت.. وأزمة المواجهة

الكاتب د. عمر عبد العزيز مشوح

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 80

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 21-يوليو-1998

قد يستغرب من يقرأ العنوان عن كيفية ربط الثقافة بالمعلوماتية، فالثقافة مرتكز من مرتكزات الأمم، وعنوان من عناوين أصالتها وتقدمها وتاريخها العريق، فكيف يربط هذا المبدأ المهم من مبادئ التقدم البشري بمصطلح جديد ظهر على الساحة، مصطلح يعتمد على التقنية العلمية والأجهزة والكومبيوتر والإنترنت.

 ونظرة عامة للتطور العلمي والمعلوماتي في جميع المجالات، يتبين أن الأمر خرج من دائرة الاكتشاف العلمي، ومن دائرة الشيء الجديد الذي يبهر العين لأول نظرة ثم يختفي! فالأمر تحول إلى ظاهرة حضارية لافتة للنظر، والأمر أصبح ظاهرة تستحق المعالجة من جميع الجوانب.

فالمعلوماتية تعدت حواجز المكتبات والتوثيق المعلوماتي، وتعدت حواجز مراكز الدراسات الاستراتيجية ومراكز الأبحاث والتطوير، إنها الآن تدخل في كل بيت، وفي كل زاوية من هذا العالم الذي حولته إلى قرية صغيرة، أصبحت المعلوماتية تمتلك بروتوكولات خاصة، وأيديولوجيات خاصة، ومبادئ وطرق للتفكير والتعامل خاصة أيضًا، أصبحت لها ثقافة منفصلة، وتاريخ يذكر، ورجال أثروا فيها، ورموز وآثار ومجتمعات وأدبيات، بل حتى أنظمة وقوانين تحتكم إليها، إنها تدخل في كل مجال، في كل تخصص دراسي، وفي كل مجال وعلم وفن، بل حتى في مراكز التسوق والتجارة والبنوك، بل المطابخ وغرف النوم، إنه تمدد أخطبوطي لا يمكننا إلا أن نتعامل معه بحضارة وثقافة خاصة، بشكل يمكننا من الاستفادة منه أكبر قدر ممكن، وبحيث الا نكون سببًا في جعله يقلب كل معتقداتنا وثوابتنا سواء الحضارية أو الثقافية أو الدينية.

في أحد التقارير تشير الإحصاءات إلى أن ٤٥% من الأسر الأمريكية تمتلك كومبيوتر شخصي، فيما لا يملك سوى ۲۳ % من الأسر الأوروبية هذا الجهاز، وتبلغ النسبة في اليابان ١٧ %، طبعًا العرب خارج الإحصائيات كالعادة.

ويقول التقرير إن الأمريكيين يستخدمون الكومبيوتر لأغراض الاتصالات وإرسال البريد الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت، أما الأوروبيين فلا يزالون في بداية استخدام تطبيقات الشبكة الدولية للمعلومات، خصوصًا أن الاتصالات الهاتفية تظل عالية التكاليف.

 ويوضح التقرير في النهاية أن الأوروبيين عازمون على نشر الكومبيوتر الشخصي واستخدامه كأداة فعالة في نشاطاتهم، بينما يحاول اليابانيون توظيفه بشكل حاسم لا يلغي طبيعة علاقاتهم وتفاعلاتهم الشخصية، تقرير كهذا يكشف مدى سيطرة التطور المعلوماتي والإنترنت على المجتمعات وبنائها الحضاري، إذن فالكل يستعد لأن يكون ضمن الإطار المعلوماتي المسيطر في هذه المرحلة؛ لأن البقاء خارج هذا الإطار يعني البقاء خارج العالم، وخارج التأثير، وخارج دائرة المنافسة.

صناعة المستقبل:

في خبر طريف نشرته جريدة الشرق الأوسط في عددها «٧١٠٧» بتاريخ 98/5/14 يقول الخبر: إنه في شارع بريطاني عادي، ولكنه خلف واجهات أنيقة وقديمة، ترجع إلى القرن التاسع عشر، يشترك سكان في تجربة لإعداد مجموعة من البشر تنتمي إلى المستقبل!! تعيش ٢٣ عائلة في أيزلنجتون شمال لندن- حيث المسكن القديم لرئيس وزراء بريطانيا توني بلير- مع شبكة المعلومات العالمية «الإنترنت» منذ العام الماضي... فقد اختارت شركة الكومبيوتر العملاقة مايكروسوفت الشارع عشوائيًّا، ومنحت السكان فرصة ربطهم بالشبكة وببعضهم البعض عن طريق لوحة إلكترونية، ويعتقد كبار المسؤولين في الشركة أن فكرة خلق مجموعة سكانية كومبيوترية هي الأولى من نوعها في بريطانيا، إن لم يكن في أوروبا.. والهدف هو إجراء تجربة حية لاكتشاف مدى تأثير الإنترنت على حياة الناس.

 قالت نيكي سميث من مايكروسوفت: لم نعرف ماذا سنتوقع، أردنا ربط مجموعة سكانية حقيقية الأولى في بريطانيا والثانية في أوروبا لاكتشاف ماذا سيحدث، الذي حدث فعلًا هو أن أناسًا لم يتكلموا مع بعضهم البعض إطلاقًا وجدوا أنفسهم يتخاطبون عن طريق وسيط هو شاشة الكومبيوتر، وأضافت سميث: أتيحت لهم فرصة إذابة الثلج والتعارف، ثم اللقاء، الآن يقيمون حفلات في البيوت، وهناك خطط لإقامة حفل في الشارع قريبًا.

 وكانت سميث تتحدث في حفل أقيم في أحد البيوت في شارع الإنترنت احتفالًا بمرور عام على التجربة، انتهى.

أناس يحاولون أن يعيشوا في المستقبل قبل وصوله إليهم!! طريقة التخاطب في المستقبل ستتغير.. طريقة الحياة في المستقبل ستتغير.. طريقة الحوار والنقاش في المستقبل ستتغير.. كيف سنواجه هذا التغيير الكبير؟ كيف سنتأقلم مع هذا التطور المخيف؟؟ لا بد من حل المشكلة من الآن، وإلا فالبقاء في الهامش هو المصير الأكيد!!

التعليق الوحيد على هذا الخبر، هو أننا يجب أن نقوم ببناء مرتكزات الثقافة المعلوماتية، التي تخص مجتمعاتنا وبيئاتنا، يجب أن نقوم ببناء سدود ثقافية وتنفيذ خطط عملية لاحتواء الأمواج العاتية القادمة من الغرب، للاستفادة من الخير الذي تحمله، وإلا فالغرق مصير الجميع، يجب أن نترك مقاعد المتلقي والمتأثر، ونصبح نحن المرسلين والمؤثرين، ومن خلال هذا الإطار نحن نطرح الحلول التالية لحل أزمة الثقافة المعلوماتية:

1- الصحافة العربية والإسلامية مطالبة بشدة التدخل في هذا الموضوع، وطرح الحلول من خلال أطرها وبرامجها وخططها.

2- التركيز في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة على هذا المجال، وأهميته في المستقبل القريب للدول العربية والإسلامية، وتشجيع الطلبة على التخصص في هذا المجال.

3- تركيز الجامعات والمدارس ومناهج التعليم على طرح الموضوع في مناهجها، طرحًا أكاديميًا وعلميًا يواكب التطور الذي يشهده هذا العلم.

4- إقامة الندوات والمحاضرات والمؤتمرات التي تعالج هذا التخصص من منظور إسلامي وعلمي وتقني.

5- إنشاء شبكة معلومات عربية إسلامية عالمية، تجمع كل ما يخص الدول الإسلامية والعربية في مختلف المجالات والعلوم، وتكون هي المرجع الأساسي لكل العرب والمسلمين سواء كانوا طلبة أو باحثين.

6- إعادة دراسة بنية الاتصالات، وتكاليف الاتصال بالشبكات العالمية، من حيث تحسين مستوى الاتصال والخدمة، ومن حيث خفض تكلفة الاتصال لكل شرائح المجتمع.

7- إعطاء نوع من الحرية الفكرية والسياسية للمجتمعات العربية، حتى يكون إبداء الرأي والتعبير عما يجول في النفس بكامل المعنى والمحتوى.

8- إنشاء مركز إعلامي لهذا المجال، بضم جريدة ومجلة وقناة فضائية وإذاعة ومركز دراسات وشبكة كومبيوتر، وتكون جميع هذه الوسائل تصب في خدمة هذا المجال والتطور الذي يشهده.

إن نظرة سريعة الأوضاع الدول العربية والإسلامية من الناحية المعلوماتية، سوف تصيب الإنسان بالإحباط والألم والحسرة على المستويات التي ما زلنا نخوض فيها في هذا المجال، حصوننا مهددة بالاجتياح المعلوماتي وما زالت جدراننا طرية البناء.

ألا يمكن أن نبني ثقافة مضادة تستغل هذا الهجوم، وتعكسه إلى هجوم مضاد إلى بقية الثقافات؟! يجب أن نحل عقدة الخوف من هذه الثقافة الوافدة، ونبني ثقافة معلوماتية إسلامية ضمن الحلول التي تم طرحها سابقًا، ثقافة تناسبنا، نحن المسلمين أصحاب حضارة ورسالة يجب أن نبلغها للآخرين.

الرابط المختصر :