العنوان كتب في الميزان.. عبقرية خالد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1971
مشاهدات 80
نشر في العدد 69
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 20-يوليو-1971
كتب في الميزان
عبقرية خالد
لا غُرور الأعداء.. ولا استخفافهم.. كان سَبب نصْر المسلمين.. ولكنّها العقيدة!
· «كنت ذات يوم أتناقش مع صديق لي فحدثني عن کتاب «عبقرية خالد»
لعباس محمود العقاد وما في هذا الكتاب من أخطاء نتجت عن سوء فهم للعقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي. ولست أريد في هذا الموضوع أن أحصي جميع الأخطاء الموجودة في الكتاب ولكنها إشارات قليلة أُبيّن فيها بعض هذه الأخطاء..
· في مقدمة الكتاب يقول العقاد حين تطرق في حديثه إلى أسباب هزيمة الدول
أمام المسلمين: «وقد كانت لهزيمة الدول أمام العرب أسباب كثيرة منها ضعف العقيدة واختلال النظام ونقص القيادة وانحلال التحرف وتفرق الأعداء. ولكن البلاء الأكبر إنما حاق بتلك الدول من آفة الغرور الباطل والاستخفاف بالخصم المقاتل».
لا أظن أحدًا يوافق العقاد في قوله هذا في أن السبب الرئيسي في هزيمة الدول أمام المسلمين هـو الغـرور والاستخفاف بالمسلمين لأنه مهما كان من استخفاف الدول بالمسلمين لا بد وأن يستيقظوا من غرورهم وتتجلی أمام أعينهم قوة المسلمين فيحتاطون لهذا الأمر في معركتهم التالية ولكن الذي أراه أن السبب الرئيسي في هزيمة الدول أمام المسلمين هو عقيدة المسلمين القوية وضعفها في نفوس أعدائهم، فالمسلم المحارب حين يذهب القتال فهو يعلم أنه إن جاهد في سبيل الله حق جهاده واستشهد في سبيله فجزاؤه الجنة فلذلك يشتري نفسه في سبيل نيلها... ولكن الفارسي أو الروماني حين يذهب للقتال فهو يذهب حرصًا على الشهرة أو يذهب مجبرًا على القتال فلا يكون هناك الدافع القوي الذي يدفعه للقتال ويجعله يصمد وإن واجهته المصائب فهو يحب الحياة الدنيا وقلبه متعلق بزينتها وشهواتها ويكره الموت الذي يسلبه ذلك وليس في اعتقاده بأن في الحياة الآخرة جنة أو نارًا. هذا هو السبب الرئيسي في هزيمة الدول أمام المسلمين أما ما عداها من الأسباب فهي أسباب ثانوية ليست بذات أهمية.
· ومن الأخطاء التي وقع فيها العقاد استعماله لبعض الألفاظ التي يذكرها
المستشرقون في كتبهـم ويقصدون منها النيل من الإسلام ومن عقيدة المسلمين.
فعبر عن الدعوة الإسلامية بالدعوة المحمدية وكان الرسول-صلى الله عليه وسلم- هو الذي ابتكر هذا الدين من عنده ودعا إليه الناس... وجعلوا دعوة الإسلام كأي دعوة من الدعوات الهدامة تسمى بأسماء أصحابها ليجعلوا هنالك اعتقادًا بأن الإسلام ليس من الله وإنما هو من الرسول-صلى الله عليه وسلم- وكذلك ما يقوله الكثير من الكتاب عن القرآن الكريـم بقرآن محمد ويقصدون بذلك أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- هو مؤلفه... وحاشاه أن يكون قد ألفه بل هو كلام الله -سبحانه وتعالى- نزله الروح الأمين على الرسول صلى الله عليه وسلم... فهذا قصد ماکر خبيث من المستشرقين يریدون فيه إعطاء فكرة سيئة عن الإسلام وهذا ما هو حاصل الآن في الغرب ففي المكتبات هناك يطلق على كتاب اليهود «التوراة» وعلى كتاب النصارى «الإنجيل» أما القرآن فيطلق عليه قرآن محمد.
· نعود إلى العقاد وهو يتحدث عن أسباب انتصار المسلمين على الفرس والروم
حيث يقول: «ويبدو لنا أن المؤرخين المحدثين لم يبرءوا كل البرء من هذا الخطأ القديم.. فلا يزال الأكثرون منهم يستعظمون على العرب «المسلمين» أن يغلبوا الفرس والروم ويحسبوا هذه الغلبة شيئًا قد حصل وكان ينبغي ألا يحصل لولا فلتة لا يقاس عليها ومصادفة لا تقبل التكرار وبعضهم يلتمس العلة فيقول إنها عقيدة المسلمين القوية وافتقاد الفرس والروم إلى مثل هذه العقيدة.. والعقيدة قوة لا غناء عنها بقوة أخرى لمن يفقدها، ولكنها لا تُغني عن الخبرة والاستعداد، ولا تفسر لنا اختلاف النجاح باختلاف الخطط والقواد».
نتفق مع العقاد في أن الخطط والقواد لازمان في الحرب ولكننا يجب أن لا ننسى بأن العقيدة أهم منهما... ومتى سيتوحد العرب لولا وجود العقيدة ومتى سيقاتلون هذا القتال لولا وجود العقيدة ويناقض العقاد نفسه بعد ذلك فيقول: «وقد كان المسلمون على عقيدتهم الراسخة يوم لقائهم هوازن وشيعتها بوادي حنين فأوشكوا أن ينهزموا لاعتدادهم بكثرتهم وقلة مبالاتهم بعدوهم وأوشكت عافية الاستخفاف هنا أن تصيب المسلمين كما أصابت الفرس والروم وفي ذلك يقول القرآن: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: 25).
لا يختلف اثنان أن المسلمين كانوا حين مقابلتهم لهوازن ذوي عقيدة قوية كما لا يختلف اثنان أن الهزيمة كانت عقابًا للمسلمين حين لم يعتمدوا على الله وغروا بكثرتهم. يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه زاد المعاد حين تحدث العبرة من غزوة حنين «وليبين سبحانه من قال: لن نغلب اليوم عن قلة أن النصر إنما هو من عنده وأنه من ينصره فلا غالب له ومن يخذله فلا ناصر له غيره وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه لأكثريتكم التي أعجبتكم فإنها لم تغنِ عنكم شيئًا.
ويقول الأستاذ سيد قطب في كتابه «في ظلال القرآن» في تفسيره لهذه الآيات: «حنين الذي هزموا فيه بكثرتهم ثم نصرهم الله بقوته. يوم أن انضم إلى جيش الفتح ألفان من الطلقاء! يوم أن غفلت قلوب المسلمين لحظات عن الله مأخوذة بالكثرة في العدد والعتاد. ليعلم المؤمنون أن التجرد لله وتوثيق الصلة به هي عدة النصر التي لا تخذلهم حين تخذلهم الكثرة في العدد والعتاد وحين يخذلهم المال والأخوان والأولاد ويكفينا أن نقرأ قوله تعالى ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ﴾ (الأنفال: 10). لنستيقن بأن النصر من عند الله وأن غيره من الأسباب إنما هي ثانوية وإن فقد العون من الله فلا فائدة منها. ولو قرأنا إلى الآية التي قبل آية غزوة حنين ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (التوبة: 25). إلخ الآية لثبت لدينا أن النصر من عند الله.
· ويستطرد العقاد فيقول: «فمهما يهرب هؤلاء المؤرخون من الحقيقة فلا
محيص لهم من الرجوع إليها لفهم الغلبة الإسلامية أو فهم الهزيمة الفارسية والرومانية وهي الحقيقة هي أن المسلمين كانوا أيضًا أخبر بالفنون العسكرية من أهل فارس والروم وكانوا أقدر على تنفيذ الخطط العسكرية التي تنفعهم من قواد تينك الدولتين».
هناك نقطة مهمة أود أن أوردها وهي أن الأخذ بالأسباب من خطط عسكرية وتنظيم الجيوش.. إلخ. يحبذها الإسلام ولكن لا يجعل مرد الأمر إليها ومرد النصر إليها إنما هي أسباب استعان بها المسلمون وثم أتاهم النصر من عند الله.
لذلك لا يجوز أن نقول إن السبب المباشر والرئيسي في انتصار المسلمين على الفرس والروم هو دراية المسلمين بالخطط العسكرية أكثر من تينك الدولتين.
وفي هذا يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابه «في ظلال القرآن» حين شرح آية ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160).
«إن التصور الإسلامي يتسم بالتوازن المطلق بين تقرير الفاعلية المطلقة لقدر الله سبحانه وتحقق هذا القدر في الحياة الإنسانية من خلال نشاط الإنسان وفاعليته وعمله... إن سنة الله تجري بترتيب النتائج على الأسباب ولكن الأسباب ليست هي التي تنشئ النتائج فالفاعل المؤثر هو الله والله يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه وأن يبذل جهده وأن يفي بالتزاماته».
ثم يقول «وهنا في قضية النصر والخذلان، بوصفهما نتيجتين للمعركة أية معركة يرد المسلمين إلى قدر الله ومشيئته ويعلقهم بإرادة الله وقدرته أن ينصرهم الله فلا غالب لهم وأن يخذلهم فلا ناصر لهم من بعده».
وعلى هذا لا نستطيع القول بأن السبب في نصرة المسلمين يكمن في علمهم بالخطط العسكرية ودرايتهم بها أكثر من الفرس والروم لأن هذه أسباب ومهما كان علم المسلمين بها فلا مناص من أن تكون العقيدة وأن يكون النصر من عند الله هو السبب المباشر للنصر.
وهناك نقطة مهمة أود أن أشير إليها في أن الكثير من الكتاب وخصوصًا منهم المتعصبون للقومية العربية يريدون أن ينفوا جهل العرب قبل الإسلام ويصوروا بأنهـم كانوا ذوي حضارة وهذا ما لاحظته في كتاب عبقرية خالد حين حاول العقاد أن يرسخ في الأذهان أن العرب كانت لهم حضارة الفرس والروم إن لم تفقها.
ولو رجعنا إلى كتب السيرة أو إلى الكتب المتخصصة في هذه الأمور لوجدنا أنها تثبت أن العرب قبل الإسلام كانوا في جاهلية مرة.. جاهلية أرهقت العرب في ذلك الوقت جاهلية متمثلة في جميع مظاهر الحياة إلا بعض التصورات وبعض الأعمال التي لا بد وأن توجد. وثم جاء الإسلام فأنقذهم منها وهذا ما أشار إليه جعفر بن أبي طالب- رضي الله عنه- وهو يحدث نجاشي الحبشة «أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف.. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وعفافه فدعانا إلى الله وحده نوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شیئًا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. إلخ».
عبد الله