العنوان بائع الحكمة!
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1886
نشر في الصفحة 54
السبت 23-يناير-2010
خرج أحد الولاة ذات يوم في جولة بالسوق وقد تنكر في زي تاجر، فمر بدكان قديم شبه خال من البضائع والسلع، وفيه رجل كبير في السن، يجلس على مقعد خشبي قديم.
نظر الأمير في أرجاء الدكان فلم ير سوى بعض اللوحات، فسأل الوالي صاحب الدكان جنت السوق لاشترى.. فماذا عندك؟ فأجابه الرجل بهدوء وثقة عندي أغلى بضائع السوق!!
تبسم الوالي متعجبا من قول الرجل، وقال له: يا رجل، أنا لا أرى في دكانك شيئًا يشترى هل أنت جاد فيما قلت؟ أم أنك تمزح؟!!
فأجابه الرجل: نعم، أنا جاد جداً فبضائعي ثمينة غالية، فهي تختلف عن بضائع السوق كلها!!
أخذت الوالي الدهشة وهو يسمع هذا الكلام من صاحب الدكان، وبادر بسؤال الرجل ماذا تبيع يا رجل؟ فأجابه: أنا أبيع الحكمة وقد بعت منها الكثير والكثير، وعادت على من اشتروها بالخير الوفير، ولم يبق عندي سوى لوحتين!!
أمسك الوالي بإحدى اللوحتين، ومسح عنها الغبار، فوجد مكتوبا عليها: فكر قبل أن تفعل!!
تدبر الوالي العبارة مليًا، ثم التفت إلى الرجل وسأله بكم تبيع هذه اللوحة؟ فأجابه الرجل بهدوء وثقة أبيعها بعشرة آلاف دينار فقط!!
ضحك الوالي طويلًا، في حين كان الرجل ساكنًا وينظر إلى اللوحة نظرة تقدير وإعزاز
وبادره الوالي سائلًا: هل أنت جاد في كلامك هذا؟ فقال الرجل: نعم، جاد، ولا مساومة في الثمن ولا مناقشة!!
ضحك الوالي متعجبا مندهشا وظن أن البائع مختل عقليًا، فاستمر في ممازحته وقال للرجل: أشتري هذه اللوحة بألف دينار.. فماذا تقول؟
رفض الرجل دون تردد، فظل الوالي يزيده حتى وصل إلى تسعة آلاف دينار، ولكن الرجل أصر إصرارًا على السعر الذي نطق به أول مرة وهو عشرة آلاف دينار.
انصرف الوالي وهو يضحك، يكاد لا يصدق ما سمعه ورآه، وظن أن الرجل سيناديه بعد أن يبتعد عنه خطوات قليلات ولكن هيهات هيهات.. فإن الرجل الكبير لم يكترث بانصرافه.
وبينما كان الوالي يتجول في السوق هم أن يفعل شيئًا يأباه الخلق السليم، فتذكر الحكمة التي رآها مكتوبة على اللوحة بالدكان فكر قبل أن تفعل، فأعرض عما كان ينوي صنعه وهنالك أدرك أنه انتفع بالحكمة، وأيقن أن هذه الحكمة يمكن أن تكون له وقاية من شرور كثيرة يمكن أن يقترفها، فتفسد عليه حياته، ومن ثم تحرك سريعا صوب دكان الرجل الكبير، ولما وصل إلى الرجل قال له: لقد قررت أن أشتري هذه اللوحة بالثمن الذي حددته أنت.. فنهض الشيخ الكبير من على كرسيه، وأمسك بقطعة قماش قديمة، ومسح اللوحة فأزال بقية الغبار الذي علق بها، وبعد أن قبض ثمنها وقبل أن يغادر الوالي الدكان قال له الشيخ قبل أن أسلمك هذه اللوحة لي شرط. فقال الوالي وما الشرط؟ فقال الرجل: شرطي أن تكتب هذه اللوحة على باب بيتك، وبأي مكان تستطيعه في بيتك بل وعلى أدواتك وملابسك التي تستخدمها قدر استطاعتك!! فوافق الوالي!!
مرت أيام وأسابيع وشهور، وبينما كان الوالي يعيش في أمن وسلام، يتنعم في قصره ويحرسه جنده، ويقوم الخدم على خدمته.. إذا بقائد جنده يقرر اغتيال الوالي لينفرد هو بالولاية!! وبالفعل حبك المؤامرة مع حلاق الوالي بعد أن أغراه بإغراءات شتى.
