; الإخوان المسلمون في حرب فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان الإخوان المسلمون في حرب فلسطين

الكاتب عبدالله الطنطاوى

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 945

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 12-ديسمبر-1989

-      المعركة الآن.. ضد التدخل المادي للولايات المتحدة في المنطقة الإسلامية

 ليس المقصود من الكتابة عن دور الإخوان المسلمين في حرب فلسطين سرد تاريخهم في هذه الحرب، ولا الحديث عن خططهم ومعاركهم، فهذه أمور جديرة أن توضع فيها مجلدات، وأن تكون هذه المجلدات بين يدي كل عربي ومسلم، ليستمدوا منها روحًا وقوة، وليستلهموا منها معاني الاعتزاز والفخر بالانتماء إلى أمتهم العظيمة.. ومما يؤسى له ألا يكون بين أيدينا- نحن العرب- هذه المجلدات، وأن تكون هذه المجلدات عند أعدائنا الذين لا يدعون صغيرة ولا كبيرة إلا درسوها وتعلموا منها.

ولذا فإننا حين نكتب عن دور الإخوان في هذه الحرب، فإنما نومئ إلى ذلك مجرد إيماء يلمع مما بقي في الخاطر بعد هذا العهد الطويل (الإخوان المسلمون -أحداث صنعت التاريخ- ١/٤١٣).

ويقول الأستاذ كامل الشريف في كتابه «الإخوان المسلمون في حرب فلسطين»: «كانت القوة الأولى من إخوان مصر قد دخلت فلسطين، ورابطت في «النقب»، وافتتحت أولى معارك الجنوب في «كفار ديروم» في ١٤ أبريل ١٩٤٨، وفي نفس هذا الوقت كانت القوة الثانية بقيادة اليوزباشي محمود عبده تنتقل إلى معسكر «قطنا» بسوريا، لتستكمل تدريبها، ثم ترابط فترة في «النقب»، وتشترك مع زميلتها الأولى، وأخيرًا تصحب الشهيد أحمد عبدالعزيز في جولته الموفقة قبل أن يستقر في جنوب القدس، ويكون من نصيب هذه القوة أن يوكل إليها الدفاع عن مرتفعات «صور باهر» الحصينة، وهناك تلحق بها قوة كبيرة من الإخوان المسلمين في شرق الأردن، بقيادة المجاهد عبداللطيف أبو قورة رئيس الإخوان في عمان، وتندمج القوتان في فرقة واحدة متحدة القيادة، ليكون لها الفضل بعد ذلك في المحافظة على تلك المرتفعات، وعرقلة الخطط اليهودية التي كانت ترمي إلى احتلالها، لتتحكم في القوات المصرية المتطوعة المرابطة في مناطق الخليل وبيت لحم.

ولم يكن الإخوان في سوريا بأقل نصيبًا من غيرهم، إذ أدخلوا قوة من رجالهم يقودها الأستاذ مصطفى السباعي رئيس الإخوان في دمشق، عملت بهمة ونشاط في مناطق «المثلث والقدس»، وساهمت مساهمة فعالة في الدفاع عن هذه المناطق الحيوية، ومنعت الصهاينة من الاستيلاء على القدس.

وبالرغم من القيود القاسية التي فرضها الاستعمار على الإخوان، وحافظ عليها أذنابه من بعده، فقد اشترك الإخوان في الحرب بأعداد كبيرة، كانوا يتحملون الإنفاق على معظمها، ويتكبد مركزهم العام ألوف الجنيهات في شراء الأسلحة والمعدات.. (نفسه ١/ ٤١٦).

لقد خاض الإخوان المسلمون المصريون والأردنيون والسوريون حرب فلسطين، استجابة لداعي الحق والإسلام الإمام الشهيد حسن البنا، بعد أن عرفوا في أكثر حكام العرب التخاذل، وفي الأساليب الدبلوماسية كل ألوان الدجل والكذب، وكان شعارهم آنئذ قول الشاعر:

وحكم السيف لا تعبأ بعافية

وخلها سيرة تبقى على الحقب 

فما تنال بغير السيف منقبة

ولا ترد صدور الخيل بالكتب 

وكانوا يخوضون المعارك وقد علت وجوههم إشراقة الإيمان القوي، وكانوا ينشدون بحماسة واندفاع نشيدهم المعروف:

هو الحق يحشد أجناده  

ويعتد للموقف الفاصل 

فصفوا الكتائب آساده

ودكوا به دولة الباطل

لم يكن اليهود يجهلون حقيقة الإخوان المسلمين، بل كانوا يعرفونهم من قديم، منذ أوائل الثلاثينيات، وكانوا أشد الناس حذرًا منهم، وكراهية لهم، وحقدًا عليهم.. وكانوا موقنين منذ قرار هيئة الأمم سنة ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين من أن الإخوان المسلمين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا القرار، ولهذا أخذ اليهود في كل مكان في العالم، يعدون لحملة استعداء لحلفائهم ضد الإخوان، لأنهم يعلمون أن لا طاقة لهم بقوم يشتهون الموت، ولا يهابون شيئًا.

ونسوق هنا جزءًا من مقال كتبته فتاة صهيونية تدعى «روث كاريف»، ونشرته لها جريدة «الصنداي ميرور» في مطلع ١٩٤٨، ونقلته جريدة «المصري» لقرائها في حينه، قالت فيه الكاتبة: «إن الإخوان المسلمين يحاولون إقناع العرب بأنهم أسمى الشعوب على وجه البسيطة، وأن الإسلام هو خير الأديان جميعًا، وأفضل قانون تحيا عليه شعوب الأرض كلها».

ثم استطردت تصف خطورة حركة الإخوان إلى أن قالت: «والآن وقد أصبح الإخوان المسلمون ينادون بالمعركة الفاصلة التي توجه ضد التدخل المادي للولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط، وأصبحوا يطلبون من كل مسلم ألا يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة، فقد حان للشعب الأمريكي أن يعرف أي حركة هذه، وأي رجال يتسترون وراء هذا الاسم الرومانتيكي الجذاب، اسم الإخوان المسلمين»، وقالت -وهذا هو بيت القصيد:

«إن اليهود في فلسطين الآن، هم أعنف خصوم الإخوان المسلمين، ولذلك كان اليهود هم الهدف الأساسي لعدوان الإخوان، وقد قام أتباعهم بهدم أملاك اليهود، ونهب أموالهم في كثير من مدن الشرق الأوسط، وهم يعدون العدة الآن للاعتداء الدموي على اليهود في عدن والبحرين، وقد هاجموا دور المفوضيات والقنصليات الأمريكية، وطالبوا علنًا بانسحاب الدول العربية من هيئة الأمم المتحدة».

وبعد هجوم عنيف على سماحة المفتي الأكبر السيد أمين الحسيني وعلى المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن البنا، ختمت مقالها قائلة :

«وإذا كان المدافعون عن فلسطين- أي اليهود- يطالبون الآن مجلس الأمن بإرسال قوة دولية لتنفيذ مشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة، فإنهم لا يطالبون بذلك لأن الدولة اليهودية في حاجة إلى الدفاع عن نفسها، ولكنهم يريدون إرسال هذه القوة الدولية إلى فلسطين، لتواجه رجال الإخوان المسلمين وجهًا لوجه، وبذلك يدرك العالم كله الخطر الحقيقي الذي تمثله هذه الحركة، وإذا لم يدرك العالم هذه الحقيقة في وقت قريب، فإن أوروبا ستشهد ما شهدته في العقد الماضي من القرن الحالي، إذ واجهتها حركة فاشية نازية، فقد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية فاشية، تمتد من شمالي أفريقيا إلى الباكستان، ومن تركيا إلى المحيط الهندي».

ترى.. لماذا كان التركيز على هذه الجماعة؟ ولماذا كل هذا الاستعداء عليها؟ ألأن الإخوان المسلمين كانوا قد تمرسوا على الحرب المستمرة ضد الاستعمار والمنظمات الصهيونية، ووقفوا في وجهها، بل تمكنوا من إحراز النصر عليها في كثير من المعارك، واقتحموا عليها مستعمراتها الحصينة؟ أم لأن دعوة الإخوان قد ابتعثت في نفوس أبناء أمتنا العربية والإسلامية يقظة روحية طال نومها عبر القرون الخوالي، وإذا أبناؤها كالرعيل الأول من صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جهادًا في سبيل الله، واستشهادًا من أجل قضايا العرب والمسلمين في كل من فلسطين والقنال وسوريا؟

إننا إذ نقدم ما كتبه قائد الإخوان المسلمين في سورية الدكتور الشيخ مصطفى السباعي عن المعارك التي خاضها وإخوانه البررة في فلسطين، إنما نريد أمرين:

الأول: تذكير الحفدة من أبناء هذه الدعوة، وتذكير الغافلين والمتناسين لذلك الكفاح الدامي الذي خاضه الإخوان المسلمون في فلسطين، وقدموا من أجل قضية الإسلام الكبرى، قضية فلسطين، كوكبة من الشهداء، كانوا من خيرة أبنائها، وكان على رأس تلك الكوكبة: إمامنا الشهيد حسن البنا- رضي الله عنه وأرضاه- الذي اغتالته الأيدي الصهيونية؛ لأنه كان أول من عرف مصر والعالم بأسره بقضية فلسطين، وجيَّش الكتائب لإنقاذها من براثن بني صهيون.. نذكرهم بذلك، كي تبقى قضية فلسطين حية في قلوبهم وعقولهم وواقعهم.

والثاني: إن ما كتبه الدكتور السباعي- رحمه الله تعالى- كان من الذاكرة التي لم تحفظ إلا اليسير من تلك المعارك.. وهذا يعني أن الزمن كفيل بحجب كثير من الحقائق التاريخية، ما لم يتداركها أصحابها.. وهذا يعني أن نحفز الهمم، ونشد عزائم المجاهدين- حيث كانوا- ليبادروا إلى كتابة تاريخ عملياتهم البطولية التي قاموا ويقومون بها، وهم يتصدون للكيان الصهيوني العنصري، ولسائر الأنظمة الطاغوتية في العالم.. نقول: كي يبادروا إلى كتابة ما تعيه الذاكرة من بطولات المجاهدين الذين كانوا- وما يزالون- وقود الثورات والانتفاضات والتمردات طوال العقود المترعة بالآلام والمفاخر في هذا القرن، حتى تبقى الآمال بالنصر والخلاص حية في نفوس الناس، كي لا يتسرب اليأس من نفوس الهلكى والمتخاذلين والمخلدين إلى الأرض، إلى نفوس الأجيال الصاعدة التي تبشر بكل خير.

وبهذه المناسبة، نحب أن ندعو إخواننا في الأردن ولبنان، في مصر والسودان، في سورية وفلسطين، بل وفي كل صقع من أصقاع الدنيا فيه «إخوان مسلمون» أن يبادروا إلى كتابة تاريخهم الجهادي، ليبقى الشعار خالدًا متوارثًا في نفوس أبناء الدعوة جيلًا بعد جيل: «الجهاد سبيلنا.. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا».

لأن معركتنا مع الصهاينة والمتصهينين السائرين في ركابهم وتحت راياتهم المنكسة بإذن الله، سوف تستمر حامية، إلى أن يسقط الكيان الهزيل وسائر حلفائه تحت سنابك خيول المرابطين المجاهدين الثائرين، وإلى أن يدوس المجاهدون بأحذيتهم على رؤوس أبناء الأفاعي وصنائعهم وسائر أبالسة الأرض من أعداء أمتنا...

ويسألونك: متى هو؟ 

قل: عسى أن يكون قريبًا..

وإن غدًا لناظره قريب.. 

ولتعلمن نبأه بعد حين.

الرابط المختصر :