; الطاغية الجبان.. قصة صراع بين مسؤول كبير في الحزب مع بعض القياديين | مجلة المجتمع

العنوان الطاغية الجبان.. قصة صراع بين مسؤول كبير في الحزب مع بعض القياديين

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 932

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 12-سبتمبر-1989

فقد أهله في صغره فتربى على الفقر والفاقة، واضطهاد من قبل أترابه في الحي، لأن الرجل الذي كفله وهو من أقاربه الأبعدين لم يكن يُلقي له بالًا، ولا يرعاه الرعاية التامة، وذلك مما سبب له عقدة في كبره، فهو يميل إلى الانتقام من الناس، ويشتعل صدره حقدًا وكراهية، ووجد الفرصة في ركوب الموجة الثورية في الستينيات، وعلى الرغم من جهله لعدم دخوله المدارس بعد الابتدائية تمكن أن يكون أحد زعماء الحزب الشيوعي الذي سيطر على الحكم في بلاده، وأول أناس اتجه إليهم للانتقام منهم هم الذين أسدوا إليه معروفًا إبان فقره، والذين كانوا ينظرون إليه بعين العطف والرحمة، والذين ساعدوه في الحصول على الوظيفة البسيطة التي كان يرتزق منها، والتي تتفق مع مؤهله البسيط، فذهب على رأسه مجموعة ممن يسمونهم المليشيا واعتقل أولئك الأشخاص الذين يعرفهم حق المعرفة، ونسِي كل معروف أسدوه إليه، باعتبارهم رجعيين حسب التصنيف الماركسي.

وقام يخطب في الأسواق والميادين ويقول: لقد اعتقلنا الخونة والرجعيين والمستغلين الذين امتصوا دماء الشعب.. وبما أنه من الزعماء فقد سكن أحد القصور التي كانت للأمراء السابقين، وامتلأ القصر بالحرس الذين يؤدون له التحية العسكرية عند دخوله وخروجه، فيشعر بالنشوة.

لم يمر أسبوع على سكناه في القصر حتى أمر بتغيير أثاثه، وخصص غرفة لتكون «باراً» يجتمع فيها مع أصدقائه من أعضاء الحزب، يتناولون فيها أنخاب المشروبات؛ الفودكا والويسكي والشمبانيا والكونياك.

وفي إحدى الليالي وهم في منتهى النشوة، تناقشوا حول أفضل المشروبات، وجرى بينهم نقاش ساخن، فبينما انحاز بعضهم إلى الفودكا، انحاز آخرون إلى الويسكي، فاتهم أنصار الفودكا أنصار الويسكي بأنهم إمبرياليون يمينيون مندسون في الثورة وهم في الواقع عملاء للغرب! واتهم أنصار الويسكي زملاءهم أنصار الفودكا بأنهم انتهازيون فوضويون يقفزون على المراحل!

وكان صاحب القصر الطاغية الجبان من أنصار الفودكا، فطرد أنصار الويسكي من القصر، ثم طلب عقد اجتماع للجنة المركزية لتقرر فصل زملائهم من الحزب لأنه تبين عدم إخلاصهم للاشتراكية العلمية، وكشفوا عن حقيقتهم في حفل «الكوكتيل».

فاجتمعت اللجنة المركزية وتقرر طرد كل الذين يفضلون الويسكي من الحزب، باعتبارهم يمينيين يخططون لانحراف الحزب إلى جهة اليمين والرجعية، ثم ألقى القبض عليهم، ورمى بهم في السجن مع أولئك الذين سبقوهم، الذين ما كانوا يعرفون من المشروبات إلا القهوة والشاي، وعصير الليمون والتمر هندي والعرقسوس، أما الفودكا والشمبانيا والويسكي والكونياك وغيره فقد كان ممنوعًا قبل الحكم الشيوعي، ولا يوجد إلا عند طبقة معينة من عِلية القوم!