توجه الحلاق إلى مكان الوالي، فلما وصل إلى باب القصر رأى مكتوبا على بابه فكر قبل أن تفعل!! فارتبك الحلاق، وارتعدت فرائصه هلعا وخوفًا، ولكنه استجمع جرأته، وعاد لينفذ فعلته.. وبينما هو يمشي في القصر إذا به يقرأ هذه الحكمة في كل مكان تقع عليه عيناه فكر قبل أن تفعل!! ... حاول الحلاق أن يهرب من تلك الحكمة، فكلما رآها بعينيه حاول أن يبتعد عنها فإذا به يجدها في كل أرجاء القصر، فانتفض جسده من جديد، وشعر بأنه المقصود بالعبارة، وأن العبارة تتردد على سمعه فجرى صوب الوالي، فلما رآه أدهشه أن يرى الحكمة مكتوبة في الغرفة التي يمكث بها الوالي، فظن أن الوالي قد علم بمؤامرته، ولما أتى الخادم بصندوق الحلاقة اندهش الحلاق أكثر لما وجد الحكمة مكتوبة على الصندوق: «فكر قبل أن تفعل !!» اضطرب الحلاق ونظر إليه، فإذا بالحلاق بين يدي الوالي منهارا وهو يبكي، وصرح للوالي بتفاصيل المؤامرة، وبين له أن هذه الحكمة كانت السبب الوحيد الذي صرفه عن تنفيذ الاغتيال، فنهض الوالي وأمر حبس قائد الحرس وأعوانه وعفا عن الحلاق لصدقه وعمله بالحكمة التي قرأها!!
وقف الوالي أمام اللوحة وكرر قراءتها وأدرك ثمرتها فقرر أن يذهب لصاحب الدكان ليشتري منه حكمًا أخرى، ولكنه عندما وصل وجد الدكان مغلقًا وقد غطاه التراب، فلما سأل عن صاحبه، فأخبره الناس أن روح صاحبه قد صعدت إلى بارئها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
حزن الوالي على صاحب الدكان، وظل يترحم عليه، ويدعو له بالأجر والمثوبة والمغفرة والجنة.
الحكمة في القرآن الكريم
ولقد وضح الله عز وجل في كتابه الكريم قدر الحكمة، ووصفها بالخير الكثير، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ٢٦٩).
وقد ذهب المفسرون في تبيان لفظ الحكمة مذاهب متعددة، لكن كل معنى أثبتوه يدل على الحكمة، فبعضهم رأى أنها القرآن، وبعضهم رأى أنها السنة، وغيرهم فسرها بالفهم، وبعضهم رأى أنها العقل.
يقول الإمام الشوكاني - يرحمه الله – في فتح القدير قوله: «يؤتي الحكمة» هي العلم أو الإصابة في القول: ورأى البعض أنها الخشية ورأى البعض أنه كل شيء عظيم.
مكانة الحكمة في السنة المطهرة
يقول رسول الله ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها»، (رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه).
الحكمة مهمة النبي ﷺ
لقد أكد الله سبحانه المهام الأساسية للنبي ﷺ في أربعة مواضع من القرآن الكريم منها موضعان في سورة البقرة، وموضع في آل عمران، ورابع في سورة الجمعة، مع تقديم التزكية أو تأخيرها. ومن هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى في سورة الجمعة ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).
الحكمة في بيت النبوة
فقد أكد الله عز وجل أن الحكمة ذكر يتلى في بيوت النبي المباركة، قال تعالى:﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ( الأحزاب: 34).
الحكمة من أعظم النعم
فقد أنعم الله على أصفيائه من الأنبياء والصالحين بالحكمة، ومن عليهم بهذه المنة، ومن ذلك امتنانه على:
- داود عليه السلام. قال سبحانه ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ﴾ (البقرة: ٢٥١).
- عيسى عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ (آل عمران: 48).
- ومحمد، قال سبحانه ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء:113).
- لقمان الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ ﴾ (لقمان:۱۲).
ما الطريق إلى تحقيق الحكمة؟
يستطيع الإنسان أن يحقق الحكمة في ذاته أو في غيره بطرق متعددة، فقد يكون فطريا غريزيًا فطر الله عبده عليه، وقد يكون كسبيًا، أي يكتسبه الفرد من خلال المران والتدريب، كما يتحقق بمصاحبة الحكماء، واكتساب الحكمة منهم والأفضل الأخذ بكل هذه الطرق.
نموذج تربوي تطبيقي
يستطيع الإنسان أن يربي ذاته وغيره كأفراد بيته أو طلابه - كأن يكتب الفرد مثلا الله يراني على مكتبه، أو في لوحة ويعلقها بغرفته في مكان مناسب، أو يضعها على شاشة الحاسوب، أو يعلقها أعلى التلفاز، أو في واجهة المركبة «السيارة»، أو في غرفة الأولاد، أو على باب البيت قبل الخروج أو قبل الدخول.
وينطبق ذلك على بقية الكلمات الحكيمة المؤثرة، كأن يكتب الفرد الله يسمعني.. و الله يحصي علي أقوالي، الله يحصي علي أعمالي ...
إننا بهذا المسلك نستطيع أن نبرمج أنفسنا على السلوك الإيجابي والخلق الحميد، ومع التكرار والترديد والاستماع والتدبر نعمق هذه المعاني في العقل الباطن، ومن ثم تستقر في العقل والقلب والوجدان والروح، وسوف تدرك أثر ذلك في حياتك ومماتك بتوفيق مولاك سبحانه.