العنوان الأطر العامة والمرتكزات الأساسية في بناء الحضارات .. العوامل المشتركة بين الحضارات المختلفة
الكاتب د.عصام البشير
تاريخ النشر السبت 01-مارس-2003
مشاهدات 49
نشر في العدد 1540
نشر في الصفحة 66
السبت 01-مارس-2003
(*) بحث مقدم للندوة السادسة لمستجدات الفكر الإسلامي التي انعقدت بالكويت ما بين 8-10ذو القعدة ١٤٢٣هـ 11-13 يناير ٢٠٠٣م.
تشترك الحضارات على اختلاف مشاربها في أصول عدة أهمها:
1 - الاشتراك في «الإيمان بالخالق»:
تجتمع الحضارات جميعها -باستثناء القلة المادية الملحدة - على الإيمان بوجود خالق لهذا الوجود... هذا الاشتراك لا يمنع من وجود اختلافات في تصور كل حضارة لخالق الوجود، فالتصور الوثني الجاهلي لم ينكر وجود خالق، ولكنه وقف - في تصوره لعمل هذا الخالق - عند حدود «الخلق».... ثم أشرك معه شركاء آخرين زعم أنهم الوسائط المدبرة لشؤون الحياة الدنيا، يفزع إليهم الإنسان عند الملمات، ولذلك لم ينع القرآن على التصور الجاهلي إنكار الخالق للوجود، وإنما نعى عليه الوقوف بعمل هذا الخالق عند حدود «الخلق» دون أفاق التدبر في ميادين الوجود كلها وسائر شؤون العمران .
ففي هذا التصور الجاهلي للذاتالإلهية: اشتراك مع التصورات الأخرى في الإيمان بخالق لهذا الوجود وخصوصية جاهلية تقف بفعل الخالق عند حدود الخلق وتشرك معه الشركاء في التدبير والتلبية لحاجات الإنسان في هذا الوجود.
٢ - الاشتراك في «إنسانية الحضارات»:
الحضارات كلها إنسانية، بمعنى أنها صناعة الإنسان وإبداعه عندما يرتقي في سلم التمدن والاستقرار... وفي هذه الحقيقة تشترك
الحضارات كلها...
لكن التصور الفلسفي لمكانة الإنسان في الكون يختلف من حضارة إلى أخرى إلى الحد الذي يصبح فيه التمييز في هذا التصور من الخصوصيات التي تتميز بها حضارة عن أخرى، رغم أنها جميعها تشترك في كونها من صنع هذا الإنسان.
3- الاشتراك في الحاجة للدين:
والحضارات الإنسانية كلها تشترك في التدين بالديانات... بل إن الشريحة التي ألحدت وأحلت «المادة» محل «الله» قد جعلت من الفلسفةالمادية عقيدة ودينًا؟
لكن الحضارات تتمايز في رؤيتها لمصدر الدين، فهناك حضارات الديانات الوضعية غير السماوية - مثل ديانات الشرق الأقصى - ومعها في هذه الفلسفة تقف «الوضعية الغربية» بمذاهبها المتعددة، فلقد زعمت أن الدين ككل ألوان الفكر وأنساقه، إنما هو إفراز بشري وثمرة من ثمرات العقل الإنساني، بل قالت إنه الممثل للفكر الإنساني في طور طفولة العقل البشري الذي ارتقى بعد الطفولة إلى مرحلة الميتافيزيقا والإيمان بما وراء الطبيعة ثم لما نضج أصبح وضعيًا لا يرى علمًا حقيقيًا ولا معرفة حقيقية إلا إذا كانا من ثمرات التجارب الحسية والعقل المجرد انطلاقًا من حقائق الكون المادي المحسوس.
فهذه الحضارات عرفت الدين لكنها جعلته «وضعًا إنسانيًا» وليس «وضعًا إلهيًا». ووحيًا سماويًا.
4- الاشتراك في الإيمان بالأسباب:
إذا كانت الحضارات كلها قد اشتركت في الإيمان «بالأسباب» وبالعلاقة بين «الأسباب» و «المسببات»، فإن مناهجها ومذاهبها وفلسفاتها قد تمايزت في مرجعية هذه الأسباب وفي طبيعة العلاقة بينها وبين المسببات:
1 - فالحضارة المادية والمذاهب الوضعية ترجع «المسببات» إلى الأسباب المادية المركبة في المادة وقواها وظواهرها وفي الإنسان والاجتماع البشري، وهم يرون فيها أسبابًا ذاتية، وليست مخلوقة لخالق وراءها ومفارق لمادتها، إما لأنهم يجحدون وجود هذا الخالق أو يتصورونه على الصورة التي تصوره عليها أرسطو محركًا أول حرك العالم ثم تركه لقواه وأسبابه الذاتية الفاعلة وحدها فيه دون علاقة تدبير بين الخالق وهذه الأسباب:
ب- أما الموقف الإسلامي من مرجعية السببية فهو الذي يؤمن بوجود الأسباب وبقيام العلاقة بينها وبين المسببات، مع الإيمان بأن هذه الأسباب المركبة جميعها في المادة وقواها وظواهرها وفي الإنسان والاجتماع البشري هي جميعها مخلوقة أيضًا وأن عملها في مسبباتها لا يعني انتفاء قدرة الموجد الأول والأوحد لها على إيقاف عملها، إذا هو سبحانه شاء إخراج الأمر من «العادة» إلى «خارق العادة» لحكمة يريدها الله....
والخاتمة، أن الواقع يفرض على الأمة المسلمة أن تعرف موقعها في مسيرة الحضارة المعاصرة على ضوء قدراتها وإمكانها الحضاري، لأن ذلك يشكل الخطوة الأولى لمعرفة أين نقف وإلى أين نتجه حتى نتقدم عن علم ودراية لسد نقص حضارة اليوم وتقديم الحلول الناجعة لمشكلاتها ولنا في الأنبياء أسوة؛ إذ إنهم قدموا الحلول لأممهم ولم يسابقوا في التقدم المادي والإنجاز العمراني من نحت للبيوت، وإقامة للأهرامات وكنز للأموال والاستغراق في اللذائذ وتعبيد الناس وإنما تقدموا لهم بالمفقود في حياتهم المطلوب لسعادتهم وإلحاق الرحمة بهم.
كذلك يتطلب الواقع من الأمة أن تعلم المداخل الحضارية التي يمكن عبرها تقديم دعوة الله في ثوب يطرق الأوتار الحساسة في المجتمعات وينصر الدين ويتمم مكارم الأخلاق ذلك أن مفهوم الوراثة الحضارية ينبني على أن الأمة الإسلامية لا تريد أن تقصي الحضارة الغربية وتبني مجدها في العصر الراهن على انقاضها بقدر ما تريد أن تكمل نقصها وتصحح مسارها... ترث خيرها وتبني عليه حضارة مشرقة تسعد العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل