; حسني مبارك وأسرار الحملة على الفساد | مجلة المجتمع

العنوان حسني مبارك وأسرار الحملة على الفساد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1983

مشاهدات 55

نشر في العدد 614

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 29-مارس-1983

  • هل عصمت السادات هو أهم حلقات الفساد في مصر؟
  • الطغيان المعاصر في عالمنا الإسلامي حذق اللعبة السياسية حتى كاد يتفوق على ملقنيه من أمريكان وروس.

أخبار محاربة الفساد في مصر تطغى هذه الأيام على المادة الخبرية التي تطالعنا بها الصحف والمجلات، وقد صارت سوقًا يتبارى في إبراز مخازيها وتفاصيلها كثير من الأقلام، وقد وجدت بعض الصحف والمجلات السيارة في المسألة مادة طورتها المسلسلات يومية أو أسبوعية تزيد بها من رواجها وتدافع بها الكساد والبوار والملل الذي يكاد يقضي عليها

ومن منا لم يسمع بالمحاكمات التي عقدت لعصمت السادات ولمن سبقه ويتلوه من أقرباء وأصدقاء آل شاه وشهبانو مصر السابقين -السادات وجيهانه- وكالعادة تستغل مشاعر القراء والمتابعين الذين يمنون أنفسهم برؤية طغاتهم وقد اهتزت الأرض ومادت من تحتهم ليذوقوا بعض ما أذاقوه للناس. حتى إذا بلغت الاستثارة مداها وحققت الملهاة غرضها أسدل الستار وأنيرت الأضواء من جديد لتفيق الأمة المسكينة إلى واقعها فتجده قد آل إلى أسوأ مما كان عليه مع ما رأته وسمعته وشاهدته من استئصال الفساد والمفسدين!

كيف يكون ذلك؟

إن الطغيان المعاصر في العالم الإسلامي -وفي مصر بوجه أخص- قد حذق اللعبة السياسية وأجاد التصرف في فنونها حتى ليكاد يتفوق على معلميه من أمريكان أو روس أو من عداهما.

وهو لا يتخذ خطوة من الخطوات إلا وكانت حلقة بين ما سبقها وما يتلوها فهي عنده كدرجات السلم كل يؤدي إلى تاليه ولكل مكانه الذي لا يستغنى عنه.

وما من خطوة تخطى إلا وكان لها هدفها وأبعادها التي تحدد معناها ومداها. ثم إن هذه الخطوات مؤداها واحد -مهما اختلفت أو تناقضت في الظاهر- وهو تثبيت الوضع القائم وبالتالي تحقيق المهمات المنوطة به.

والوسيلة

لعلنا نلاحظ الاهتمام الزائد بالإعلام ووسائطه لدى الأنظمة الطاغية في المنطقة وتركيزها الشديد عليه. وكل الموجودين في الساحة عيال على «جمال عبدالناصر» في ذلك. فهو الذي وضع يده على هذه الحقيقة بمعونة الخبراء الذين زود بهم من أميركا في أوائل عهد انقلابه أو ثورته -على ما يحلو للأتباع والمزايدين- ونحسب أن عبدالناصر هو أول من أنشأ وزارة خاصة بـ«الإرشاد القومي» كما كانت تسمى، والمعني بها وزارة الترويج للسلطة.

ووفقًا لتجربته وما جناه من نتائجها فقد صار ينفق على هذا الجانب بلا حدود في الداخل وفي الخارج وأنشأ إذاعة صوت العرب التي كانت الوسيط الأول في التعريف بالقومية العربية والتبشير بها والترويج لها. وقد حفظ الناس اسم «أحمد سعيد» الذي كان مديرًا لتلك الإذاعة -صار الآن رجل أعمال من القطط السمان في مصر- وأنشأ صحفًا خاصة بالنظام كصحيفة «الجمهورية». وكان يشرف عليها أحد أعضاء مجلس الثورة -السادات في ذلك الوقت.

ثم لما أنس في محمد حسنين هيكل كفاءته التي لا تعد في عالم الخبث الصحفي عهد إليه بالأهرام وجعل لها ميزانية مفتوحة. وغدت إمبراطورية مستقلة وأسطورة في البذخ والإنفاق حتى قيل إن بعض العاملين فيها كان يتقاضى مرتبًا يفوق مرتب الوزير! ويكفيك من خبرها أن هيكل كان يتمنع على الوزارة مفضلًا البقاء في الأهرام عليها.

وجملة القول فيما نحن بصدده: إن عبدالناصر استغل الوسائط الإعلامية في الترويج لشخصه ونظامه بدرجة ليس لها مثيل في التاريخ المعاصر للمنطقة وقد حقق أهدافه بذلك بغدوه أسطورة أو بطلًا في أذهان معاصريه من جماهير العامة والمغفلين.

ما بعد عبدالناصر

والفترة التي تلت عبدالناصر وجدت تراثها الضخم من الوسائط الإعلامية التي تصوغ الخرافة حقيقة لا يطالها النقاش وتقذف بالبدهي الذي يسلم به كل عقل سليم في عالم الأساطير.

