العنوان هل تدخل الجزائر مرحلة التعددية اللغوية بمرجعيات سياسية؟
الكاتب فاروق أبو سراج الذهب
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1512
نشر في الصفحة 38
السبت 03-أغسطس-2002
دسترة الأمازيغية.. الملف لا يزال مفتوحًا
رغم هدوء عاصفة العنف الأمازيغي التي تفجرت في الجزائر قبل ما يقرب من عام، إلا أن الملف لا يزال مفتوحًا، خاصة ما يتعلق منه بمحاولات فرض اللغة الأمازيغية لتكون في مواجهة اللغة العربية هناك، وفي لحظات الهدوء تكون المراجعة أكثر عمقًا.
من أخطر الوسائل التي تستعملها السلطة في الجزائر توظيف ثوابت الأمة في اللعبة السياسية، بحيث تقود إلى إحكام القبضة على الثوابت واحتكار استعمالها. وقد عملت منذ زمن بعيد على تشويه الوطنية، فانطلق بالتالي مسلسل تراجع الدولة والسيادة. وعملت كذلك على تشويه الإسلام فقدمت عنه -زورًا- نماذج تزعم أن الإسلام بمفهومه الحياتي لا يصلح إلا في المساجد والرقية والتراويح فقط، ونجحت من خلال سنوات الفوضى والجنون المبرمجة، كما عملت على تشويه الأمازيغية ورفضت الاستماع لنداء التعقل الذي يصدر عن بعض المثقفين المخلصين الداعين إلى ضرورة رفع الحصار عن الثقافة الأمازيغية، وإلى طرح العلاقة بينها وبين العربية على أساس تكاملي باعتبارهما شقيقتين ومن المكونات الأساسية للشخصية الجزائرية. وأمام هذا التجاهل برز تيار متطرف يطرح العلاقة بين الأمازيغية والعربية على أساس التنافر، يعمل على تفويض أركان العربية لإحياء الأمازيغية والعمل على تدمير الإسلام، الذي انتشرت العربية بين الأمازيغ بفضل مبادئه الإنسانية العادلة، ووقعت الأمازيغية -حسب النائب فراد محمد أرزقي- رهينة قبضة المتطرفين المناصرين لها من جهة والمتطرفين المعارضين لها من جهة أخرى، وحدثت الكارثة بتراشق تُهم مفادها العمالة والولاء، إما للغرب «فرنسا» وللشرق «حزب البعث».
الأمازيغية بين التاريخ والجغرافيا:
يوم أن برز الشاب حسين آيت أحمد في مؤتمر حركة الانتصار للحريات الديمقراطية سنة ١٩٤٩م وقدم طرحًا بربريًّا للأمازيغية، كان موقف الحركة الوطنية آنذاك واضحًا ودون تردد هو رفض هذا الطرح، لأنه طرح استعماري يدخل بميلاد المدرسة الكولونبالية وتكوين القوة الثالثة في الجزائر، منذ ذلك الحين وهناك تساؤل عمن وراء الطرح الانفصالي الإثني للقضية؟ ولماذا يريد التسلل إلى الشخصية الجزائرية عن طريق هذه القضية؟ وما أبعاد بروز الطروحات التي تخرج عن المحددات الفكرية للمجتمع الجزائري؟
الدارس للوثائق الفرنسية يتأكد رسميًّا أن الطرح البربري الانفصالي للقضية يهدف إلى استمرار الحملة الاستعمارية في إطار ثقافي قيمي ضمن سياق الإلحاق بقافلة الفرانكوفونية، والإبقاء على مثل هذه القضايا كبؤر توتر ساخنة تحدد المواقف السياسية حيال المفاوضات الاقتصادية، والبعد الفرنسي للقضية يجعله يستخرج التاريخ اللاتيني القديم بغرض تحديد جغرافي دقيق لتوسيع الفكرة، أصبح اليوم هذا التحديد له أبعاد سياسية قولية في إطار ما يسمى بتفعيل الإثنيات يفرض تحقيق الاعتراف الثقافي والشعبي والسياسي بالكيان الصهيوني، الأمر الذي يفسر طبيعة علاقة بعض دعاة الانفصال والراديكالية في الجزائر بالدوائر الصهيونية، ولا سيما إذا تعلق الأمر بطرح إثنية العرق واللغة.
ومن جهة أخرى نجد أن الواقف وراء هذه القضية لم يركز على إثنيات ولهجات أخرى في الجزائر رغم وجودها، ولكنه ركز اهتمامه على جغرافيا محددة في الجزائر استطاع طيلة قرن من الزمن أن يرسي له فيها قواعد ثقافية وسياسية تعمل اليوم على تكريس معطى جديد في معادلة توتير المنطقة، بإضافة ملف جديد إلى الملف القديم، أي بعد ملف اللغة يأتي ملف الدين «التنصير». وبين تاريخ المنطقة وجغرافيتها تلعب السلطة الحالية لعبتها!
مرحلة احتكار المطلب الأمازيغي وحوار الطرشان
من الأسباب التي تقف وراء أحداث منطقة القبائل سواء سنة ١٩٦٣ أو ۱۹۸۰ أو ۲۰۰۱م وأدت في بعض المراحل إلى حرارة الدماء، هو الاحتكار الواضح للمطلب الأمازيغي وعدم السماح بإسقاطه على الواقع من طرف السلطة وأحزاب ومنظمات اعتبرت نفسها مناضلة من أجل ترسيخ المطالب الأمازيغية على مستوى القوانين والمجتمع، وهذا الاحتكار جعل المواطن الجزائري ينظر إلى القضية نظرة سطحية لا ترقى إلى مستوى إعطاء البعد الثقافي في المنطقة حقه الواجب، وظهرت آنذاك المواقف المستبدة والرافضة لمبعث هذا المطلب، وجعلت منه سجلًّا تجاريًّا تلعب به أطراف مغمورة طامحة لتحقيق انتصارات سياسية لا أكثر ولا أقل، ووقع الذي وقع، وغاب العقل والحكمة والنظرة المستقبلية للقضية وصار هذا المطلب سببًا في تعكير الأجواء وتوتير الساحة وتجاوز الأرواح البريئة، ومن خلال ذلك سقطت الأطراف المتسببة للمطلب في فشل ذريع سواء كانت أحزابًا أو جمعيات أو سلطة عبر محافظتها، والعادي أن الطبيعة لا تقبل الفراغ خاصة في مرحلة التحولات الكبرى للمجتمع فجاء ما يسمى العروش.
النضال حتى الموت
إن معيار القياس التاريخي وتركيب الأحداث ومقارنتها يشير إلى أن جملة المطالب الأساسية التي رفعتها السلطة «لائحة مطالب القصر» تثير المزيد من التصدعات في البناء الهش الذي أرسته أحزاب المنطقة خلال السنوات الماضية، وعلى الرغم مما وصفت به التنازلات المفرطة من جانب الدولة لصالح تنظيمات غير مؤهلة للتفاوض وتحمل مسؤولية الحوار، إلا أن النتائج العملية كانت واضحة وفي وقت قصير، فالتيار المتشدد فقد السيطرة على مؤيديه الذين كانوا يغامرون في السابق لاختراق الحواجز الأمنية والدخول في عصيان مدني حقيقي، إلى درجة أن بعض القراءات ذهبت إلى أن مسيرة ١٤ يونيو ۲۰۰۱م كان الهدف منها تطويق القصر الرئاسي وفرض خروج الرئيس من القصر على طريقة شاوشيسكو، وفشل هذا التيار في الوصول إلى أبواب العاصمة (٢٠٠١/١٠/٥م) يؤكد أن عملية خلط الأوراق لن تتجاوز مستقبلًا إقليم منطقة القبائل.
بيان الحكومة
بیان رئاسة الحكومة الذي جاء في توقيت جد متوتر حمل في طياته عدة قراءات، ومنها أنه لأول مرة منذ عهد الاستقلال تعرف الجزائر قرارًا بهذا الشكل تقره حكومة رسمية، وهو الإعلان عن تضمين التعديل الدستوري وطنية ودستورية اللغة الأمازيغية، وهو أهم ما في البيان، ثم تأتي المطالب الأخرى -مطالب القصر الخمسة عشر- وهو حل نهائي لمشكلة ظلت تهدد الوحدة الوطنية منذ أمد، وهو من جهة أخرى سحب لورقة خطيرة كان يشهرها الأرسيدي والأفافاس في هذه الظروف الصعبة بغرض تحقيق مكاسب سياسية، وسيجد طبعًا نفسه أمام صعوبة ضبط برنامج عمل في المرحلة القادمة، إضافة إلى ظهور العروش كبديل من نفس الجنس يتفاوض مع السلطة، كأنه حزب سياسي -غير معتمد- والأمازيغية التي ستصبح لغة وطنية تتميز هي نفسها بالتعدد، وإذا تدسرت بهذه الصفة التي عليها، فإن النتيجة المباشرة هي تحويل الجزائر إلى بلد متعدد اللغات، وليس في ذلك عيب أو خطر، بل ليس من الوحدة الوطنية أن يرغب أبناؤنا في تعلم اللغات بدءًا باللغات الموجودة داخل الوطن الواحد، كما أنه ليس من الوحدة الوطنية أن يتعلم أبناؤنا وطنيًّا أو جهويًّا الأمازيغية بالحرف العربي حتى يعتز المواطن بثراء ثقافته من جهة وباتصالها مع تاريخه وتراثه المكتوب بالحرف العربي من جهة أخرى، بل يجب أن نعمل على تضييق الفجوة هي المفتعلة بين العربية والأمازيغية فهما شقيقتان.