وبعد أن استقر الأمر للطاغية الجبان وأصحابه، وقضوا على الفتنة الإمبريالية كما سموها، أقاموا احتفالات جماهيرية، ومسيرات شعبية في الشوارع تهتف بطول العمر للحزب الحاكم، ورفعوا صور القادة التاريخيين للحزب منها صورة الطاغية الجبان.

وأثناء مشاهدته للمسيرة وهو يطل من قصره لمح صورته يحملها أحد الأفراد، فلاحظ أن صور الآخرين أحسن من صورته في مظهرها، كما أن الشخص الذي يحملها ما كان يرفعها بالشكل المناسب لتظهر أن صاحبها له شأن أكبر من شأن أصحاب الصور الأخرى، فغلى الحقد في قلبه، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئًا في ذلك الأوان فسرَّها في نفسه، وأخفى سخطه وغضبه حتى يعرف الأشخاص الذين كانوا على رأس المسيرة، ويعرف المسؤول المباشر عنها لينتقم منه في الوقت المناسب، وعرف الأشخاص المسؤولين بعد ذلك عن المسيرة.

ومرت الأيام حتى جاءت مناسبة هطل الأمطار في البلاد، فأعلنوا أن السيول قد جرفت الأراضي الزراعية وأتلفت المحاصيل، وتسببت الأمطار في هدم البيوت، وإحداث أضرار كبيرة، وطلبوا من هيئات الإغاثة الدولية ومن دول العالم أن يرسلوا لهم مساعدات عاجلة من مواد غذائية وصحية وأدوية وخيام وبطاطين وغيرها.

وتهيأ أعضاء الحزب لتسلم هذه المساعدات، وكما هي العادة عندما تصل هذه المساعدات تأخذ طريقها إلى المخازن، وبعد ذلك توزع منها كمية بسيطة من باب ذر الرماد في العيون، ثم تباع في السوق السوداء بواسطة سماسرة معروفين، ويذهب الثمن إلى جيوب المتنفذين في الحزب، بينما لا يجد المتضررون أي شيء مما جاء كمساعدات لهم!

وبما أن الطاغية الجبان هو المسؤول عن ترتيب مثل هذه الأمور، فقد أراد أن يحرم أولئك الأشخاص الذين اعتبرهم أساؤوا إلى صورته في المسيرة من أخذ شيء من المساعدات، فعمل على تكليفهم بمهام أخرى بعيدًا عن العاصمة في تاريخ وصول هذه المساعدات؛ حتى لا يتمكنوا من أن ينالوا شيئًا من الغنيمة، وفعلًا نجحت خطته في حرمانهم، ولكنهم عندما انتبهوا جاؤوا في آخر لحظة ولم يجدوا سوى جوال قمح أخذوه هو كل حصتهم من الغنيمة.

خرج الطاغية يومًا من قصره فلفت نظره أن أحد حراسه يتمتع بالوسامة في شكله فلحظه بعينه وعندما عاد استدعاه إلى صالة القصر وسأله:

- هل أنت عضو في الحزب؟

- نعم.

- هل عندك إخوان؟

- نعم، عندي أختان.

- كم عمرهما؟

- الكبيرة في الثانية عشرة، والصغيرة خمسة عشر عامًا.

- هل هما مشتركتان في الاتحاد النسائي؟

- لا.

- لماذا؟

- لأن والدي رفض أن تذهبا إلى الاتحاد النسائي.

- لماذا رفض؟ لا بد أن والدك رجعي أو كان من الإقطاعيين، أو رجال الدين؟

- طبعًا والدي رجعي، وكانت عنده أراضٍ صادرتها الثورة منه.

- إذًا هو من الثورة المضادة، وما دمت أنت عضو في الحزب وثوري لماذا لا تتخلص من والدك؟

- كيف؟

- تقتله، وإن شئت قتلناه نحن، سنخطفه الفجر هذه الليلة وسنريحك أنت وأختيك منه، أما إذا قمت أنت بالمهمة ستثبت أنك مخلص لمبادئ الثورة وستمنح وسام مناضل ثوري من الدرجة الأولى.

- إذا كان الأمر كذلك فأنا سأتخلص منه هذه الليلة.

- لا تنسَ ألا تعرف أختيك بأنك أنت الذي قمت بقتل والدك، وبعد أسبوعين من قتله أحضرهما إليّ للتعرف عليهما وإعطائهما فكرة مجملة عن الاشتراكية العلمية والمبادئ الثورية.

- حاضر.

- لقد أثبت أنك ثوري صميم.

وبعد أن تخلص الابن من أبيه بالقتل وأخذه بمساعدة بعض الرفاق لدفنه ليلًا، حضر إلى الطاغية مع أختيه، فتوثقت العلاقة بين الأسرة والطاغية.

لم تمر عدة أشهر حتى قام صراع بين الطاغية وبعض القياديين بسبب البنتين تطور إلى صراع سياسي، فأبعد من الحزب وأحيل إلى التقاعد، فساءت حالته المادية والنفسية، وأخذ يدور في الشوارع ويسلم على كل من يلقاه في الطريق، أحيانًا يسلم على الأشباح يظنها بني آدم.

رآه مواطنان في الشارع فجرى بينهما الحوار الآتي:

- سبحان الله مغير الأحوال، هل عرفت هذا الشخص الذي يقف أمام الدكان؟

- لعله سائل يريد صدقة من صاحب الدكان.

- ربما أنه يريد صدقة، لكن هل عرفته؟

- لا لم أعرفه.

- إنه فلان الذي كان مسؤولًا كبيرًا في الحزب والدولة والذي أحيل إلى التقاعد.

- هل يتصور ذلك! ألا يخشون منه أن يقوم بعمل ضدهم؟

- لا يغرك ما كان يتمتع به من سلطة ولا ما كان يصدر منه من أفعال ضد الناس، فهو جبان وكثير من أمثاله في الحزب يصولون ويجولون ويتعسفون على الناس ويعذبونهم، ويتظاهرون بالقوة والشجاعة ما داموا في السلطة، أما إذا خرجوا منها فهم أجبن الناس، ثم هو الآن يكاد يكون مجنونًا.

- ألا تلاحظ أن كثيرًا من الناس قد أصبحوا مجانين الآن، أناس كانوا في منتهى العقل وعندهم مناصب ومحترمين، عندما تراهم الآن في الشارع تستغرب كيف صارت حالتهم، يمر أحدهم بجانبك وتسمعه يتحدث مع نفسه بصوت عال ويسب ويشتم، وبعضهم يقوم بتصرفات وحركات تثير الاستغراب وهو يمشي في الشارع.

- حدث كل هذا بسبب الأوضاع المعيشية والاجتماعية والسياسية.

- كلامك صحيح، كم من واحد اختطف ابنه ولا يدري أين هو الآن! وكم من واحد أخذوا بنته رغمًا عنه وتزوجت بشخص من أعضاء الحزب وسافرت إلى الخارج، وهي الآن تظهر متبرجة، ويقول الناس هذه بنت فلان الذي كان وكان!

- يا أخي، تحدثنا في مواضيع خطيرة ونخشى أن يكون قد سمعنا أحد، فيحصل لنا ما لا تحمد عقباه، فالمخابرات والمباحث تملأ الشوارع والأزقة، والحمد لله أننا إلى الآن لم يسمعنا أحد لأننا نتحدث بصوت لا يكاد يسمع.

- إلى متى نظل خائفين؟ وإلى متى تستمر الأوضاع هكذا، فهل لهذا الليل من آخر؟

البركة في الشباب الصالحين الذين نراهم يرتادون المساجد الآن، إن شاء الله يكون الخلاص على أيديهم، ويبزغ فجر الإسلام من جديد، مع السلامة.

الرابط المختصر :