وقد تمت كثير من الدراسات التي أثبتت مدى تأثير الصحافة والإعلام في المواطن المصري على وجه الخصوص. والحق أن المسألة لا تحتاج الدراسات حتى تثبت فهي من أوضح ما يكون للعيان. فحينما يتجادل اثنان من العامة في أمر ما وتعلو أصواتهما فإن الدليل المفحم الذي يلقم متلقيه حجرا أن يقال: «الجورنال قال کده»! -أي الصحيفة- فتلك هي الحجة القاطعة التي لا يملك المجادل حيلة أمامها.

من هنا يقاد إنساننا

فمن هنا يقاد إنسان المنطقة ومن هنا يحكم.. وإدراك هذه المسألة مفيد في فهم الكثير من الأمور التي تجوز على الأمة ثم لا تكتشف حقيقتها إلا بعد فوات الأوان

ومن ثم فحين تصدى حسني مبارك لـ«محاربة الفساد» كان في ذهنه هذه الخلفيات والحقائق. وقد توافر له جيل من المتخصصين في هذه الشؤون -العبث بالعقول- فلا يعوزه أن يقوم بأي حركة درامية فكل شيء في هذا السبيل موزون ومقدر بقدره

من الذي يحاكم الآن؟

إن الذين يجرجرون للمحاكم ليسوا بالرؤوس على أية حال مهما صعدت الوسائط الإعلامية الموقف، فمن أوائل من بدئ بهم رجل يسمى رشاد عثمان والذي تصعدت محاكمته حتى طغت على أكثر الأفلام رواجًا، ثم -وبدون أي مقدمات- موهت الأحكام وصمتت الصحافة المصرية كلها في وقت واحد. وتبين أن الرجل ليس وحده وإنما كان كبش الفداء لكثير من الأسماء التي مازالت في مواقع الحكم والتأثير.

ثم تعالى الهمس عن أسرة السادات وتركز أخيرًا حول شقيقه عصمت وتوجهت كل الأنظار نحوه وهو وسط أبنائه في قفص الاتهام وأخبار الأحكام التي وردت لا تتناسب إطلاقًا مع «مجلدات» التهم التي سيقت في حقه.

والذي يهمنا التنويه به أنه مع ما قيل عن عصمت السادات إلا أنه يبقى في حيز محدود.. قد يكون ركنًا من أركان الفساد في عهد السادات غير أنه يبقى أيضًا شخصية ثانوية.. فرؤوس الأفاعي ليست هذه الشخصيات الهامشية، وإنما رؤوسها هناك في داخل السلطة الحاكمة اليوم في مصر وفي البطانة المقربة من حسني مبارك نفسه!

أبعاد يجب أن تذكر

ليس جورًا على حسني مبارك ولكنه أتى رجلًا بلا رصيد، واختياره كان كسبًا بلا سعي، فغيرة السادات من رفاقه وتركيب شخصيته القائم على بغض كل صوت غير مؤمن وحرصه على أن يكون فرعون زمانه هو الذي هيأ للإتيان بحسني مبارك. ومع ما يقال من انضباط الرجل العسكري وتفوقه في سلاح الطيران إلا أنه كان شخصًا عاديًا في النهاية. وإلا فقد سمع الناس عن «بطولات» كثيرة عداه لمن كانوا فوقه ودونه ولكن المنصب الذي اختير له -نائب الرئيس- هو الذي أعلى من تلك الصفات العادية فأحالها خوارق بواسطة معامل الإعلام المصري الشهيرة

والرجل يبحث عن أشياء يعوض بها الجوانب التي يفتقر إليها في شخصيته فقد ركب السادات على رؤوس الناس بأنه أحد «مفجري» ثورة يوليو والرجل الذي أذاع بيانها الأول، ورئيس لإحدى محاكم الثورة في استئصال الفساد -أيضًا- ورفيق عبدالناصر لفترة طويلة... إلخ ما يقال عنه من صفات ثبت الإعلام خلفياتها حتى غدت صفات «تزكية» في أذهان العامة.

ويقلب حسني مبارك صفحات حياته فلا يجد رصيدًا يوازي رصيد رئيسه السابق فيلجأ للتعويض بعديد من الوسائل.

المعوضات

فمن جهة أوحى الإعلام بأن الرجل شخصية ذات أسلوب مغاير لأسلوب صاحبه وأن عهده سيشهد الكثير من البشائر، ومن جهة ثانية اكتفى الرجل باللغة الرمزية والعبارات التي ترضي هوى كل متأول

ثم وفي مجال الأساليب العملية في ذلك الباب بدأ الرجل بإطلاق سراح الشخصيات التي كان السادات قد حبسها، وأغلبهم من وجوه المجتمع في مختلف المجالات، ولم ينس أن يأمر بوجوب مرورهم عليه في قصره بعد خروجهم من السجن مباشرة، فكسب ودهم وبدأ كل واحد من هؤلاء يتحدث عن أحلامه في ظلال الرئيس الجديد.

ثم أخذ الرجل في التنويه بعبدالناصر وأوحى لبقية بطانة نظامه من الموجودين بالتحرك ولعل الكثيرين لم تفتهم محاولات الإحياء المستحيل للناصرية -على ما يقولون- والاحتفال بذكرى ميلاد عبدالناصر وذكرى يوليو بصورة توحي بما وراءها.

وهكذا تعددت صور التعويض للمزايا والصفات فيما يقوم به الرجل.

والفساد

وأتى شعار محاربة الفساد -وهو من الطرف المضحكة في عالمنا- ليكون بمثابة التتويج «للمعوضات». واستغل الأسلوب النفسي في ذلك أيما استغلال، فقد أوضحنا سالفًا أن الشخصيات التي بدأت بها المحاكمات ليست هي الرؤوس الحقيقية الأولى. وإن كان اختيار شخصية كرشاد عثمان كبداية للتعجير لم يؤت الثمار المطلوبة، فإن اختيار الشخصية الثانية -عصمت السادات- اختيار مؤسس على كثير من الأمور الموضوعية، وهو اختيار موظف في الإطار النفسي توظيفًا غير محدود كما هو المشاهد

فالرجل شقيق للسادات وذلك يعني استنفاد التبغيض له -وهو غير محتاج إليه- ولكنه مفيد للشخص الموجود الآن على مكانه -أي حسني مبارك. فإن كان السابق بهذا المستوى المتدني من الانحطاط فإن اللاحق مضروب على سلبياته بسور من حديد، فعلى أقل تقدير هو أحسن منه، وهذه نقطة أساسية ورصيد منشود للرجل.

ثم إن الاختيار فيه تجديد أيضًا فالعهد بالفاسدين دائمًا أنهم من الأسماء المغمورة؛ أما هذا فمن العائلة «المالكة» وشقيق الذي كاد أن يقول: أنا ربكم الأعلى! وهذا في الموازين النفسية «ضربة معلم».

كما أن المادة فيه متوافرة وقد بدا لنا أنه سيكون حكاية بلا نهاية فقد صارت قضية عصمت السادات ككرة القدم تجول بين الأرجل من مكان إلى مكان، فضلًا عن الصحافة المصرية وجدت كل الصحافة العربية مادة لتنفيس المشاعر المكبوتة نحو الظلم والظلمة، فكأن القضية لم تخدم النظام المصري وحده وإنما خدمت كل الأنظمة الماثلة في الساحة!! وقد لا يتسع هذا المقام للاسترسال أكثر مما استرسلنا فلنكتفي بهذا ونتساءل:

ما المراد؟

وهنا بيت القصيد فقد خدمت القضية في عمومها -محاربة الفساد- النظام أيما إفادة في تثبيت نفسه وفي الإيهام بأنه سيطال أكبر الرؤوس، بتصوير شقيق السادات كرأس له. كما أن المسألة نُسبت للصفات المزكية والمعلية لأسهم حسني مبارك بحسبانه شريفًا لن يريح المفسدين.

ولكن من أكبر ما يراد بالقضية استغلال الزمن! نعم فالزمن عامل هام في الحدث السياسي، وتوظيفه خادم له بصورة كبيرة جدًا. فسيطول الزمان جدًا -إن أمهلت الأيام النظام- ليستمر الفساد وتستغل غرائبه الكثيرة هناك في إلهاء الناس وصرفهم عن قضاياهم الأساسية.

ومن أكبر ما يتم الآن في مصر -على عكس ما يروج- امتداد التطبيع للعلاقات بينها وبين إسرائيل. وما يتم من وراء الكواليس في إيجاد الصيغ الجديدة لكامب ديفيد الممتد والمبسوط عبر المنطقة العربية كلها

ثم هناك المحاكمات التي تتم للإسلاميين والتي طغت عليها مادة «محاربة الفساد». بحيث تتوافر للأجهزة القمعية الفرص لقضاء ما تريد من أوطارها فيها.

وهناك كذلك سحب البساط من تحت أرجل المعارضين بحسبانهم أكثر من يضرب على وتر استئصال الفساد، وفي تبني النظام لذلك -في الظاهر- سلب لأهم الأسلحة التي تتسلم بها المعارضة إلى غير ذلك مما لم تتوافر لنا الإحاطة به.

الفساد هو المستفيد الوحيد!

إن النظام في مصر غير جاد في محاربة الفساد، وإلا فكثير من الشخصيات المتورطة مع رشاد عثمان وعصمت السادات مازالت موجودة في أماكنها، ثم أن المراقبين يعلمون أن الوسائل التي عن طريقها أثرت القطط السمان مازالت موجودة، فسياسة الانفتاح غير الواعي هي التي مهدت السبيل للمفسدين إضافة إلى الخراب الأخلاقي المستشري في الأجهزة الحارسة للمجتمع.. أم يخال النظام في مصر أنه سيخدع الناس بمجرد قيامه في مصب الفساد باصطياد واحد أو اثنين من المفسدين بينما المنبع يوالي بقذف المزيد كل يوم!

ووفقًا لهذه المؤشرات نكاد نقول إن المستفيد الوحيد من محاربة الفساد هو الفساد نفسه ولا أحد سواه.

الرابط المختصر :