والواقع أن الجزائر من الناحية العملية توجد بها تعددية لغوية، وليست هناك لغة جديدة ستضاف إلى ما هو موجود بالفعل، والفرق بين ما كان وما سيكون عليه الوضع اللغوي هو توسيع دائرة استعمالها إلى الدوائر الرسمية في المناطق التي توجد بها، لكن في المقابل: هل يكفي لإنقاذ لغة من الاندثار أن تُعطَى صفة لغة وطنية؟
لقد كان هذا الاعتقاد سائدًا في القرن العشرين لدى أصحاب النزعات القومية، غير أن هذا الاعتقاد بدأ يتراجع مع بروز تيار العولمة الجارفة الذي لا يترك فرصة لأحد أن ينغلق على نفسه، ويسبب هذا التغيير فشل الارتباط بين الثقافة والسياسة، كما أن إعطاء الطابع الرسمي لكثير من اللغات لم يضعها في مأمن، فالمختصون يقولون إن ٩٠% من لغات العالم المقدرة بـ ٦٠٠٠ لغة مهددة بالانقراض خلال الخمسين سنة القادمة، ذلك أن اللغة الآن تتجه نحو الارتباط بالاقتصاد، فكل فعل ثقافي يرتبط بالجدوى الاقتصادية، ولهذا فالاعتراف -إذا حدث- بالأمازيغية هو في الحقيقة اعتراف بواقع ثقافي قائم، وهو من شأنه تصحيح خطأ سببه سياسي وقع فيه السياسيون الذين كانت النظرة الأحادية تتحكم في تفكيرهم، وبالتالي قراراتهم، كما أن المزاج والموروث التاريخي العدائي كان له دور أساسي في عملية الإبطاء والتهميش الذي أصاب الأمازيغية كما أصاب العربية على السواء، رغم وجود القوانين المدسترة.
الحكومة تفضل منطق استرضاء الأقلية
الغريب في حوار السلطة مع العروش أو ممثلي العروش أو مندوبي العروش، هذا الحوار الذي ينبغي أن تكون له محددات الأساس فيها احترام الثوابت وقوانين الجمهورية، لكننا نسجل الملاحظات التالية في سلوك الحكومة اليوم:
أنها أصبحت تقرر في أشياء ليست من صلاحياتها، فهل يمكن للحكومة مثلًا أن يصرح رئيسها بأن اللغة الأمازيغية ستكون رسمية مع أول تعديل دستوري رسمي دونما إشارة إلى عرض هذه القضايا على المؤسسات المخولة قانونًا بمثل هذه القضايا الأساسية؟
أنها لا تكترث عندما تختار من يتحاور معها دون أن يأخذ بعين الاعتبار من هم ضد هذا الحوار.
أنها جمعت في قاعة ابن خلدون ألفًا من الأفراد الذين تقول بأنهم يمثلون العروش، وهل يمكن أن ندرس النقاط الـ ١٥ -أرضية القصر- بمثل هذا العدد أم أن المنطق هو السائد بغرض تحقيق مكاسب سياسية آنية لا تعالج حقيقة المشكلة؟ بالضبط كما حدث مع حكومة غزالي في الحوار مع جبهة الإنقاذ أو ما حدث في قانون الوئام المدني.
أن الحكومة ناقشت مع العروش في خمس ورشات قضايا أساسية منها الأمازيغية، لكن الملاحظ أن المتحدثين كانوا يتكلمون بلغة فافا «الفرنسية» بما فيهم الحكومة التي داست على الدستور واسترضت الأقليات، وليت هؤلاء تكلموا بالأمازيغية كمطلب، ولكن لا الأمازيغية ولا العربية كانت لسان الحال، فهل ذلك يجسد أن الهدف الأساسي من طرح مثل هذه القضايا هو الانتصار للفرنسية على حساب لغة التاريخ ولغة الدستور؟
عندما تدخل الدولة في منطق استرضاء الأقليات والنخب على حساب الأغلبية من المجتمع الجزائري، تكون قد حفرت قبرها بيدها وأعلنت عن موتها السياسي سلفًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل