; المجتمع الثقافي | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 02-فبراير-1992

مشاهدات 66

نشر في العدد 987

نشر في الصفحة 42

الأحد 02-فبراير-1992

هكذا يعلم الربانيون

احترس من النعمة احتراسك من المعصية

بقلم: محمد الجاهوش

أوصى عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان حينما وجهه إلى البصرة:

«يا عتبة اتق الله فيما وليت وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك وقد صحبت رسول الله فعززت بعد الذلة، وقويت بعد الضعف حتى صرت أميرًا مسلطًا وملكًا مطاعًا تقول فيسمع منك وتأمر فيطاع أمرك.

فيالها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك وتبطر على من دونك.. احترس من النعمة احتراسك من المعصية وهي أخوفهما عندي عليك.

إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا واتق مصارع الظالمين» (البداية والنهاية ج ٤ ص ٤٩).

يا لها من وصية جديرة أن تكتب بماء الذهب وأن تكون دستورًا لكل من ولاه الله تعالى شيئًا من أمور المسلمين ليسوسهم بتقوى الله تعالى ويرعى مصالحهم وهو يخشى من الحساب (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (آل عمران:30).

فالتقوى حجاب يحول دون طغيان النفس وجموحها وهي حاجز يردع المرء عن محرمات الله تعالى ويحكم تصرفاته على وفق الموازين الإلهية التي ارتضاها لعباده.

فذو التقوى عادل لا يظلم، رحيم لا يبغي، أمين لا يخون، رفيق لا يجور، حريص على آخرته، لا يأشر ولا يبطر، يلين للناس- كل الناس- ويتواضع لهم، فالكبر يحبط العمل وينافي الإيمان ويغرس الكراهية في الأنفس والقلوب، يعيش صاحبه محفوفًا مبغوضًا مكروهًا تنفر منه القلوب وتدعو عليه الألسنة، وإن جامله الناس بظاهر من القول اتقاء شره وخشية أذاه.

وجدير بصاحب الماضي العريق أن يحافظ على ماضيه ويصل به حاضره لتبقى حلقات الخير مسلسلة آخذًا بعضها برقاب بعض، ولا يجمل به الوقوف عند حد معين، ويقول لقد أديت الذي علي وبقي الذي لي.

فمن للشدائد يخوض غمارها إذا ما توارى الأبطال ومن للمعضلات والنوازل يجلي خفاها إذا لم يتصد لها أهل العلم والرأي، ويعالجها أصحاب السابقة والتجارب، وهل يجمل بنوى الطاقات والمعارف إخلاء الساحة لغير المؤهلين ولأنصاف المتعلمين يصولون ويجولون ويشار إليهم بالبنان؟

هل هذا يبلغ الأمة غايتها أو يصل بها إلى هدفها في الإصلاح؟ إنهم متى فعلوا ذلك فقد تخلوا عن واجبهم وقصروا في حق أمتهم وفتحوا بابًا من الشر يصعب سده وقد لا يمكن أبدًا.

متى يصل العطاش إلى ارتواء        

إذا استقت البحار من الركايا

ومن يثني الأصاغر عن مراد         

وقد جلس الأكابر في الزوايا

إذا استوت الأسافل والأعالي      

فقد طابت منـادمة المـنايـا

لقد أدرك هذا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يتكلوا على ماضيهم وما أسلفوا من خير وجهاد وهجرة وبذل وعطاء.

إن كل ذلك في نظرهم لا يفيد صاحبه، إذا لم يرتبط حاضره بماضيه ويكون امتدادًا له في استمرار البذل والعطاء وفي احترام الناس وإنزالهم منازلهم.

إن كل ذلك لا ينفع إذا ما تجاوز صاحبه قدر نفسه أو بطر على من دونه.. فما هذا من صفات المؤمنين ولا هو من أخلاق المتقين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون.

فمتى تجاوز الإنسان قدره نسي ماضيه وغاب عنه حاضره واختلت لديه الموازين والقيم فلا يرجى خيره ولا يؤمن شره وتكون المصيبة أشد والضرر أكثر إذا كان من ذوي السلطان والنفوذ.

ومتى بطر الإنسان على من دونه فقد حقر ما عظم الله تعالى وتعدى حدوده ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقادها إلى الهلاك.

إن سياج النعمة الشكر، فبه تدوم النعم وبه تنمو وتزيد (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) والعاقل يخشى النعمة ويخاف فتنتها ويحذر أن تنساق نفسه مع هواها فتأشر وتبطر وتطغى وتتجبر، ويقودها ذلك إلى الفخر والخيلاء، فيكون في ذلك حتفها وهلاكها وقديما قيل: «رب معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عزًا وافتخارًا».

فالعاقل من أفاد من واقعه وجرى مع سنن الله تعالى فاتقى المعاصي وسخر النعمة لما فيه خيره وخير الآخرين.

وكثير من الناس سارعوا في المسير إلى الله تعالى فلما رفعت لهم الدنيا أرادوها وركنوا إلى نعيمها وخدعتهم بنضرتها فاستروحوا ظلالها وآووا إلى كنفها، فضعفت همتهم عن أهدافهم المثلى وغايتهم العليا، فقعدت بهم مع القاعدين فمن أراد الله والدار الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا واستعلى على مغرياتها ومباهجها واتخذها معبرًا إلى دار الخلد التي لا ينفد نعيمها ولا يبلي جديدها ولا يشيب ساكنوها.

وعلى المؤمن لاسيما من كان في موقع المسؤولية أن يكون دائم الفكر في مصير من سبقه من أصحاب الملك والسلطان فيفيد من سيرة العادلين ويتقي مصارع الظالمين.

فكم دمر الظلم ديارًا، وكم أزال ملوكًا كانوا ملء السمع والبصر، سادوا وشادوا وبنوا واتخذوا الخدم والحشم وأترفوا في دنياهم أیما إتراف.

ما تزال آثارهم شاخصة وقصورهم خاوية.. ذهب الملك والنعيم، وزال الجاه والسلطان، وبقيت الآثار للمعتبرين « فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ» (القصص:58)، « وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ» (الحجر:76) « وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (الصافات:137-138).

ألا رحم الله عمر بن الخطاب، ما كان أثقب بصره وأدق فهمه، ولا عجب.. إنه تلميذ النبوة هدى الله قلبه وجعل الله الحق على لسانه.. وهكذا يعلم الربانيون.

إصدارات
أيها الشهداء إنا قادمون

مسرحية تركية تعبر عن معاناة المسلمين الأتراك في بلغاريا والظلم الذي يتعرضون له وآمالهم في الخلاص.. ألفها الكاتب التركي «رمزي أوزجليك» وترجمها الدكتور محمد حرب الذي سبق له أن قدم عملين أدبيين يعبران عن معاناة الشعوب الإسلامية، فترجم إلى العربية رواية «السنوات الرهيبة» للكاتب القرمي (نسبة إلى القرم) جانكيز ضاغجي، ورواية «الهجرة من أفغانستان» للكاتبة الأفغانية «مرال معروف» بهدف إيجاد حلقات من التواصل بين شعوب الأمة الإسلامية وتقديم نماذج من الأدب الإسلامي المعاصر بلغاته المختلفة.

أما موضوع هذه المسرحية فلم يكن حصيلة خيال وإنما أخذ من واقع الحياة التي يعيشها المسلمون في بلغاريا وقد طبعت للمرة الأولى بالتركية عام ١٩٧١م ثم عام ١٩٧٦م ومثلت قبل ذلك في العديد من المدن التركية ولاقت إعجابًا وتجاوبًا كبيرين.

تدور أحداث هذه المسرحية في قريتي «يان بولو» و«بورغاز» القريبتين من صوفيا عاصمة بلغاريا وزمانها سنة ١٩٦٤م وتبرز عن طريق أحداث تقع في محيط مأساة عائلية محاولات المسلمين هناك في الحفاظ على هويتهم وعلى كيانهم وثقافتهم وقبل كل هذا على دينهم وتتردد أحداثها بين فكرة الوطن وحب المسلم لأمته وبين الحب البشري كرمز لنهضة الروح في الأمة وأراد بها المؤلف أن ينقل شعور المسلمين في بلغاريا إلى الخارج ليحدث ارتباطًا بين الخارج وبينهم كما أراد أن يؤكد تشكيل مقاومتهم وفعاليتهم.

وقد جاءت الرواية في ثلاثة فصول من خلال ١٥٩ صفحة من القطع المتوسط وتوزع طبعتها العربية الأولى في المملكة العربية السعودية- دار البشير- جدة ص ب ٢٨٩٥

ومضة

السجن إعدام للحرية، سواء كان السجين بلبلًا في قفص أو موقوفًا في معتقل أو معارضًا في زنزانة.. كل أولئك يعيشون حالة إقالة قسرية عن المجتمع..

لكن السجين الذي ينتظر ساعة الفرج ويحلم في عودة الحرية مرة أخرى يرجى له أن يحقق أمله ولو بعد حين.

أما الإنسان الذي يعيش أسير ذاته تكبله أحزانه وأشجانه وخصوصياته وينظر إلى الدنيا الواسعة من خلال اهتماماته الصغيرة وهواجسه التي لا تخرج عن نطاقه الضيق وأحلامه التي لا تتعدى دائرته المحدودة وإطار علاقاته الخاصة، أما هذا الإنسان فهو السجين الحقيقي لأنه يعتبر نفسه حرًا وهو الأسير، ويتصرف كأنه طليق وهو مقيد، ويتعامل مع الآخرين على أنه كائن حي ناسيًا أنه دفن نفسه في قبر ذاته لا يصل صوته إليهم إلا بصعوبة بالغة بعد أن يتجاوز أكوام التراب التي أهالها على نفسه.

يخيل إليه أنه مخلوق مميز يجب على من حوله أن يحترموه وهو لا يحترم أحدًا، ويطلب أن يشاركه الناس في أفراحه وأحزانه وهو لا يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، بل إنه يعتب أو يحقد أو يتذمر منهم لأنهم لا يحسون بإحساسه ولا يشعرون بما يعانيه من هموم وآلام، في حين يعتبر أن عليه أن يحس بأحاسيسهم أو يتعرف على معاناتهم.. إذا هدت على جسده ذبابة حمل الدنيا مسؤولية هذا التعدي الأثيم واتهمها بالتقصير في نصرته وتأمين الحماية له.

وإذا نهشت غيره أفعى لم يرف له جفن أو يتحرك له ساكن لمؤازرته والدفاع عنه، وربما أعجبه المنظر فانطلق مقهقها يوجه مصورته لالتقاط المشهد الفاتن.

ليس السجين من يتطلع للخلاص ويرقب نسمة الحرية ولكنه الذي يعيش مكبلًا داخل أسوار ذاته تعجبه قيودها وتستهويه أغلالها وكلما لاحت بوارق الحرية هرب إلى داخله محتميًا بسراديبه المظلمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

562

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

465

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

459

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28